رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

219

سعدية مفرح

أبستين ومقاييس العالم المزدوجة !

09 فبراير 2026 , 06:32ص

قضية إبستين أوسع من حكاية فردية وأثقل من فضيحة جماعية، وأشدّ تعقيدًا من أن تُختصر في اسمٍ أو صورة أو مقطع أو تقرير أُفرج عنه بعد حذفٍ مريب. ما جرى هناك كان تمرينًا قاسيًا على كشف ما يُقال عنه حضارة وهو في جوهره شبكة مصالح، وما يُقدَّم بوصفه منظومة قيم بينما يتصرّف كآلية انتقاء لا ترى إلا من يملك النفوذ والمال.

القضية لم تصدم الضمير الإنساني لأنّها كشفت جريمة، فالعالم يعرف أن الجرائم لا تُرتكب في الأزقة المظلمة وحسب، بل لأنّها عرّت ذلك التناقض الفجّ بين الخطاب والممارسة، وبين محاضرات حقوق الإنسان، والقدرة الفائقة على حماية المتورطين عندما ينتمون إلى النادي الصحيح؛ نادي الأسماء اللامعة، والعلاقات العابرة للقارات، والابتسامات المصقولة في الصور الجماعية.

ما يلفت النظر أنّ الأسئلة الكبرى لم تُهزم بالحجج، لكنها دُفنت بالصمت المدروس، وبالتسويف، وبإغراق التفاصيل الثانوية، وبالتلاعب بمسار العدالة من داخلها، وكأن النظام يقول ببرود؛ يمكننا أن نتحمّل سقوط فرد، لكننا لن نسمح بأن يُمسّ السقف. والسقف هنا ليس قانونًا، بل شبكة حماية غير مرئية، تعمل بدقة، وتعرف متى تُغلق الملفات، ومتى تفتح نوافذ جانبية للهروب.

الغرب الذي يقدّم نفسه وصيًا أخلاقيًا على العالم، والمستعدّ لقياس ديمقراطيات الآخرين بمسطرة صارمة، بدا في هذه القضية مرتبكًا ومتلعثمًا ومشغولًا بترتيب روايته أكثر من انشغاله بالضحايا الذين صاروا أرقامًا، أو شهادات مبتورة، أو قصصًا مؤجلة باسم الإجراءات. 

واللافت أنّ الشفافية، التي تُرفع شعارًا في مواجهة دول أخرى، غابت حين صار السؤال داخليًا، وحين صار الاتهام يطال طبقات عليا لا يُفترض الاقتراب منها. 

لم يكن انهيار الثقة لحظة واحدة، بل تراكم إحساس بأن العدالة ليست عمياء كما يُقال، بل تعرف جيدًا إلى أين تنظر، ومتى تُشيح بوجهها. تعرف من يُستدعى للتحقيق، ومن يُستثنى باسم الحصانة غير المكتوبة. تعرف كيف تُدار المحاكم حين يكون المتهم ثريًا، وكيف تُغلق الأبواب حين تصبح الحقيقة مُكلفة.

الأخطر من الجريمة ذاتها هو ما بعدها، لأن ما بعدها كشف أن النظام قادر على امتصاص الصدمة، وعلى إعادة إنتاج نفسه من دون مراجعة حقيقية. تُصدر البيانات، وتُعقد المؤتمرات، ويُعاد تدوير المفردات ذاتها، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة، وكأن العدالة ترفٌ يُؤجَّل حين يهدد صورة القوة.

هذه القضية، في جوهرها، لم تكن عن الغرب فقط، بل عن المعايير المزدوجة حين تُصبح أخلاق السياسة أداة انتقائية. عن عالم يطالب الآخرين بالاعتراف والاعتذار والمساءلة، لكنه حين يُمتحن في ساحته، يختار الإغلاق بدل المكاشفة، ويطلب من الجميع أن يصدّق رواية صيغت بعناية، ومن دون أن تُستكمل فصولها.

ما يجعل إبستين علامة فارقة ليس اسمه، بل ما كشفه من هشاشة الخطاب الإنساني حين يُواجه بالسلطة. كشف أن العدالة، إن لم تكن شجاعة، تتحول إلى إجراء شكلي. وكشف أن حقوق الإنسان، إن لم تُحمَ حين تُهدِّد الكبار، تفقد معناها حين تُستخدم لمحاسبة الضعفاء فقط.

لهذا تبقى القضية مفتوحة أخلاقيًا، حتى لو أُغلقت قانونيًا. تبقى جرحًا في خطابٍ طالما قدّم نفسه مثالًا أعلى. وتبقى تذكيرًا بأن الحقيقة لا تموت، لكنها قد تُحبس طويلًا، وأن السؤال، مهما دُفن، سيجد يومًا ما طريقه إلى الضوء، ولو بعد حين. 

ويبقى السؤال معلّقًا علينا نحن، كمسلمين وكعرب، بوصفنا أطرافًا في امتحان الوعي والكرامة، إذ لا يكفي أن نرى زيف الخطاب الغربي ثم نكتفي بالاستنكار، ولا يكفي أن نلوّح بالمعايير المزدوجة ونحن نمارس على ذواتنا جلدًا صامتًا، أو نُسلِّم بأن الهزيمة قدر ثقافي. فمواجهة هذا الانسحاق تبدأ باستعادة الثقة بالعقل، وبالقدرة على إنتاج خطاب أخلاقي مستقل، لا يستجدي الاعتراف، ولا يتغذّى على عقدة النقص، ولا يستعير قيمه من مرايا الآخرين. 

نحن مطالبون بالشجاعة في مساءلة أنفسنا، وبالصرامة في حماية الإنسان أينما كان، وببناء سردية أخلاقية تعرف موقعها من العالم، وتخاطبه من موقع الندّ للند. فحين نكفّ عن استعارة مقاييس الآخرين لقياس ذواتنا، ونمتلك شجاعة الوقوف في مساحة الوعي لا التبعية، يصبح السؤال قوة، وتغدو الكرامة ممارسة يومية لا شعارًا مؤجلًا… للأبد!

اقرأ المزيد

alsharq العالم بعد ويستفاليا.. بين تفكيك القواعد وإعادة التأسيس !

منذ توقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648، وُضع الأساس النظري للنظام الدولي الحديث: سيادة الدولة، عدم التدخل في شؤونها... اقرأ المزيد

33

| 16 فبراير 2026

alsharq المتقاعدون.. وماجلة أم علي

في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء... اقرأ المزيد

30

| 16 فبراير 2026

alsharq شهر رحمة لا شهر مفخرة

بضعة أيام ويهل علينا أعظم الشهور وأكثرها عبادة وتقربا لله وهو شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعلى... اقرأ المزيد

30

| 16 فبراير 2026

مساحة إعلانية