رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عنوان مقالي هو نفس عنوان الكتاب الذي ألفه الأمير شكيب أرسلان السوري في نهاية القرن التاسع عشر وأنا أعيده للتأكيد على أن نفس السؤال مطروح منذ ذلك التاريخ الى يومنا هذا. وسبق أن طرحه بوعي رواد حركات الإصلاح الإسلامية أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب (أليس الصبح بقريب) وفي أيامنا هذه حاول الأستاذ التونسي (عماد بن نصر) الإجابة عن نفس السؤال فانطلق الباحث من تجربة وطنه (الجمهورية التونسية) كمثال يمكن أن ينسحب على بقية الدول العربية ما عدا تجربة دولة قطر الرائدة التي تفطن أميرها في منتصف التسعينيات الشيخ حمد بن خليفة رحمة الله عليه الى المكانة التي ستحظى بها طاقة الغاز في تمكين العالم من طاقة نظيفة وسهلة الاستخراج لكن الشيخ كان يدرك أن ذلك الرهان الصعب يحتاج الى تمويلات ضخمة فشرع في خوض معركة إقناع الشركات العملاقة والمصارف الكبرى بالمساهمة في التمويل وبفضل إرادته التي لا تلين رحمه الله تمكن من الحصول على الموافقة. واليوم أعلنت جامعة قطر عن إنشاء قسم للهندسة النووية وابتعاث أول دفعة إلى الخارج لتطوير مشروع تخصيص الهندسة النووية لأغراض سلمية مدنية وهذه مبادرة تؤكد استمرار حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على نهج الخروج من التخلف ومسايرة العصر الحديث.
وننتقل لتحليل المقال المهم للأستاذ عماد بن نصر الذي قدم لنا شرحا علميا لتخلف العالم الاسلامي وتقدم الأمم الأخرى. فيقول: "إن التاريخ في هذه الرقعة من العالم لا يسير في خط مستقيم بل يدور في حلقة مفرغة من الطموحات المجهضة والفرص المهدورة. فحين نتأمل مسار الدولة التونسية بعد الاستقلال لا نجد أنفسنا أمام مسيرة بناء طبيعية بل أمام ملحمة مأساوية تشبه تراجيديات مدن الملح حيث تولد الأفكار الكبرى مشحونة بالضوء ثم تطفأ بدم بارد في دهاليز السياسة الضيقة وخلف كواليس التبعية العميقة. ومثال ذلك نذكر المشروع النووي التونسي بين عامي 1959 و1969 الذي لم يكن مجرد ترف تقني أو رغبة عابرة في مجاراة العصر بل كان محاولة جذرية لإعادة صياغة الهوية التونسية من حالة الاستهلاك والتبعية إلى حالة الفعل التاريخي والسيادة المطلقة. وكان رهانا على توليد إنسان جديد يكسر قيود الحاجة ويمتلك مفاتيح القرن العشرين من بوابته الأكثر تعقيدا وهي الطاقة الذرية. فالملحمة تبدأ برجلين صاغا مفهوم الجهاد العلمي في زمن كانت النخب السياسية تغرق في صراعات الزعامة والولاءات الضيقة. والرجلان هما: (محمد علي العنابي) ذلك العقل الاستراتيجي الذي كان يتحرك في أروقة (فيينا) مقر المفوضية الدولية للطاقة الذرية، وهو الذي أدرك قبل غيره أن الاستقلال بلا سيادة طاقية هو مجرد وهم قانوني فوضع اللبنات الأولى لمفوضية الطاقة الذرية قبل أن يغيبه الموت في ظروف غامضة عام 1962. وتسلم المشعل منه شاب قادم من أرقى مخابر باريس (البشير التركي) الذي لم يكن مجرد عالم فيزياء فذ بل كان منظرا جيوسياسيا يرى في المختبر امتدادا لساحة المعركة ضد الاستعمار. وهو الذي أنشأ مركز تونس قرطاج للبحوث النووية حيث لم تكن الخطط حبرا على ورق بل كانت خريطة طريق لقلب المعادلات الجغرافية والاقتصادية لشمال إفريقيا. وتجلت عبقرية المشروع في اختيار مدينة (ڨابس) بالجنوب التونسي لتكون حاضنة للمفاعل النووي العتيد. ولم يكن الاختيار عشوائيا بل استند إلى رؤية علمية متكاملة لربط الطاقة بالماء فكان المخطط يقضي بإنشاء محطة لإنتاج الكهرباء وتوطين صناعات ثقيلة بالتوازي مع منشأة عملاقة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف متر مكعب يوميا. وطبعا كان هذا المشروع كفيلا بتحويل الجنوب التونسي الصحراوي القاحل إلى واحة خضراء شاسعة وتأمين احتياجات البلاد من المياه لقرون وإلغاء مصطلح الجفاف من القاموس التونسي. لكن الصدمة المعرفية الكبرى التي فجرها (د. البشير التركي) كانت تكمن في أحشاء الأرض التونسية نفسها وتحديدا في قطاع الفسفاط. لأن (التركي) اكتشف عبر أبحاث مخبرية دقيقة أن الفسفاط التونسي الذي كان يصدر خاما بأبخس الأثمان الى أوروبا يحتوي على نسب عالية من اليورانيوم تصل إلى 140 جزءا في المليون لا سيما في مناجم (صرا ورتان). فوضع الرجل المعادلات الرياضية والكيميائية لاستخلاص هذا الذهب المشع كمنتج ثانوي أثناء تصنيع حمض الفسفوريك. كانت الحسابات تؤكد إمكانية استرجاع 360 طنا من اليورانيوم سنويا وهي كمية ضخمة لا تمنح تونس الاكتفاء الذاتي الكامل للطاقة لقرون فحسب بل تحولها إلى لاعب استراتيجي ومصدر رئيسي للوقود النووي في العالم مما يخرجها نهائيا من دائرة الابتزاز المالي والنفطي للقوى الكبرى. هنا اصطدم الحلم العلمي بالجدار الصلب للجغرافيا السياسية والجبن العقائدي للنخبة الحاكمة عندما مارست واشنطن وباريس ضغوطا خانقة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لحرمان تونس من أي تمويل فلم يتردد (البشير التركي) في كسر الطوق وتوجه إلى موسكو عام 1963، حيث قدم السوفييت عرضا سخيا ومكتملا لبناء المفاعل وتدريب الكوادر دون شروط سياسية مسبقة لكن هذا العرض اصطدم بالفوبيا الشيوعية الهستيرية التي كانت تسيطر على الزعيم الحبيب بورقيبة وبشهوته الدائمة لنيل الرضا الغربي. ففضل بورقيبة مع الأسف دولة تعيش على المساعدات المبرمجة والقروض المشروطة تحت المظلة الأمريكية والفرنسية على دولة تصنع مصيرها بمفاعلاتها الذرية وتنافس الكبار. ولم يقتصر التخريب على رأس السلطة بل شاركه في الجريمة رموز البيروقراطية وعلى رأسهم أحمد بن صالح الذي رأى في المركز النووي كيانا علميا متمردا يهدد خطته المركزية في التعاضد القسري فكان الصراع بين عقل تقني يستشرف المستقبل وعقل بيروقراطي يسعى لاحتكار الحاضر حتى لو كان ركاما. ووصلت التراجيديا التونسية ذروتها المفجعة عام 1969. أي في الوقت الذي كان فيه المجتمع العلمي الدولي ينحني إجلالا للبشير التركي بانتخابه رئيسا للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في (فيينا) كانت السكاكين السياسية في تونس تجهز لطعن المشروع في الظهر. فعاد (التركي) محملا بالمجد الدولي ليستقبله قرار رسمي بحل المفوضية وإغلاق المركز النووي نهائيا. وطبعا لم يكن القرار مجرد تراجع سياسي بل كان عملية إبادة علمية وحضارية مكتملة الأركان. فتم تحطيم الأجهزة المخبرية المتقدمة وتحويلها إلى خردة تباع في الأسواق ونقلت الكوادر العلمية والنوابغ إلى وظائف إدارية بائسة لقتل روح الإبداع في نفوسهم. ثم جاءت الجريمة الكبرى التي لا غفران لها وهي إحراق أرشيف المركز بالكامل حيث احترقت المخططات والنتائج المخبرية والدراسات الجيولوجية التي استغرقت عقدا من الزمن. وكان حرق الأرشيف فعلا مقصودا لمحو الذاكرة العلمية لتونس وللأمة العربية وضمان بقائها في حالة تبعية أبدية وتأكيدا للقوى الخارجية بأن تونس ومن حولها الدول الاسلامية لن يخرجوا عن الدور المرسوم لهم كحديقة خلفية عاجزة عن أي "تمرد". وهنا يصل المحلل الى طرح السؤال الجوهري وهو: ماذا لو لم يغتل ذلك الحلم في عام 1969؟ والإجابة هي: "لو نجح مفاعل (ڨابس) لكان وجه تونس والمنطقة بأسرها قد تغير كليا. ولكنا اليوم نتحدث عن تونس بصفتها القوة التكنولوجية والصناعية الأولى في شمال إفريقيا كدولة مصدرة للطاقة النظيفة ومكتفية ذاتيا وتمتلك احتياطات استراتيجية من اليورانيوم المستخرج من فسفاطها. ولو نجح المشروع لما كانت تونس اليوم تعيش تحت وطأة المأساة المائية الخانقة ولما كان الجنوب التونسي يعاني العطش لأن محطات التحلية العملاقة كانت ستغرق البلاد بالمياه العذبة وتحول الصحراء القاحلة إلى سلة غذاء خضراء للمتوسط. ثم إن ما يحدث اليوم في تونس من انقطاع متكرر ومذل للكهرباء وجفاف الصنبور في بيوت التونسيين لعدة أيام ليس مجرد أزمة عابرة ناتجة عن التغير المناخي أو نقص الأمطار بل هو النتيجة الحتمية المباشرة والجرح الغائر لقرار عام 1969. نحن اليوم ندفع فوائد الديون التاريخية للجبن السياسي. تونس التي كانت على وشك أن تصبح بنكا للطاقة النووية تقف اليوم عاجزة أمام تلبية أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، تتسول القروض لشراء المحروقات وتنتظر رحمة المساعدات الخارجية لتأمين طاقة متهالكة. وكذلك العتمة التي تلف المدن التونسية اليوم والعطش الذي يجفف حلق الأرض والإنسان هما الصدى الحقيقي لرماد الأرشيف العلمي الذي أحرق قبل عقود. وخلاصة تحليلنا.. أن قصة الرجلين المغامرين (البشير التركي) و(محمد علي العنابي) أثبتت "أن التخلف في هذه البلاد لم يكن يوما قدرا جغرافيا بل هو صناعة محلية بامتياز تمت برعاية دولية وبأيدي نخب آثرت كراسيها على سيادة أوطانها ليبقى اليورانيوم المدفون في مناجمنا شاهدا على ثروة منهوبة وحلم وطني ذبح بدم بارد ومستقبل مهدور يعيش التونسيون اليوم تفاصيل انكساره في الظلام والظمأ". هذه نماذج حية للفرص المهدورة والمغامرات الشجاعة المجهضة حتى تتعظ بها الأجيال العربية القادمة فتتجشم الصعاب وتكسب الرهانات كما فعل قبلهم ثلاثة رجال وهم سمو الشيخ حمد بن خليفة والبشير التركي ومحمد على العنابي تغمدهم الله سبحانه برحمته وأنزلهم في أخراهم منازل المؤمنين بالله تعالى وبقدرتهم على تحديد مواعيد مع التاريخ.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8892
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4785
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3321
| 16 سبتمبر 2026