رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

291

د. أحمد المحمدي

العصبية والحداثة: هل اختفت السنن؟

06 أبريل 2025 , 01:30ص

إن السنن التي تحكم الاجتماع الإنساني ثابتة لا يغيرها تبدل الأزمان، ولا تعاقب الدول، بل هي كالنور في امتداده، وكالماء في جريانه، لا تزيده العصور إلا تحويرًا في مظاهره، أما الجوهر فباق لا يتبدل.

وإنّ من هذه السنن ما يُدركه المتبصر في أحوال البشر، فلا يجد اختلافًا بين الأمس واليوم إلا في الأشكال والعبارات، أما الحقائق، فهي كما هي، وإن تزينت بألف لباس.

ومن أشدّ هذه الحقائق وضوحًا، والتي لطالما غفل عنها من ظنّ أن الحداثة قد قلبت وجه التاريخ: مسألة العصبية التي قامت عليها الدول، وتوطد بها سلطانها.

فالعصبية، كما أوضح ابن خلدون، ليست محض أثرٍ من آثار البداوة، يذهب بذهابها، ولا هي من مخلفات الجاهلية التي انقضى عهدها، بل هي طبيعةٌ راسخةٌ في الاجتماع الإنساني، تنبع من فطرة الإنسان في ولائه وانتمائه، ثم تتجلى بأشكال مختلفة، فتارةً تكون عصبية النسب، وتارةً تكون عصبية المذهب، وتارةً تكون عصبية الفكرة، لكنها في جميع أحوالها تظلّ هي القوة الدافعة التي تُقيم الدول، أو تُسقطها إذا أصابها الوهن والتفرق.

لقد توهّم البعض أن العصبية بظهور فجر الدول الحديثة قد زالت، وأن روابط الدم والنسب قد تلاشت تحت ظلال القوانين والدساتير، ولكن من يتأمل في عمق الأمر يدرك أن العصبية لم تندثر، بل تحولت من صورة إلى صورة، وانتقلت من القبيلة إلى الحزب، ومن العشيرة إلى المؤسسة، ومن روابط الدم إلى روابط المصالح، فصار الولاء للوطن مظهرًا جديدًا من مظاهر العصبية

لقد كان ابن خلدون في نظرته إلى العصبية كمن يكشف ناموسًا من نواميس الكون، إذ رأى فيها الأساس الذي تقوم عليه السلطة، فمن لا عصبية له لا ملك له، وإن قامت له دولة فسرعان ما تنهار، كما انهارت دولٌ كثيرةٌ لمّا ضعفت عصبيتها وتشتت أهلها في المطامع والأهواء.

إن الدولة لا تنهض بغير قوةٍ تحميها، وسلطانٍ يذود عنها، وهذا السلطان لا يكون إلا بوجود عصبية متماسكة، تُقيم أركانه، وتحفظ تماسكه. فكما أن القبائل في الجاهلية لم يكن لها شأنٌ إلا بزعيمٍ تسنده عصبية قومه، فكذلك الدول اليوم لا شأن لها إلا بما تمتلكه من قوةٍ تؤيد سلطانها، وتحفظ وجودها. فالجيوش التي تحمي الحدود، والأجهزة الأمنية التي تحفظ الاستقرار، والإدارات التي تشرف على تسيير شؤون الدولة، جميعها مظاهر من مظاهر العصبية الحديثة، ولكنها لم تعد تُنسب إلى الدم، بل إلى النظام والمصلحة المشتركة.

والعصبية كما كانت ضرورةً في قيام الدول، فإنها إذا تحولت إلى استبدادٍ وظلم، كانت معول هدمٍ لا أداة بناء، وهنا تكون سنن التاريخ واضحةً في تحذيرها، إذ لم تسقط دولةٌ إلا بعد أن ضعفت عصبيتها، أو تحولت هذه العصبية إلى أداة قهرٍ واستئثار، حتى دبّ الضعف في مفاصلها، وتسلل الأعداء إلى ثغورها، كما أشار ابن خلدون حين قال: “الملك إذا ذهب عنه الحكم وانفرد بنفسه، ولم يكن له من يحمله على أمره، فاختلّ نظامه، وسرعان ما زال سلطانه”.

ولعل من أكبر الأوهام التي وقع فيها الحالمون بعالمٍ بلا عصبية، أنهم ظنوا أن الدول تقوم بالدساتير وحدها، وأن القوانين المكتوبة ولو بحبر العدالة كافيةٌ لبناء الأمم، متناسين أن القوانين، وإن كانت عادلة، لا تستطيع فرض نفسها على الواقع ما لم تكن هناك قوةٌ تحميها، ومؤسساتٌ متماسكةٌ تفرض احترامها. فالقانون بلا سلطةٍ كالسيف بلا حامل، والعدل بلا قوةٍ لا يكون إلا وهمًا في عقول التائهيين

إن العصبية كامنةٌ في كل زاويةٍ من زوايا الاجتماع الإنساني، تسري كما يسري الدم في العروق، تحكم الأفراد كما تحكم الأمم، وتظهر بأشكالٍ لا تُحصى، لكنها في جوهرها واحدة، لا تتغير بتغير الأزمان، ولا تفنى بمرور الأحقاب، بل تبقى، شاهدةً على سنن الاجتماع، لمن كان له قلبٌ يتأمل، أو عقلٌ يتدبر.

مساحة إعلانية