رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد القديدي

د. أحمد القديدي

مساحة إعلانية

مقالات

0

د. أحمد القديدي

لماذا تخلف المسلمون وتقدمت أمم أخرى؟

23 يوليو 2026 , 11:07م

عنوان مقالي هو نفس عنوان الكتاب الذي ألفه الأمير شكيب أرسلان السوري في نهاية القرن التاسع عشر وأنا أعيده للتأكيد على أن نفس السؤال مطروح منذ ذلك التاريخ الى يومنا هذا. وسبق أن طرحه بوعي رواد حركات الإصلاح الإسلامية أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب (أليس الصبح بقريب) وفي أيامنا هذه حاول الأستاذ التونسي (عماد بن نصر) الإجابة عن نفس السؤال فانطلق الباحث من تجربة وطنه (الجمهورية التونسية) كمثال يمكن أن ينسحب على بقية الدول العربية ما عدا تجربة دولة قطر الرائدة التي تفطن أميرها في منتصف التسعينيات الشيخ حمد بن خليفة رحمة الله عليه الى المكانة التي ستحظى بها طاقة الغاز في تمكين العالم من طاقة نظيفة وسهلة الاستخراج لكن الشيخ كان يدرك أن ذلك الرهان الصعب يحتاج الى تمويلات ضخمة فشرع في خوض معركة إقناع الشركات العملاقة والمصارف الكبرى بالمساهمة في التمويل وبفضل إرادته التي لا تلين رحمه الله تمكن من الحصول على الموافقة. واليوم أعلنت جامعة قطر عن إنشاء قسم للهندسة النووية وابتعاث أول دفعة إلى الخارج لتطوير مشروع تخصيص الهندسة النووية لأغراض سلمية مدنية وهذه مبادرة تؤكد استمرار حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على نهج الخروج من التخلف ومسايرة العصر الحديث.

وننتقل لتحليل المقال المهم للأستاذ عماد بن نصر الذي قدم لنا شرحا علميا لتخلف العالم الاسلامي وتقدم الأمم الأخرى. فيقول: "إن التاريخ في هذه الرقعة من العالم لا يسير في خط مستقيم بل يدور في حلقة مفرغة من الطموحات المجهضة والفرص المهدورة. فحين نتأمل مسار الدولة التونسية بعد الاستقلال لا نجد أنفسنا أمام مسيرة بناء طبيعية بل أمام ملحمة مأساوية تشبه تراجيديات مدن الملح حيث تولد الأفكار الكبرى مشحونة بالضوء ثم تطفأ بدم بارد في دهاليز السياسة الضيقة وخلف كواليس التبعية العميقة. ومثال ذلك نذكر المشروع النووي التونسي بين عامي 1959 و1969 الذي لم يكن مجرد ترف تقني أو رغبة عابرة في مجاراة العصر بل كان محاولة جذرية لإعادة صياغة الهوية التونسية من حالة الاستهلاك والتبعية إلى حالة الفعل التاريخي والسيادة المطلقة. وكان رهانا على توليد إنسان جديد يكسر قيود الحاجة ويمتلك مفاتيح القرن العشرين من بوابته الأكثر تعقيدا وهي الطاقة الذرية. فالملحمة تبدأ برجلين صاغا مفهوم الجهاد العلمي في زمن كانت النخب السياسية تغرق في صراعات الزعامة والولاءات الضيقة. والرجلان هما: (محمد علي العنابي) ذلك العقل الاستراتيجي الذي كان يتحرك في أروقة (فيينا) مقر المفوضية الدولية للطاقة الذرية، وهو الذي أدرك قبل غيره أن الاستقلال بلا سيادة طاقية هو مجرد وهم قانوني فوضع اللبنات الأولى لمفوضية الطاقة الذرية قبل أن يغيبه الموت في ظروف غامضة عام 1962. وتسلم المشعل منه شاب قادم من أرقى مخابر باريس (البشير التركي) الذي لم يكن مجرد عالم فيزياء فذ بل كان منظرا جيوسياسيا يرى في المختبر امتدادا لساحة المعركة ضد الاستعمار. وهو الذي أنشأ مركز تونس قرطاج للبحوث النووية حيث لم تكن الخطط حبرا على ورق بل كانت خريطة طريق لقلب المعادلات الجغرافية والاقتصادية لشمال إفريقيا. وتجلت عبقرية المشروع في اختيار مدينة (ڨابس) بالجنوب التونسي لتكون حاضنة للمفاعل النووي العتيد. ولم يكن الاختيار عشوائيا بل استند إلى رؤية علمية متكاملة لربط الطاقة بالماء فكان المخطط يقضي بإنشاء محطة لإنتاج الكهرباء وتوطين صناعات ثقيلة بالتوازي مع منشأة عملاقة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف متر مكعب يوميا. وطبعا كان هذا المشروع كفيلا بتحويل الجنوب التونسي الصحراوي القاحل إلى واحة خضراء شاسعة وتأمين احتياجات البلاد من المياه لقرون وإلغاء مصطلح الجفاف من القاموس التونسي. لكن الصدمة المعرفية الكبرى التي فجرها (د. البشير التركي) كانت تكمن في أحشاء الأرض التونسية نفسها وتحديدا في قطاع الفسفاط. لأن (التركي) اكتشف عبر أبحاث مخبرية دقيقة أن الفسفاط التونسي الذي كان يصدر خاما بأبخس الأثمان الى أوروبا يحتوي على نسب عالية من اليورانيوم تصل إلى 140 جزءا في المليون لا سيما في مناجم (صرا ورتان). فوضع الرجل المعادلات الرياضية والكيميائية لاستخلاص هذا الذهب المشع كمنتج ثانوي أثناء تصنيع حمض الفسفوريك. كانت الحسابات تؤكد إمكانية استرجاع 360 طنا من اليورانيوم سنويا وهي كمية ضخمة لا تمنح تونس الاكتفاء الذاتي الكامل للطاقة لقرون فحسب بل تحولها إلى لاعب استراتيجي ومصدر رئيسي للوقود النووي في العالم مما يخرجها نهائيا من دائرة الابتزاز المالي والنفطي للقوى الكبرى. هنا اصطدم الحلم العلمي بالجدار الصلب للجغرافيا السياسية والجبن العقائدي للنخبة الحاكمة عندما مارست واشنطن وباريس ضغوطا خانقة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لحرمان تونس من أي تمويل فلم يتردد (البشير التركي) في كسر الطوق وتوجه إلى موسكو عام 1963، حيث قدم السوفييت عرضا سخيا ومكتملا لبناء المفاعل وتدريب الكوادر دون شروط سياسية مسبقة لكن هذا العرض اصطدم بالفوبيا الشيوعية الهستيرية التي كانت تسيطر على الزعيم الحبيب بورقيبة وبشهوته الدائمة لنيل الرضا الغربي. ففضل بورقيبة مع الأسف دولة تعيش على المساعدات المبرمجة والقروض المشروطة تحت المظلة الأمريكية والفرنسية على دولة تصنع مصيرها بمفاعلاتها الذرية وتنافس الكبار. ولم يقتصر التخريب على رأس السلطة بل شاركه في الجريمة رموز البيروقراطية وعلى رأسهم أحمد بن صالح الذي رأى في المركز النووي كيانا علميا متمردا يهدد خطته المركزية في التعاضد القسري فكان الصراع بين عقل تقني يستشرف المستقبل وعقل بيروقراطي يسعى لاحتكار الحاضر حتى لو كان ركاما. ووصلت التراجيديا التونسية ذروتها المفجعة عام 1969. أي في الوقت الذي كان فيه المجتمع العلمي الدولي ينحني إجلالا للبشير التركي بانتخابه رئيسا للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في (فيينا) كانت السكاكين السياسية في تونس تجهز لطعن المشروع في الظهر. فعاد (التركي) محملا بالمجد الدولي ليستقبله قرار رسمي بحل المفوضية وإغلاق المركز النووي نهائيا. وطبعا لم يكن القرار مجرد تراجع سياسي بل كان عملية إبادة علمية وحضارية مكتملة الأركان. فتم تحطيم الأجهزة المخبرية المتقدمة وتحويلها إلى خردة تباع في الأسواق ونقلت الكوادر العلمية والنوابغ إلى وظائف إدارية بائسة لقتل روح الإبداع في نفوسهم. ثم جاءت الجريمة الكبرى التي لا غفران لها وهي إحراق أرشيف المركز بالكامل حيث احترقت المخططات والنتائج المخبرية والدراسات الجيولوجية التي استغرقت عقدا من الزمن. وكان حرق الأرشيف فعلا مقصودا لمحو الذاكرة العلمية لتونس وللأمة العربية وضمان بقائها في حالة تبعية أبدية وتأكيدا للقوى الخارجية بأن تونس ومن حولها الدول الاسلامية لن يخرجوا عن الدور المرسوم لهم كحديقة خلفية عاجزة عن أي "تمرد". وهنا يصل المحلل الى طرح السؤال الجوهري وهو: ماذا لو لم يغتل ذلك الحلم في عام 1969؟ والإجابة هي: "لو نجح مفاعل (ڨابس) لكان وجه تونس والمنطقة بأسرها قد تغير كليا. ولكنا اليوم نتحدث عن تونس بصفتها القوة التكنولوجية والصناعية الأولى في شمال إفريقيا كدولة مصدرة للطاقة النظيفة ومكتفية ذاتيا وتمتلك احتياطات استراتيجية من اليورانيوم المستخرج من فسفاطها. ولو نجح المشروع لما كانت تونس اليوم تعيش تحت وطأة المأساة المائية الخانقة ولما كان الجنوب التونسي يعاني العطش لأن محطات التحلية العملاقة كانت ستغرق البلاد بالمياه العذبة وتحول الصحراء القاحلة إلى سلة غذاء خضراء للمتوسط. ثم إن ما يحدث اليوم في تونس من انقطاع متكرر ومذل للكهرباء وجفاف الصنبور في بيوت التونسيين لعدة أيام ليس مجرد أزمة عابرة ناتجة عن التغير المناخي أو نقص الأمطار بل هو النتيجة الحتمية المباشرة والجرح الغائر لقرار عام 1969. نحن اليوم ندفع فوائد الديون التاريخية للجبن السياسي. تونس التي كانت على وشك أن تصبح بنكا للطاقة النووية تقف اليوم عاجزة أمام تلبية أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، تتسول القروض لشراء المحروقات وتنتظر رحمة المساعدات الخارجية لتأمين طاقة متهالكة. وكذلك العتمة التي تلف المدن التونسية اليوم والعطش الذي يجفف حلق الأرض والإنسان هما الصدى الحقيقي لرماد الأرشيف العلمي الذي أحرق قبل عقود. وخلاصة تحليلنا.. أن قصة الرجلين المغامرين (البشير التركي) و(محمد علي العنابي) أثبتت "أن التخلف في هذه البلاد لم يكن يوما قدرا جغرافيا بل هو صناعة محلية بامتياز تمت برعاية دولية وبأيدي نخب آثرت كراسيها على سيادة أوطانها ليبقى اليورانيوم المدفون في مناجمنا شاهدا على ثروة منهوبة وحلم وطني ذبح بدم بارد ومستقبل مهدور يعيش التونسيون اليوم تفاصيل انكساره في الظلام والظمأ". هذه نماذج حية للفرص المهدورة والمغامرات الشجاعة المجهضة حتى تتعظ بها الأجيال العربية القادمة فتتجشم الصعاب وتكسب الرهانات كما فعل قبلهم ثلاثة رجال وهم سمو الشيخ حمد بن خليفة والبشير التركي ومحمد على العنابي تغمدهم الله سبحانه برحمته وأنزلهم في أخراهم منازل المؤمنين بالله تعالى وبقدرتهم على تحديد مواعيد مع التاريخ.

مساحة إعلانية