رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

360

موزا محمد الكواري

مذكراتي العزيزة

20 سبتمبر 2026 , 12:00ص

أكتب إليكِ اليوم، لا لأحكي لكِ ما حدث، فأنتِ تعرفين أكثر مني، ولا لأستعيد تفاصيل مضت، فأنتِ الوحيدة التي احتفظتِ بها كاملة؛ حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي ظننتُ أنني نسيتها.

أكتب لكِ لأن الإنسان، مهما بدا متماسكًا، يحتاج أحيانًا إلى مكان لا يضطر فيه إلى التظاهر بأنه بخير.

وأنتِ كنتِ ذلك المكان.

كنتِ تعرفينني قبل أن أعرف كيف أشرح نفسي، وقبل أن أتعلم كيف أخفي ارتباكي خلف ابتسامة، وكيف أقول: «أنا بخير» بينما كان في داخلي شيء آخر تمامًا.

كنتِ تعرفين كم مرة كتبتُ وأنا غاضبة، ثم مسحتُ ما كتبت.

وكم مرة بكيتُ بين السطور، ثم أغلقتُ الصفحة وكأن شيئًا لم يكن.

وكم مرة كتبتُ اسمًا، ثم خفتُ أن أراه حتى في مذكراتي، فاستبدلته بكلمة: «هو».

كنتِ تعرفين الأشخاص الذين أحببتهم، حتى الذين لم أذكر أسماءهم.

وتعرفين الذين خذلوني، حتى الذين حاولتُ إقناع نفسي بأنني تجاوزتهم.

وتعرفين كم فرصة منحتُها لمن لم يعرف قيمة الفرصة.

وكم مرة بحثتُ للآخرين عن أعذار، بينما كنتُ أقسو على نفسي بسبب أخطائي.

في صفحاتكِ، لا توجد النسخة التي يراها الناس مني.

هناك أنا كما أنا.

ضعيفة أحيانًا.

حائرة أحيانًا.

غاضبة.

مشتاقة.

مكسورة.

وفرحة أيضًا.

هناك أحلام كتبتها بثقة، ثم ترددت في السعي إليها.

وأمنيات ظننت أنها ستتحقق، ثم تعلمت أن بعض الأمنيات لا تأتي بالطريقة التي تخيلناها.

وهناك أشخاص دخلوا حياتي وكأنهم باقون إلى الأبد، ثم أصبحوا مجرد صفحات لا أجرؤ أحيانًا على فتحها.

الغريب أنني كلما عدتُ إلى مذكراتي القديمة، لا أتعرف فقط إلى ما حدث لي، بل أتعرف إلى المرأة التي كنتها حينها.

أكتشف أنني تغيرت.

الأشياء التي كانت تكسرني أصبحت تعلمني.

والأشخاص الذين كنت أخشى خسارتهم، لم تعد خسارتهم تخيفني بالطريقة نفسها.

والأبواب التي بكيتُ خلفها طويلًا، صرتُ أؤمن أن بعضها أُغلق رحمةً بي، لا عقابًا لي.

ربما لهذا أحب المذكرات.

لأنها لا تحفظ الأحداث فقط، بل تحفظ نسخنا القديمة.

تحفظ الإنسان الذي كنا عليه قبل أن نتعلم.

قبل أن ننضج.

قبل أن نعرف أن ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل من نحب يجب أن يبقى، وليس كل نهاية تعني أننا خسرنا.

أحيانًا تكون النهاية هي الطريقة الوحيدة التي نعود بها إلى أنفسنا.

مذكراتي العزيزة…

أعتذر عن الصفحات التي ملأتها بالحزن.

وعن تلك التي كتبتها وأنا أظن أن حياتي انتهت عند شخص، أو موقف، أو خيبة.

كنتُ يومها لا أعرف أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد أكثر من مرة.

لا أعرف ماذا سأكتب في صفحاتك القادمة.

ربما حبًا جديدًا.

ربما سفرًا.

ربما نجاحًا انتظرته طويلًا.

ربما أمنية ظلت معلقة في السماء حتى حان وقت نزولها إلى الأرض.

وربما سأكتب لكِ عن امرأة لم تعد تنتظر أن ينقذها أحد.

امرأة عرفت أخيرًا أن عليها أن تكون هي الملجأ حين تضيق بها الحياة.

سأكتب لكِ عن أشياء لم تحدث بعد، وعن أبواب لم تُفتح، وعن طرق لا أعرف إلى أين ستأخذني.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا…

حين أعود إليكِ بعد سنوات، أريد أن أجد بين صفحاتكِ امرأة كانت تحاول.

لم تكن حياتها كاملة، لكنها كانت صادقة.

لم تنجُ من كل شيء، لكنها لم تستسلم.

أحبت، وخسرت، وبكت، وضحكت، وخافت، ثم أكملت الطريق.

ولهذا، مذكراتي العزيزة…

احتفظي بكل شيء.

احتفظي بالدمعة التي لم يرها أحد.

بالرسالة التي لم أرسلها.

بالاسم الذي شطبته.

بالأمنية التي أخفيتها.

بالليلة التي ظننت أنها لن تنتهي.

وبالصباح الذي اكتشفت فيه أنني نجوت.

احتفظي بي كما كنت…

فربما حين أقرأكِ يومًا، سأبتسم للمرأة التي كانت تكتب وهي لا تعرف أن أجمل صفحات حياتها لم تُكتب بعد.

مساحة إعلانية