رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت أستغرب من بعض أحاديث آخر الزمان، منها هذا الحديث الذي يرويه كاتم أسرار النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – حذيفة بن اليمان عنه صلى الله عليه وسلم قال: يدرُسُ الإسلامُ كما يَدرُسُ وَشْيُ الثوبِ حتى لا يعلم أحد لا صلاة ولا صيام ولا نسك، حتى أنّ الرجل والمرأة ليقولانِ: قد كان من قبلنا يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقول: لا إله إلا الله. قال له أحد كبار التابعين ويدعى صلة العبسي: ما تُغني عنهم لا إله إلا الله؟ قال: يدخلون بها الجنة وينجون بها من النار.
وجه الاستغراب أتى من ذلك المستوى الذي يصل إليه المسلم في وقت قادم لا ريب فيه، لا يدري عن الدين سوى لا إله إلا الله، بل ربما لا يدري إن كان هو مسلماً أو ماذا يعني أن يكون مسلماً وأمور أخرى مرتبطة بالدين. فكيف يمكن أن يصل إنسان إلى هذا المستوى من العلم، وخاصة أننا نشهد طفرة علمية معرفية وتقنية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، ومرشحة لأن تتطور سريعاً في قادم العقود والقرون، وبشكل لا يعلم مداها إلا الله.
اليوم مثلاً، ومن بعد ثورتي التقنيات والمعلومات اللتين بدأتا منذ عشرين عاماً، صار أمر التعليم والتعلم أكثر يسراً وسهولة، والبحث عن المعلومة لا يأخذ منك ذاك الجهد الذي كان قبل ثلاثة أو أربعة عقود مثلاً. وبمقارنة سريعة بين ما كنا عليه وما نحن الآن، سنجد الفروقات شاسعة مذهلة.
حالياً، ولا أدري عن المستقبل، لا يستغرق البحث عن أي معلومة تريدها عبر محركات البحث المعروفة سوى ثوان معدودة، لتجد آلاف الخيارات من مصادر متنوعة حول النقطة التي تبحث عنها، وما عليك بعد ذلك إلا انتقاء ما تبحث عنه والتثبت من دقة المصادر بطرق ووسائل صارت متوفرة أيضاً.
ماذا يعني كل هذا التطور؟
بشيء من التأمل والتفكير فيما يحدث الآن من تطور علمي هائل، ستجد أنه دليل على انتشار العلم وسهولة الحصول عليه بأقل المجهودات وأسرع الأوقات، فنحن ما زلنا في بدايات تمكن الإنسان من التقنيات وأدوات البحث والنشر، ولا ندري كيف هو الوضع بعد عقدين من الآن، ولا أقول أكثر من ذلك، أو لا أريد أن أستشرف مستقبل البشرية أبعد من هذا، لأن التطور العلمي البشري أمسى سريعاً جداً، فما نعتبره مذهلاً اليوم، قد يكون بدائياً بعد سنوات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.
ماذا أريد أن أصل إليه اليوم؟
عودة على بدء، وبشيء من التأمل مرة أخرى في حديث حذيفة من أن الإسلام سوف يدرسُ كما يدرسُ وشْيُ الثوب، أي تنمحي آثاره وتعاليمه كما تنمحي نقوش الثوب مع الزمن وتختفي، فإنه يمكن القول بأن الحديث، كفرضية أولى، ربما يشير إلى ما سيكون عليه البشر - ومنهم المسلمون - في آخر الزمان، حيث لا حضارة ولا علم ولا عمران. أو ربما عكس ذلك تماماً، كفرضية ثانية.
إن أخذنا بالفرضية الأولى، سنلاحظ أن ما نعيشه الآن من تطور علمي معرفي وتقني هائل غير مسبوق، ربما يختفي بقدرة قادر أو سبب من الأسباب، بحيث يدخل الناس في فترة زمنية ينتشر الجهل وتعود الأمية من جديد، من بعد أن تكون العلوم والمعارف قد اختفت تدريجياً من الصدور والعقول، بعد اختفائها من مواقع التخزين الإلكترونية وأجهزة الحاسوب المختلفة والذكاء الاصطناعي وغيرها مما نعرفها الآن، أو أخرى قد تظهر وتكون فائقة القدرات والإمكانات أيضاً. وبالتالي سيكون منطقياً حدوث ذاك الجهل عند المسلم وغير المسلم، ويكون فهم الحديث النبوي الشريف يسيراً دون كثير صعوبات.
لكن ماذا لو أن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يتحدث فعلاً عن زمن مثل الذي نعيشه، كفرضية ثانية، على رغم أننا اليوم مثلاً وبفضل الله ثم التقنيات المعلوماتية والتواصلية، صار جل العالم يعرف عن الإسلام والمسلمين أكثر مما مضى، وصار أمر البحث أو الوصول إلى معرفته غاية في السهولة، يستطيع من أراد ذلك أن يحصل على مبتغاه في أي زمان وأي مكان؟ فكم اهتدى الآلاف إلى هذا الدين بفضل التقدم العلمي والمعرفي الذي نعيشه الآن، ثم صارت تتعلم وتتفقه ذاتياً في الدين عبر هذه الوسائل، دون حاجة للتواصل البشري مع أساتذة وعلماء وفقهاء وغيرهم ممن لهم علم ودراية بالدين وتفاصيله. أيُعقل بعد كل هذا وفي ظل هذا التقدم المعرفي المذهل أن يجهل المسلم أبسط أساسيات دينه؟
لو تتأمل معي وتمعن النظر في تلك الجهود الجبارة، التي تُبذل هنا وهناك لسلخ الناس عن دينها وعقيدتها وثقافتها في مواقع جغرافية شتى، لاسيما العربية منها، وإغراقهم بشتى الملذات والملهيات أو المنغصات والمشكلات، حتى رأينا فعلياً مسلمين لا يدري أحدهم عن دينه سوى لا إله إلا الله في مثل هذا الوقت من التقدم العلمي والمعرفي والتقني البشري الهائل والمذهل، لوجدت أن من كنا نعتقدهم المقصودين في أحاديث آخر الزمان، والذين سيأتون بعد قرون عدة أو آلاف السنين من الآن، ما هم سوى مسلمي اليوم !
ماذا يعني هذا؟
الأمر وحتى لا يلتبس عليك كثيراً، واضحٌ يسير.
أحاديث آخر الزمان لم تحدد زمناً معيناً وكيف شكل ذاك الزمن ومن يعيش أثناءه. ففي التصور الأولي لأحاديث آخر الزمان، سيتراءى لمعظمنا أنها تتحدث عن عالم متخلف أشبه بكائنات العصر الحجري، أو سكان الغابات والجبال وما شابههم. حيث لا علم حينذاك ولا حضارة ولا شيء مما نحن عليه اليوم. وهذا في نظري تصور غير صحيح، ولا يمكن القبول به، بدليل مثال المسلم الذي لا يعرف سوى لا إله إلا الله، الذي ذكرناه آنفا. فكيف تصف مسلماً يعيش عصر العلم والمعرفة والتقنية، ولا يدري عن دينه سوى بضع كلمات ربما سمعها من أهله أو محيطه؟ هذا المسلم الذي ربما لو تُرك دون رعاية وهداية، لن يكون بمقدور أحدنا بعد حين من الدهر قصير، التفريق بينه وبين غير المسلم على سبيل المثال.
أليست مثل هذه النوعية هي التي تحدث عنها رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في الحديث؟
الجواب دون كثير عناء: لم لا؟ بل لم لا نتأمل الأمر ونعيد التفكير من جديد؟ ولم لا نكون نحن فعلاً المقصودين في بعض أحاديث آخر الزمان؟ لا شيء يمنع من ذلك، وشواهد هذا العصر المؤكدة على ذلك، أكثر مما يمكن أن نحصرها.
موضوعنا هذا ليس ترفاً فكرياً فلسفيا، بل هو تنبيه لخطر واقع بدأت آثاره بالظهور، والمحتمل أن تتعمق سلبياته أكثر فأكثر ما لم نتداركه. نحن في خطر اتساع دائرة الجهل بالدين، رغم التقدم العلمي والمعرفي والتقني الهائل، بعد انتشار وتراكم الأفكار الفاسدة والفلسفات والملهيات عن أيماننا وشمائلنا وفوقنا وتحتنا وكل اتجاهات أرضنا، والتي من المفترض أن تزيد مستخدميها علماً ونوراً وفهما، لكن الواقع يقول بغير هذا!
أسأل الله في الختام، السلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه ويرضاه رب الأنام، والوقاية من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15183
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1638
| 10 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1368
| 12 فبراير 2026