رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لسنا متشابهات… واحدة منا تشبه الهدوء، وأخرى لا تعرف كيف تمرّ من الحياة دون أن تترك خلفها ضحكة أو حكاية. واحدة تفكر كثيرًا قبل أن تتكلم، وأخرى تقول ما في قلبها ثم تضحك. واحدة تخاف على الجميع، وأخرى تبدو وكأنها لا تخاف من شيء. لكل واحدة منا طريقتها في الحب، في الغضب، في الحزن، وحتى في التعب. ومع ذلك… حين يحدث شيء كبير، نعود جميعًا إلى المكان نفسه. إلى بعضنا. ربما هذه هي الحكاية الغريبة في الأخوات؛ أننا لا نحتاج أن نكون متشابهات حتى نشعر أننا ننتمي إلى بعضنا. يكفي أننا كبرنا تحت السقف نفسه، وحملنا تفاصيل البيت نفسها، وضحكنا على أشياء لم يعد أحد يتذكرها سوانا. نحن لا نتذكر طفولتنا بالطريقة نفسها، لكن كل واحدة منا تحمل جزءًا منها. واحدة تتذكر موقفًا، وأخرى تتذكر صوتًا، وثالثة تتذكر وجهًا أو كلمة أو يومًا عابرًا لم نكن نعرف وقتها أنه سيصبح ذكرى. كبرنا… وتفرقت بنا الحياة قليلًا. أصبح لكل واحدة منا عالمها، ومواعيدها، ومسؤولياتها، وأحلامها التي لا تشبه بالضرورة أحلام الأخرى. لكن هناك شيئًا لا يتغير. ذلك الشعور الذي يجعلك، مهما ابتعدت، تعرف أن هناك أشخاصًا لا تحتاج أمامهم إلى أن تشرح نفسك. الأخت تعرف النسخة التي سبقت كل النسخ. تعرفك قبل أن تتعلمي كيف تخفين حزنك. وقبل أن تعرفي كيف تختارين كلماتك. وقبل أن يصبح لديك ذلك الوجه الذي ترتدينه أمام العالم حتى تبدين بخير. ولهذا ربما تكون الأخوات أكثر الناس قدرة على إزعاجنا… وأكثرهم قدرة على احتوائنا. نتخاصم على أشياء صغيرة، ونغضب من بعضنا، وقد تمر أيام لا نتحدث فيها كما يجب. لكن حين تحتاج إحدانا الأخرى، تسقط كل الحسابات. كأن الخلافات كانت على الباب… أما القلب، فلم يغلق بابه يومًا. ومع مرور العمر، نفهم أن الأخوات لسن مجرد أشخاص نعيش معهم في بيت واحد. هنّ شهود العمر. يعرفن كيف كان صوتك وأنت طفلة، وكيف تغيرت أحلامك، ومن أحببت، ومن خذلك، وما الذي كنت تتمنينه ولم تخبري به أحدًا. يعرفن الأشياء التي لم تقوليها لأنهن كنّ هناك. وهذا النوع من المعرفة لا يصنعه الوقت وحده… تصنعه السنوات المشتركة. لذلك لا أبحث في أخواتي عن التشابه. لا أريد أن تكون كل واحدة نسخة مني. أريد لكل واحدة أن تكون نفسها. أن تنجح بطريقتها، وتخطئ بطريقتها، وتختار حياتها كما تريد. فالمحبة لا تعني أن نعيش بالطريقة نفسها. المحبة أن نترك لكل شخص مساحته، ثم نظل قريبين بما يكفي لنقول له: أنا هنا. وربما أجمل ما في الأخوات أننا لا نكبر معًا فقط… بل نرى بعضنا يكبر. نرى الطفلة تصبح امرأة. والأحلام الصغيرة تصبح مسؤوليات. والضحكات التي كانت تملأ البيت تصبح رسائل قصيرة بين حين وآخر: «وينك؟» «طمنيني عليك» «متى أشوفك؟» كلمات بسيطة… لكن خلفها عمر كامل. وفي يوم ما، سنلتفت إلى الوراء ونكتشف أن أكثر ما بقي لنا من البيت القديم ليس الأثاث، ولا الصور، ولا تفاصيل المكان. بل نحن. ضحكاتنا. خلافاتنا. أسرارنا. والنسخ الصغيرة منا التي ما زالت تعيش في ذاكرة كل واحدة منا. لسنا متشابهات… وربما لم نكن يومًا كذلك. لكننا من الحكاية نفسها. الحكاية التي بدأت ببيت واحد، وأيام واحدة، وقلوب صغيرة لم تكن تعرف أن السنوات ستمضي بهذه السرعة. ثم كبرنا… ومهما أخذتنا الحياة إلى أماكن مختلفة، سيظل بيننا شيء لا يحتاج إلى تفسير: أن هناك أشخاصًا لا يشبهونك… لكنهم يشبهون الجزء الذي لا يستطيع أحد غيرهم الوصول إليه منك.
186
| 28 سبتمبر 2026
في بعض الكلمات لا نحتاج إلى كثيرٍ من الشرح؛ لأنها تصل إلى المعنى مباشرة، وتترك خلفها مساحة واسعة للتأمل. ومن الكلمات التي تستحق أن نتوقف عندها ما جاء في كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: «كرامة الوطن لا تُقايض، والحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة». ليست كرامة الوطن شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا جملة تُقال حين تشتد الأزمات، بل هي وعيٌ عميق بأن الوطن أكبر من اللحظة، وأبقى من الخلاف، وأثمن من أن يُوضع في ميزان المصالح العابرة. واللافت في العبارة أنها لم تضع الحكمة في مواجهة الصلابة، كما قد يتصور البعض؛ بل جمعتهما في معنى واحد. فالحكمة ليست تراجعًا، والهدوء ليس ضعفًا، والدبلوماسية ليست تنازلًا. وفي المقابل، الصلابة الحقيقية لا تعني الانفعال أو رفع الصوت، وإنما القدرة على معرفة متى نتمسك، ومتى نتحاور، ومتى نصمت، ومتى نقول كلمتنا دون أن نفقد اتزاننا. ولعل أجمل ما في هذا المعنى أن الوطن لا يحتاج إلى من يثبت حبه له بالكلمات وحدها، بقدر ما يحتاج إلى من يفهم قيمة الموقف حين يكون الموقف ضروريًا، وقيمة الحكمة حين تكون الحكمة أكثر تأثيرًا من أي ردٍّ عابر. فالسياسة، في جوهرها، ليست دائمًا معركة بين طرفين؛ أحيانًا تكون فنًّا في حماية ما لا ينبغي التفريط فيه، دون أن تتحول حماية الحقوق إلى خصومة دائمة، ودون أن تتحول الرغبة في السلام إلى قبول بما يمس الكرامة. وهنا يصبح الفرق كبيرًا بين من يبحث عن الانتصار في اللحظة، ومن يبحث عن مصلحة الوطن في الزمن. الوطن لا يُقاس فقط بما يملكه من قوة، وإنما بما يملكه أبناؤه من ثقة به، وبما تتركه مواقفه من احترام في محيطه، وبقدرته على أن يحافظ على ثوابته دون أن يغلق أبواب الحوار. وفي زمنٍ أصبحت فيه المعلومة أسرع من الحقيقة، والانفعال أسرع من التفكير، والكلمة قد تعبر الحدود في ثوانٍ، تبدو الحكمة مسؤولية وطنية أيضًا. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل استفزاز يستحق أن يتحول إلى موقف، وليس كل خلاف يحتاج إلى خصومة. أن تكون صلبًا لا يعني أن تكون قاسيًا، وأن تكون حكيمًا لا يعني أن تكون مترددًا. الصلابة أن تعرف ما الذي لا يمكن التنازل عنه، والحكمة أن تعرف كيف تحميه. وربما لهذا تحمل كلمات القادة أحيانًا معاني تتجاوز السياسة إلى المجتمع نفسه؛ لأن الإنسان في حياته الخاصة يحتاج إلى المعادلة ذاتها. في علاقاته، في عمله، في قراراته، وفي دفاعه عن كرامته… ليس مطلوبًا منه أن يختار دائمًا بين القوة واللين، بل أن يعرف متى يستخدم كلًّا منهما. فكم من موقف خسرناه لأننا ظننا أن التراجع حكمة، وكم من كلمة كان يمكن أن تُقال بهدوء، فقلناها بانفعال فأفسدنا معناها. وهكذا يصبح مفهوم كرامة الوطن أوسع من حدود الجغرافيا؛ إنه ثقافة تبدأ من الإنسان نفسه: أن يعرف قيمة ما ينتمي إليه، وأن يحسن تمثيله، وأن يدرك أن القوة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج. وفي الأمم المتحدة، حيث تجتمع الدول لتناقش قضايا العالم، تأتي هذه المعاني في سياق دولي يختبر قدرة المجتمع الدولي على الموازنة بين القوة والحوار، وبين المصالح والمبادئ. وتنعقد المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر 2026. لكن خلف كل ذلك يبقى المعنى الأهم: الوطن الذي يعرف قيمة كرامته، لا يحتاج إلى أن يثبتها في كل مرة. والدولة التي تعرف متى تكون حكيمة ومتى تكون صلبة، لا تُقاس قوتها بارتفاع صوتها، بل بقدرتها على أن تبقى ثابتة حين يتغير كل شيء من حولها. فالحكمة ليست أن نتنازل كي نعبر، والصلابة ليست أن نصطدم كي نثبت وجودنا. الحكمة أن نعبر دون أن نفقد ثوابتنا، والصلابة أن نحافظ على ثوابتنا دون أن نفقد إنسانيتنا. وهذه، ربما، هي المعادلة التي تختصر معنى الوطن حين يكون الانتماء إليه موقفًا… لا مجرد كلمة.
165
| 23 سبتمبر 2026
أكتب إليكِ اليوم، لا لأحكي لكِ ما حدث، فأنتِ تعرفين أكثر مني، ولا لأستعيد تفاصيل مضت، فأنتِ الوحيدة التي احتفظتِ بها كاملة؛ حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي ظننتُ أنني نسيتها. أكتب لكِ لأن الإنسان، مهما بدا متماسكًا، يحتاج أحيانًا إلى مكان لا يضطر فيه إلى التظاهر بأنه بخير. وأنتِ كنتِ ذلك المكان. كنتِ تعرفينني قبل أن أعرف كيف أشرح نفسي، وقبل أن أتعلم كيف أخفي ارتباكي خلف ابتسامة، وكيف أقول: «أنا بخير» بينما كان في داخلي شيء آخر تمامًا. كنتِ تعرفين كم مرة كتبتُ وأنا غاضبة، ثم مسحتُ ما كتبت. وكم مرة بكيتُ بين السطور، ثم أغلقتُ الصفحة وكأن شيئًا لم يكن. وكم مرة كتبتُ اسمًا، ثم خفتُ أن أراه حتى في مذكراتي، فاستبدلته بكلمة: «هو». كنتِ تعرفين الأشخاص الذين أحببتهم، حتى الذين لم أذكر أسماءهم. وتعرفين الذين خذلوني، حتى الذين حاولتُ إقناع نفسي بأنني تجاوزتهم. وتعرفين كم فرصة منحتُها لمن لم يعرف قيمة الفرصة. وكم مرة بحثتُ للآخرين عن أعذار، بينما كنتُ أقسو على نفسي بسبب أخطائي. في صفحاتكِ، لا توجد النسخة التي يراها الناس مني. هناك أنا كما أنا. ضعيفة أحيانًا. حائرة أحيانًا. غاضبة. مشتاقة. مكسورة. وفرحة أيضًا. هناك أحلام كتبتها بثقة، ثم ترددت في السعي إليها. وأمنيات ظننت أنها ستتحقق، ثم تعلمت أن بعض الأمنيات لا تأتي بالطريقة التي تخيلناها. وهناك أشخاص دخلوا حياتي وكأنهم باقون إلى الأبد، ثم أصبحوا مجرد صفحات لا أجرؤ أحيانًا على فتحها. الغريب أنني كلما عدتُ إلى مذكراتي القديمة، لا أتعرف فقط إلى ما حدث لي، بل أتعرف إلى المرأة التي كنتها حينها. أكتشف أنني تغيرت. الأشياء التي كانت تكسرني أصبحت تعلمني. والأشخاص الذين كنت أخشى خسارتهم، لم تعد خسارتهم تخيفني بالطريقة نفسها. والأبواب التي بكيتُ خلفها طويلًا، صرتُ أؤمن أن بعضها أُغلق رحمةً بي، لا عقابًا لي. ربما لهذا أحب المذكرات. لأنها لا تحفظ الأحداث فقط، بل تحفظ نسخنا القديمة. تحفظ الإنسان الذي كنا عليه قبل أن نتعلم. قبل أن ننضج. قبل أن نعرف أن ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل من نحب يجب أن يبقى، وليس كل نهاية تعني أننا خسرنا. أحيانًا تكون النهاية هي الطريقة الوحيدة التي نعود بها إلى أنفسنا. مذكراتي العزيزة… أعتذر عن الصفحات التي ملأتها بالحزن. وعن تلك التي كتبتها وأنا أظن أن حياتي انتهت عند شخص، أو موقف، أو خيبة. كنتُ يومها لا أعرف أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد أكثر من مرة. لا أعرف ماذا سأكتب في صفحاتك القادمة. ربما حبًا جديدًا. ربما سفرًا. ربما نجاحًا انتظرته طويلًا. ربما أمنية ظلت معلقة في السماء حتى حان وقت نزولها إلى الأرض. وربما سأكتب لكِ عن امرأة لم تعد تنتظر أن ينقذها أحد. امرأة عرفت أخيرًا أن عليها أن تكون هي الملجأ حين تضيق بها الحياة. سأكتب لكِ عن أشياء لم تحدث بعد، وعن أبواب لم تُفتح، وعن طرق لا أعرف إلى أين ستأخذني. لكنني أعرف شيئًا واحدًا… حين أعود إليكِ بعد سنوات، أريد أن أجد بين صفحاتكِ امرأة كانت تحاول. لم تكن حياتها كاملة، لكنها كانت صادقة. لم تنجُ من كل شيء، لكنها لم تستسلم. أحبت، وخسرت، وبكت، وضحكت، وخافت، ثم أكملت الطريق. ولهذا، مذكراتي العزيزة… احتفظي بكل شيء. احتفظي بالدمعة التي لم يرها أحد. بالرسالة التي لم أرسلها. بالاسم الذي شطبته. بالأمنية التي أخفيتها. بالليلة التي ظننت أنها لن تنتهي. وبالصباح الذي اكتشفت فيه أنني نجوت. احتفظي بي كما كنت… فربما حين أقرأكِ يومًا، سأبتسم للمرأة التي كانت تكتب وهي لا تعرف أن أجمل صفحات حياتها لم تُكتب بعد.
381
| 20 سبتمبر 2026
هناك أشخاص لا يحتاجون أن يعرفوا القصة كي يحكموا عليها، ولا أن يعيشوا التجربة كي يشرحوا لك كيف كان يجب أن تعيشها. لديهم رأي في زواجك، وتربيتك لأبنائك، وطريقة عملك، وملابسك، وقراراتك، وأصدقائك، وحتى في الأشياء التي لم تطلب منهم رأيًا فيها أصلًا. تخبرهم أنك تعبت، فيشرحون لك لماذا تعبت. تخبرهم أنك اتخذت قرارًا، فيخبرونك لماذا كان قرارك خاطئًا. تسكت، فيفسرون صمتك. تتكلم، فيحللون كلامك. وكأن بعض الناس لا يستطيعون مشاهدة حياة الآخرين دون أن يضعوا عليها تعليقًا. المثير أن الإنسان كلما قلّ اطلاعه على تفاصيل حياة غيره، زادت أحيانًا ثقته في الحكم عليها. لأننا لا نرى القصة كاملة. نرى موقفًا واحدًا، ثم نبني عليه شخصية كاملة. نسمع جملة، ثم نخترع خلفها نوايا. نشاهد قرارًا، ثم نفترض أسبابه. وهكذا يتحول الجزء الصغير من الحقيقة إلى حقيقة كاملة في أذهاننا. ربما لهذا تنتشر الأحكام أسرع من الحقائق. فالإنسان بطبيعته يحب القصة المكتملة؛ لا يحب الفراغات ولا المناطق التي لا يعرفها، فيملؤها من عنده. إذا لم يعرف لماذا تأخر شخص عن الزواج، وضع له تفسيرًا. إذا لم يعرف لماذا ترك أحدهم عمله، اخترع له سببًا. إذا رأى شخصًا يبتعد، قرر أنه متكبر. وإذا رأى شخصًا ينجح، بحث عن تفسير يقلل من نجاحه. نحن أحيانًا لا نحكم على الناس بناءً على ما فعلوه… بل بناءً على ما اخترعناه عنهم. والأغرب أن بعض الأحكام لا يكون هدفها فهم الآخر أصلًا. إنها تمنح صاحبها شعورًا بالتفوق. حين أقول لك: «لو كنت مكانك لفعلت كذا»، فأنا في كثير من الأحيان لا أقدم لك حلًا بقدر ما أقول لك، بطريقة غير مباشرة: أنا أعرف أكثر منك. وحين أقول: «أنا من البداية كنت أعرف أن هذا سيحدث»، فأنا لا أساعدك في أزمتك، بل أحاول أن أثبت لنفسي أنني كنت أذكى منك. وهنا يصبح الرأي وسيلة لإثبات الذات. ربما لهذا نجد أشخاصًا يتحدثون بثقة شديدة عن حياة لم يعيشوها، ومشاعر لم يشعروا بها، وظروف لم يمروا بها. يتحدثون عن الطلاق وهم لا يعرفون تفاصيل زواج غيرهم. يحكمون على التربية وهم لا يعرفون يومًا واحدًا من حياة الأسرة. ينتقدون النجاح لأنهم لا يعرفون كم كلف صاحبه. ويحكمون على شخصٍ انسحب من مكان ما، دون أن يسألوا أنفسهم: كم مرة حاول أن يبقى قبل أن يرحل؟ ليست المشكلة أن يكون للإنسان رأي. الرأي حق. لكن المشكلة حين يتحول الرأي إلى وصاية، وحين نعتقد أن اختلاف الآخرين عنّا دليل على خطئهم. نحن نحتاج أن نتعلم جملة بسيطة جدًا: «لا أعرف.» لا أعرف ماذا حدث بينهما. لا أعرف لماذا اختار ذلك. لا أعرف ما الذي يخفيه هذا الشخص خلف ابتسامته. لا أعرف كم مرة حاول قبل أن يصل إلى قراره. «لا أعرف» ليست علامة جهل. أحيانًا تكون أعلى درجات الوعي. لأن الإنسان الناضج يعرف أن هناك مساحات في حياة الآخرين ليست ملكًا له، وأن عدم معرفته بكل التفاصيل لا يمنحه الحق في اختراعها. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه حياة الآخرين أن نترك فيها بعض الأبواب مغلقة. ليس كل ما نراه يحتاج تفسيرًا. وليس كل ما نسمعه يحتاج حكمًا. وليس كل سؤال يستحق إجابة. وليس كل حياة تحتاج إلى مراجعة من الخارج. فكل إنسان يحمل نسخة من القصة لا يراها أحد كاملة. وقد يكون الشخص الذي تنتقده اليوم قد خاض معركة لا تعرف عنها شيئًا. وقد يكون القرار الذي تسخر منه هو القرار الذي أنقذ حياته. وقد يكون صمته الذي فسّرته تكبرًا… محاولة أخيرة منه لحماية نفسه. لذلك، قبل أن نعطي رأينا في حياة أحد، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل أعرف ما يكفي لأحكم؟ وإذا كانت الإجابة «لا»… فربما يكون أجمل رأي يمكن أن نقوله هو: «الله أعلم بما لا نعلم.» فليست الحكمة أن يكون لديك رأي في كل شيء. الحكمة أن تعرف متى يكون رأيك مطلوبًا… ومتى يكون صمتك احترامًا.
252
| 16 سبتمبر 2026
هناك أشياء لا نفهم سبب حدوثها حين تقع. نخرج من علاقة ونحن نحاول أن نفهم أين أخطأنا، نخسر شخصًا كنا نظنه جزءًا ثابتًا من حياتنا، تفوتنا فرصة انتظرناها طويلًا، أو نقف أمام باب أُغلق دون أن نفهم لماذا أُغلق في وجهنا. وفي تلك اللحظة تحديدًا، لا نرى سوى الخسارة. نقيس ما حدث بما تمنيناه، لا بما قد يأتي بعده. وهذه طبيعة الإنسان؛ يريد أن يفهم الحكاية وهي ما زالت في منتصفها، ويحكم على الطريق قبل أن يصل إلى نهايته. لكن الأيام لديها طريقة مختلفة في الإجابة. فكم من شيء بكيناه ثم شكرنا الله أنه لم يكن لنا، وكم من شخص ظنناه خسارة ثم اكتشفنا أن خروجه كان بداية لاستعادة أنفسنا، وكم من باب طرقناه طويلًا ولم يُفتح، ثم اكتشفنا أن وراءه طريقًا لم يكن يشبهنا أصلًا. العوض لا يأتي دائمًا بالصورة التي نتوقعها. أحيانًا يأتي على هيئة شخص. وأحيانًا يأتي على هيئة فرصة. وأحيانًا يأتي في صورة سلام داخلي لم نكن نعرف قيمته ونحن نعيش في الضجيج. وقد يكون العوض أن تتوقف عن الركض خلف من لا يراك، وأن تتعلم للمرة الأولى أن قيمتك لا تحتاج إلى شهادة من أحد. قد يكون أن تستيقظ ذات صباح ولا يؤلمك ما كان يؤلمك بالأمس. أن تسمع اسمًا كان يربك قلبك فلا يتحرك شيء في داخلك. أن تمر من المكان الذي شهد نهاية شيء عزيز عليك، وتكتشف أنك لم تعد الشخص نفسه الذي غادره يومًا. ذلك أيضًا عوض. نحن أحيانًا ننتظر أن تعوضنا الحياة بشيء أكبر من الذي فقدناه، بينما قد يكون أعظم ما تمنحنا إياه أنها تجعلنا لا نحتاج إليه أصلًا. وهنا تكمن حكمة لا نكتشفها إلا متأخرين: ليس كل عوض بديلًا عن الشيء الذي فقدناه، بعض العوض هو الإنسان الذي أصبحناه بعد فقده. ربما كانت التجربة القاسية هي التي علمتك أن تختار بعناية. وربما كان الخذلان هو الذي عرّفك قيمة الوفاء. وربما كان الانتظار الطويل هو الذي جعلك أكثر تقديرًا لما يأتي في وقته. وربما كان رحيل أحدهم هو الذي أعادك إلى نفسك بعد أن قضيت سنوات تحاول أن تكون الشخص الذي يريده الآخرون. لهذا لا تستعجل تفسير كل ما يحدث لك. بعض الأحداث تحتاج إلى مسافة زمنية حتى نراها بحجمها الحقيقي. وأحيانًا، حين تهدأ مشاعرنا، نكتشف أن الله لم يأخذ منا شيئًا عبثًا، وأن ما حسبناه تأخيرًا كان حماية، وما حسبناه حرمانًا كان إبعادًا عن شيء لم نكن نعرف ضرره، وما ظنناه نهاية كان مجرد تحويل لمسارنا. لعل العوض ليس في أن تعود الأشياء كما كانت. لعل العوض أن يأتيك ما يجعلك سعيدًا لأن الأشياء لم تعد كما كانت. فالحياة لا تعيد لنا دائمًا ما فقدناه، لكنها قد تمنحنا ما يجعلنا نفهم لماذا فقدناه. وفي كل إنسان قصة لا يعرف أحد تفاصيلها كاملة؛ شخص يبتسم وفي داخله شيء لم يُشفَ بعد، وآخر يبدو قويًا وهو في الحقيقة يتعلم كيف يحمل ما لم يستطع تغييره، وثالث ينتظر منذ سنوات لحظة يشعر فيها أن الحياة أخيرًا ابتسمت له. ولهؤلاء جميعًا أقول: لا تحكموا على قصتكم من فصل واحد. ما يؤلمكم اليوم قد يصبح بعد سنوات أكثر فصول حياتكم معنى. وما ترونه الآن نهاية، قد يكون مجرد مساحة فارغة تهيئها الأيام لشيء جديد. فربما يأتي يوم تنظر فيه إلى كل ما حدث، إلى الأشخاص الذين رحلوا، والأبواب التي أُغلقت، والفرص التي لم تكتمل، والطرق التي انحرفت بك عن وجهتك الأولى، ثم تبتسم. ليس لأنك نسيت الألم… بل لأنك أخيرًا فهمت الرسالة. ستفهم أن بعض الأشياء لم تكن لك، مهما تمنيتها. وأن بعض الأشخاص كانوا محطة، لا وجهة. وأن بعض النهايات كانت رحمة متخفية في هيئة وجع. وأن الله حين يؤخر عنك شيئًا، لا يعني بالضرورة أنه يحرمك منه؛ ربما كان يؤخره حتى تصبح أنت مستعدًا له، أو حتى يأتيك في صورة أجمل، أو حتى تدرك أنك كنت تطلب شيئًا لا يناسب قلبك أصلًا. لذلك… إذا كنت اليوم في منتصف خيبة، فلا تستعجل. وإذا كنت تقف أمام باب مغلق، فلا تهدر عمرك في طرقه. وإذا فقدت شيئًا عزيزًا، امنح قلبك الوقت الكافي ليفهم أن الفقد ليس دائمًا نهاية. فقد تكون الأيام التي ظننت أنها أخذت منك… هي نفسها الأيام التي كانت تهيئ لك عِوضك. وقد لا يأتي العوض كما تخيلته. قد يأتي أهدأ. أعمق. وأكثر شبهًا بك. وقد يأتي متأخرًا… لكن حين يأتي، ستعرف لماذا كان عليه أن يتأخر. فبعض العوض لا يصل في موعد الألم… بل يصل في موعد النضج.
426
| 14 سبتمبر 2026
لا أريد أن أعرف من أنت، ولا ما الذي يجمعني بك. قد تكون شخصًا أحببته، أو صديقًا خذلته الأيام، أو قريبًا ابتعدت عنه المسافات، أو زميلًا ترك في نفسي موقفًا لم أنسه، أو حتى شخصًا مرّ في حياتي مرورًا قصيرًا لكنه ترك أثرًا أطول مما توقع. يكفي أن تكون هناك علاقة بين إنسان وإنسان. لأن العلاقات، مهما اختلفت أسماؤها، تشترك في شيء واحد: أنها تترك فينا شيئًا لا يعود كما كان قبلها. ولذلك، ربما يكون الكلام الذي تقرؤه الآن عنك وربما عني وربما عن شخص آخر تمامًا. لكنني أريد أن أقول شيئًا لا نقوله كثيرًا: نحن لا نخسر الناس دائمًا لأنهم سيئون، ولا نبقى معهم دائمًا لأنهم جيدون. أحيانًا تتعب العلاقة من أشياء صغيرة تراكمت بصمت؛ كلمة لم تُفهم كما قيلت، موقف لم يُشرح، توقع لم يُذكر، عتاب تأجل، واعتذار جاء بعد أن تغيرت حاجة القلب إليه. ثم يأتي يوم يصبح فيه الطرفان واقفين أمام علاقة يعرفان أنها كانت مهمة، لكنهما لم يعودا يعرفان كيف يعودان إليها. وهنا تبدأ المسافة. لا خصام واضح. لا نهاية معلنة. فقط ذلك النوع الغريب من البعد الذي يجعل شخصًا كان يعرف تفاصيل يومك، لا يعرف حتى كيف أصبح يومك الآن. وهذا النوع من العلاقات هو الأكثر إرباكًا. لأن الإنسان يستطيع أن يتعامل مع النهاية الواضحة، لكنه يتعب أمام الأشياء المعلقة. يبقى يسأل نفسه: هل كان يجب أن أتكلم؟ هل فهمني خطأ؟ هل بالغت؟ هل كان ينتظر مني شيئًا لم أفهمه؟ هل كان يمكن أن تنجو العلاقة لو تصرف أحدنا بطريقة مختلفة؟ والحقيقة التي نتعلمها متأخرين أنه ليس كل سؤال له إجابة، وليس كل علاقة يمكن إنقاذها حتى لو كانت المشاعر تجاهها صادقة. أحيانًا يكون هناك حب، لكن لا يوجد توافق. ويكون هناك تقدير، لكن لا توجد قدرة على الاستمرار. وتكون النية طيبة، لكن طريقة التعبير مؤذية. وهذه من أكثر الحقائق قسوة في العلاقات الإنسانية: حسن النية لا يمنع سوء الأثر. قد لا تكون أردت أن تؤذي، لكنه تأذى. وقد لا يقصد هو أن يخذلك، لكنك خُذلت. والنضج هنا ليس أن نبحث دائمًا عن مذنب، بل أن نستطيع أن نرى القصة من أكثر من جهة. أن نقول: «ربما كنت محقًا في شعوري، لكنه ربما كان محقًا في رؤيته أيضًا». هذه المساحة الرمادية هي التي نفتقدها كثيرًا في علاقاتنا. نريد شخصًا مخطئًا وآخر مظلومًا. نريد رواية سهلة نستطيع أن نحكيها لأنفسنا وللآخرين. لكن العلاقات الحقيقية ليست بهذه البساطة. قد نكون أحببنا شخصًا وأخطأنا بحقه. وقد نكون تعرضنا للأذى ونحن أيضًا لم نكن الطرف المثالي. وقد يكون شخص ما قد ابتعد عنا، ليس لأنه لم يعد يهتم، وإنما لأنه لم يعد يعرف كيف يستمر بالطريقة نفسها. وهذا لا يجعل أحدًا شريرًا. يجعلنا فقط بشرًا. ولهذا، إن كنت تقرأ هذا وفي ذهنك شخص معين، فلا تتعجل في إصدار حكم جديد عليه. تذكره كما هو، لا كما كانت آخر لحظة بينكما. فالإنسان أكبر من موقف واحد، وأعمق من كلمة قيلت في لحظة غضب، وأوسع من الصورة التي رسمناها عنه عندما كنا مجروحين. لكن تذكر أيضًا نفسك. لا تجعل فهمك للآخر يتحول إلى ظلم لنفسك. فالتفهم لا يعني أن تنكر ألمك، والتسامح لا يعني أن تتنازل عن حدودك، والحنين لا يعني بالضرورة أن العودة هي القرار الصحيح. هناك أشخاص نحبهم ونختار ألا نعود إليهم. ليس لأن المشاعر اختفت، وإنما لأننا فهمنا أخيرًا أن بعض العلاقات جميلة في ذاكرتها، لكنها ليست بالضرورة صالحة لحياتنا الآن. وربما هذا هو الشيء الذي يحتاج بعضنا إلى سماعه اليوم: ليس كل شخص نفتقده يجب أن نستعيده، وليس كل علاقة انتهت كانت خسارة. بعض النهايات تحرمنا من شخص، لكنها تعيدنا إلى أنفسنا. وبعض المسافات لا تأتي لتخبرنا أن الآخر لم يعد مهمًا، وإنما لتكشف لنا مقدار ما كنا نضعه في علاقة واحدة من توقعات واحتياج ومعنى. لذلك، إلى من يعنيه الكلام… إذا كنت تنتظر من شخص أن يفهمك، فربما حان الوقت أن تفهم نفسك أولًا. وإذا كنت تنتظر اعتذارًا، اسأل نفسك: هل تحتاج الاعتذار فعلًا، أم تحتاج أن تعرف أنك لم تكن مخطئًا في شعورك؟ وإذا كنت تنتظر عودة أحدهم، اسأل سؤالًا أكثر صعوبة: هل أريده هو… أم أريد أن تعود الأيام التي كانت معه؟ الفرق بين السؤالين قد يغير الكثير. وإذا كنت أنت الشخص الذي قصّر، أو ابتعد، أو قال شيئًا لا يزال الطرف الآخر يحمله في قلبه، فلا تجعل مرور الوقت عذرًا دائمًا. بعض الاعتذارات لا تعيد العلاقات، لكنها تعيد للإنسان احترامه لنفسه. وبعض الكلمات المتأخرة لا تصلح ما انكسر، لكنها تمنح الطرفين نهاية أكثر إنسانية. أما إذا كنت الطرف الذي ينتظر، فلا تجعل انتظارك هو الطريقة الوحيدة التي تعيش بها. اترك للناس مسؤولية اختياراتهم، واترك لنفسك مسؤولية حياتك. فالعلاقة الصحية ليست أن يظل أحدنا يطرق باب الآخر إلى ما لا نهاية، وإنما أن يكون هناك طريق يمكن للطرفين أن يمشيا فيه دون أن يفقد أحدهما نفسه. وفي النهاية… ربما لا أعرف من يعنيه هذا الكلام. لكنني أعرف أن كل إنسان يحمل في حياته شخصًا أو علاقة لم يقل عنها كل ما يشعر به. شيئًا بقي في منتصف الكلام. عتبًا لم يجد وقته. امتنانًا لم يُقل. اعتذارًا تأخر. أو حتى وداعًا لم يحدث كما يجب. ولذلك، ربما لا تحتاج دائمًا إلى إعادة الأشخاص إلى حياتك. أحيانًا تحتاج فقط إلى أن تعيد ترتيب مكانهم في قلبك. أن تترك بعضهم في الذاكرة بامتنان، وبعضهم في التجربة بتعلم، وبعضهم خارج حياتك بسلام. دون كراهية. دون إنكار لما كان. ودون أن تضطر إلى تحويل كل علاقة انتهت إلى قصة عن الخيانة والخذلان. فبعض الناس كانوا مناسبين لمرحلة وانتهت. وبعضهم كانوا درسًا. وبعضهم كانوا نعمة. وبعضهم كانوا اختبارًا. وقليلون جدًا كانوا كل ذلك في وقت واحد. إلى من يعنيه الكلام… لا أعرف أين أنت من هذه الحكاية. لكن إن كان في حياتك شخص جاء إلى ذهنك وأنت تقرأ، فربما لا يكون المطلوب أن تبحث عنه الآن. ربما المطلوب فقط أن تفهم لماذا جاء في بالك. فأحيانًا، الشخص الذي نتذكره فجأة لا يكون هو الذي نحتاجه. بل المعنى الذي تركه فينا.
594
| 10 سبتمبر 2026
ليس كل ما نعتقده حقيقة، وليس كل ما نشعر به دليلًا. هذه الجملة تبدو بسيطة، لكننا نكتشف ثقلها عندما نخسر شخصًا كان يعني لنا الكثير، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أن جزءًا كبيرًا من الحكاية كان من صنعنا. نحن بارعون في بناء القصص من التفاصيل الصغيرة. تتأخر رسالة… فنكتب في أذهاننا قصة كاملة عن التجاهل. تتغير نبرة… فنفسرها على أنها جفاء. يقل السؤال… فنعتقد أن مكانتنا تغيّرت. يبتعد شخص قليلًا… فنقرر أنه لم يعد يريدنا. ثم نبدأ بالتعامل مع القصة، لا مع الشخص. نغضب منه على شيء لم يقله. نبتعد بسبب معنى لم يقصده. ونتغير عليه لأننا افترضنا أنه تغيّر علينا. وهكذا تبدأ بعض العلاقات في الموت بهدوء… دون أن يرتكب أحد الطرفين خطأً واضحًا. المشكلة أننا لا نرى الإنسان كما هو نحن نراه من خلال تجاربنا معه، ومن خلال تجاربنا السابقة أيضًا. الشخص الذي خُذل كثيرًا، لا يحتاج إلى دليل كبير حتى يشك. والذي اعتاد أن يُهمَل، قد يرى الإهمال حتى في الانشغال. والذي ذاق الفقد، قد يخاف من كل مسافة. لذلك أحيانًا لا يكون رد فعلنا على الشخص أمامنا بقدر ما هو رد فعل على أشخاص سبقوه. نضع الماضي فوق الحاضر، ثم نتساءل لماذا لا نفهم بعضنا. أكثر العلاقات ظلمًا هي تلك التي حوكمت دون أن تُسمع كم مرة قلت في نفسك: «لو كان يهتم، لفعل…» لكن هل سألت يومًا: ماذا كان يحدث معه؟ كم مرة قلت: «واضح أنه يقصدني…» لكن هل سألته؟ كم مرة قررت أن شخصًا تغيّر، بينما ربما كان يمر بأيام لم يخبرك عنها؟ نحن أحيانًا نمنح أنفسنا حق تفسير نوايا الآخرين، ثم نغضب من تفسيرنا وكأنه حقيقة مؤكدة. والأغرب أننا قد نكون في الوقت نفسه نطلب من الآخرين أن يفهموا نوايانا الحسنة، بينما لا نمنحهم نحن المساحة نفسها. الظن لا يحتاج إلى دليل… لكنه يحتاج إلى ثمن الحقيقة أن سوء الظن لا يؤذي الشخص الذي نظن به فقط. إنه يؤذينا نحن أيضًا. يأخذ منا راحة القلب، ويجعلنا نراقب التفاصيل، ونحلل الكلمات، ونبحث عن المعاني الخفية خلف كل تصرف. نعيش العلاقة وكأننا في اختبار مستمر: هل ما زال يهتم؟ لماذا قالها بهذه الطريقة؟ لماذا لم يسأل؟ لماذا تغيّر؟ حتى يصبح القرب متعبًا. ثم يأتي اليوم الذي يبتعد فيه الطرفان، وكل واحد منهما يعتقد أن الآخر هو من بدأ. وربما كان يكفي سؤال واحد أحيانًا تكون المسافة بين الحقيقة والظن سؤالًا واحدًا. ليس سؤالًا يحمل اتهامًا، بل سؤالًا يحمل رغبة في الفهم: «هل هناك شيء لم أفهمه؟» هذا السؤال وحده قد يغيّر كثيرًا. قد يخبرك أن ما ظننته تجاهلًا كان انشغالًا. وأن ما اعتبرته برودًا كان تعبًا. وأن ما حسبته ابتعادًا كان محاولة من شخص ما لترتيب نفسه. وقد تكتشف أحيانًا العكس تمامًا… أن إحساسك كان في مكانه. لكن حتى في هذه الحالة، تكون قد وصلت إلى الحقيقة دون أن تهدم العلاقة بقصة من خيالك. ليس المطلوب أن نُحسن الظن بالجميع ليس هذا دعوة لأن نكون ساذجين. هناك أشخاص تكشفهم أفعالهم، وهناك علاقات يصبح الابتعاد عنها ضرورة، وهناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من التفسير. لكن بين الوعي والشك مساحة كبيرة. وبين أن نقرأ الموقف، وأن نخترع له نية، فرق أكبر. فليس كل إحساس حقيقة، وليس كل حدس دليلًا، وليس كل خوف إنذارًا. أحيانًا يكون الخوف مجرد خوف. وأحيانًا يكون الماضي هو الذي يتحدث بصوت الحاضر. لذلك… قبل أن تخسر شخصًا بسبب موقف، اسأل. قبل أن تغير قلبك، تأكد. قبل أن تنسحب، تحدث. وقبل أن تحكم على نية أحد، تذكر أنك لا تملك إلا أن ترى ما فعله… أما ما في داخله، فلا يعلمه إلا الله. فكم علاقة انتهت لأننا صدقنا تفسيرًا أكثر مما صدقنا الإنسان؟ وكم شخص ابتعدنا عنه، ثم اكتشفنا أننا لم نكن نعرف حكايته أصلًا؟ ربما بعض العلاقات لا تحتاج فرصة جديدة… بل تحتاج فقط أن نعود إليها بعقل أقل افتراضًا، وقلب أقل خوفًا، وحقيقة واحدة نعرفها جيدًا: ليس كل ما يدور في رؤوسنا… حدث فعلًا.
507
| 07 سبتمبر 2026
كل صباح، نرى المشهد نفسه يتكرر. أبناء يخرجون من أبواب بيوتهم بحقائبهم، ويمضون نحو مدارسهم، وأهل يودعونهم بكلمات سريعة قبل أن يبدأ يوم جديد. نعتقد أن الرحلة تنتهي عندما يصلون إلى بوابة المدرسة. لكن الحقيقة أن هناك رحلة أخرى تبدأ هناك.. رحلة لا نراها. بين باب البيت وبوابة المدرسة، قد يعيش ابنك عشرات المشاعر التي لا يخبرك عنها. قد يكون متحمسًا لبداية العام، وقد يكون خائفًا. قد يكون سعيدًا بلقاء أصدقائه، وقد يكون قلقًا من معلم جديد أو مادة يخشى ألا ينجح فيها. وقد يكون هناك شيء آخر تمامًا… شيء لا يعرف كيف يقوله. نحن نرى أبناءنا كل يوم، لكن رؤيتهم لا تعني بالضرورة أننا نعرف ما بداخلهم. وهذه واحدة من أصعب حقائق التربية. فالطفل قد يضحك أمامك وهو متعب، وقد يقول «أنا بخير» لأنه لا يريد أن يزعجك، وقد يصمت لأنه لا يعرف كيف يشرح ما يشعر به. لذلك، مع بداية العام الدراسي، ربما نحتاج أن نغيّر بعض الأسئلة. بدل أن يكون أول سؤال: «كم جبت؟» فلنجرب أحيانًا: «كيف كان يومك؟» وبدل أن نسأل فقط عن الواجبات والاختبارات، لنسأل: «هل ارتحت في مدرستك اليوم؟» «هل كان هناك شيء أزعجك؟» «مع من جلست؟» «هل هناك شيء تتمنى أن نتحدث عنه؟» هذه الأسئلة البسيطة قد تفتح أبوابًا لا تفتحها المحاضرات الطويلة. فالأبناء لا يحتاجون دائمًا إلى حلول جاهزة. أحيانًا يحتاجون فقط إلى شخص يسمعهم دون أن يقاطعهم، ويحتويهم دون أن يحكم عليهم. والأهم أن يشعر الابن أن البيت ليس مكانًا للمحاسبة فقط، بل مكان يعود إليه عندما يخاف أو يخطئ أو يتعثر. فالطالب الذي يخاف من رد فعل والديه قد يتعلم إخفاء مشكلته بدل مواجهتها. أما الطالب الذي يعرف أن والديه سيستمعان إليه أولًا، فسيتعلم أن طلب المساعدة ليس ضعفًا. وهنا يأتي دور الأسرة. لا يمكننا أن نكون مع أبنائنا في كل لحظة من يومهم، ولا نستطيع أن نمنع عنهم كل تجربة صعبة. لكن يمكننا أن نعطيهم شيئًا أهم: أن يعرفوا أننا موجودون عندما يحتاجون إلينا. المدرسة ستعلمهم القراءة والكتابة والمعرفة، لكن البيت هو المكان الذي يتعلمون فيه كيف يتعاملون مع مشاعرهم، وكيف يواجهون الفشل، وكيف يثقون بأنفسهم، وكيف يطلبون المساعدة، وكيف يصبحون أشخاصًا قادرين على التعامل مع الحياة. ولهذا، لا ينبغي أن يكون اهتمامنا في بداية العام الدراسي منصبًا فقط على تجهيز الحقيبة والزي والجدول. لنجهز أبناءنا نفسيًا أيضًا. قولوا لهم: «إذا واجهتك مشكلة، تحدث معي» «إذا أخطأت، لا تخف من إخباري» «إذا لم تفهم، سنبحث عن الحل معًا» «إذا لم تكن الأول، فهذا لا يعني أنك فشلت» «أنا فخور بمحاولتك، وليس بدرجتك فقط» قد تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها بالنسبة لطفل أو مراهق قد تكون الفرق بين أن يواجه يومه بثقة… أو أن يواجهه وحيدًا. وفي المقابل، علينا ألا ننسى أن المعلم أيضًا يقف عند بوابة أخرى من الحكاية. يدخل الفصل كل يوم أمام عشرات الطلاب، وكل واحد منهم يحمل قصة مختلفة. طالب يحتاج إلى تشجيع. آخر يحتاج إلى احتواء. ثالث يحتاج إلى من يكتشف موهبته. ورابع قد يخفي خلف هدوئه مشكلة لا يعرف أحد عنها شيئًا. لذلك فإن العلاقة بين الأسرة والمدرسة ليست علاقة درجات وتقارير فقط. إنها شراكة في صناعة إنسان. ومع بداية عام دراسي جديد، ربما علينا أن نتذكر أن أبناءنا لن يتذكروا كل تفاصيل الكتب التي درسوها، لكنهم سيتذكرون كيف جعلهم هذا العام يشعرون. سيتذكرون المعلم الذي آمن بهم. والأب الذي استمع إليهم. والأم التي احتوتهم. والمدرسة التي جعلتهم يشعرون بالأمان. فبين باب البيت وبوابة المدرسة، هناك دقائق قليلة فقط. لكنها قد تكون مساحة عظيمة للحوار. لا تجعلوا الطريق إلى المدرسة مجرد طريق صامت. اسألوا. استمعوا. راقبوا دون تجسس. احتووا دون مبالغة. وكونوا قريبين دون أن تخنقوا استقلالهم. فالأبناء يكبرون بسرعة، وستأتي أيام لن نرافقهم فيها إلى المدرسة، ولن نحمل حقائبهم، ولن نعرف تفاصيل يومهم كما نعرفها اليوم. لذلك استثمروا في هذه المسافة الصغيرة الآن. بين باب البيت وبوابة المدرسة، قد تكون هناك حكاية ينتظر أحد أبنائنا أن يسمعها أحد. فلنكن نحن ذلك الشخص.
504
| 02 سبتمبر 2026
ليست كل القصص التي وردت في القرآن حكايات عن أناس مضوا وانتهوا، فبعض القصص تحمل في داخلها أسئلة لا تنتهي بانتهاء أصحابها، بل تظل تعود إلينا كلما تكررت الأسباب التي صنعت نهاياتهم. وقصتا عاد وثمود ليستا مجرد حديث عن قوتين قديمتين، بل تذكير دائم بأن الإنسان قد يمتلك القوة، والمال، والعمران، والقدرة على البناء، ثم ينسى أن كل ذلك لا يمنحه حصانة من السقوط. قال تعالى عن قوم عاد: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. تأملوا السؤال: من أشد منا قوة؟ ربما تغيرت الكلمات، لكن الفكرة ما زالت حاضرة. اليوم لا يقيس الإنسان قوته بالعضلات كما كان يفعل الأقوياء قديمًا، بل قد يقيسها بحجم حسابه البنكي، وعدد متابعيه، ومنصبه، ونفوذه، وعلاقاته، وقدرته على التأثير، أو حتى بما يمتلكه من معرفة وتقنية. أصبح لدينا عالم قادر على بناء مدن مذهلة، واختصار المسافات، وصناعة تقنيات تتجاوز الخيال، والذكاء الاصطناعي الذي يستطيع خلال لحظات أن ينتج ما كان يحتاج إلى ساعات أو أيام. لكن السؤال الأهم ليس: إلى أين وصلنا؟ بل: ماذا فعل بنا كل هذا الوصول؟ فالمشكلة لم تكن يومًا في القوة ذاتها، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها. عاد كانوا أصحاب قوة، وثمود كانوا أصحاب حضارة وعمران؛ نحتوا من الجبال بيوتًا، وعاشوا في أرضٍ مكنتهم من أسباب الحياة. لكن النعمة حين تنفصل عن الشكر، والقوة حين تنفصل عن المسؤولية، والعلم حين ينفصل عن الأخلاق، قد تتحول من وسيلة للبناء إلى سبب للهدم. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: هل يمكن أن نكون نحن أيضًا أسرى لنسخة حديثة من الغرور؟ نحن لا ننحت الجبال كما فعل ثمود، لكننا ننحت أبراجًا تناطح السماء. ولا نقول بالضرورة: من أشد منا قوة؟، لكن قد تقول بعض المجتمعات والمؤسسات والأفراد، بطريقة أو بأخرى: من يستطيع أن ينافسنا؟ نمتلك وسائل اتصال تستطيع أن تصل إلى ملايين البشر في لحظات، لكننا أحيانًا نعجز عن الوصول إلى أقرب الناس إلينا. نملك آلاف المعلومات، لكننا نفتقر إلى الحكمة. نستطيع أن نصنع صورة مثالية لأنفسنا أمام الآخرين، بينما نعجز عن مواجهة حقيقتنا أمام المرآة. وقد أصبح الإنسان في عصر الصورة شديد الانشغال بأن يبدو ناجحًا، قويًا، سعيدًا ومتفوقًا، حتى أصبح أحيانًا يستهلك طاقته في صناعة الصورة أكثر من صناعة الإنسان نفسه. وهنا تكمن واحدة من أخطر صور الغرور المعاصر. أن ننجح في إقناع الآخرين بأننا بخير، ونفشل في سؤال أنفسنا: هل نحن بخير فعلًا؟ إن قصة عاد وثمود لا تدعونا إلى الخوف من التطور، ولا إلى رفض العمران أو القوة أو الرفاهية. على العكس، القوة نعمة، والعلم نعمة، والمال نعمة، والقدرة على البناء نعمة. لكن كل نعمة تحمل معها مسؤولية. فالسؤال ليس كم نملك، وإنما كيف نستخدم ما نملك؟ وليس كم بنينا، وإنما ماذا بنينا داخل الإنسان؟ وليس كم ارتفعت أبراجنا، وإنما هل ارتفعت معها قيمنا؟ ربما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يضعف اقتصاديًا أو يتراجع تقنيًا، وإنما أن يفقد قدرته على مراجعة نفسه. أن يصبح النجاح دليلًا على صواب كل شيء. وأن يتحول النفوذ إلى شعور بالحصانة. وأن تصبح النصيحة تهديدًا. وأن يتحول الاعتذار إلى ضعف. وأن يصبح الاعتراف بالخطأ أمرًا لا يليق بمن يعتقد أنه دائمًا على حق. وهذه النقطة تحديدًا تجعل قصص القرآن حاضرة في كل زمن؛ لأنها لا تتحدث فقط عن أشخاص بأسمائهم، بل عن سنن بشرية تتكرر. فالإنسان قد يتغير شكله، وتتغير أدواته، وتتغير مدنه، وتتغير التكنولوجيا من حوله، لكن غروره يظل قادرًا على ارتداء الملابس نفسها بأشكال جديدة. كان هناك من يغتر بالقوة، واليوم قد يغتر بالثروة. وكان هناك من يغتر بما بناه، واليوم قد يغتر بما يملك من نفوذ. وكان هناك من يرفض الحق لأنه لا يريد أن يتراجع، واليوم قد يرفض الإنسان الحقيقة فقط لأنها لا تتوافق مع صورته عن نفسه. لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل نعيش نسخة جديدة من عاد وثمود؟ بل: هل نكرر الأخطاء الإنسانية نفسها التي حذرتنا منها قصصهم؟ الفرق كبير. فنحن لا نحكم على أحد بأنه عاد أو ثمود، ولا يجوز تحويل القصص القرآنية إلى أحكام جاهزة على أشخاص أو مجتمعات معاصرة. لكن يمكننا أن نضع أنفسنا أمام مرآتها. مرآة تسألنا: ماذا تفعل بنا القوة؟ ماذا فعلت بنا النعمة؟ هل جعلنا النجاح أكثر تواضعًا أم أكثر استعلاءً؟ هل جعلنا العلم أكثر حكمة أم أكثر ثقة بأنفسنا؟ هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر إنسانية أم أكثر عزلة؟ وهل ما نبنيه خارجنا يوازي ما نبنيه داخلنا؟ ربما تكون أعظم العبر من عاد وثمود أن السقوط لا يبدأ لحظة السقوط. بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ حين يظن الإنسان أنه لا يسقط. يبدأ حين يتوقف عن الاستماع. حين تصبح القوة غرورًا، والنعمة استحقاقًا، والنصيحة إهانة، والخطأ مستحيلًا. ومن هنا، فإن أعظم ما نحتاج إليه في زمن القوة ليس المزيد من القوة فقط، وإنما المزيد من الوعي. وعي يجعل الإنسان يعرف أن امتلاك القدرة لا يعني امتلاك الحق، وأن ارتفاع المكانة لا يعني ارتفاع القيمة، وأن كثرة ما نملك لا تعني أننا أكثر استحقاقًا. فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من إسمنت وحديد، وإنما بما تبنيه من عدل ورحمة وأمانة ومسؤولية. والإنسان لا يُقاس فقط بما يصل إليه، وإنما بما يفعله بعد أن يصل. ربما لم تتغير القصة كثيرًا. نحن فقط غيّرنا الأدوات. والسؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا: إذا كانت عاد قد سألت: «من أشد منا قوة؟» فما السؤال الذي نطرحه نحن اليوم، ونحن نمتلك كل هذه القوة؟ وهل ستكون إجابتنا دليل تواضع وشكر ومسؤولية. أم بداية غرور جديد؟ فالعبرة ليست أن نبحث عن عاد وثمود في الآخرين. العبرة أن نتأكد ألا تسكن بعض صفاتهم فينا.
285
| 30 أغسطس 2026
في حياة كل إنسان لحظة يتوقف فيها قليلًا، لا لأنه تعب من الطريق، بل لأنه بدأ يتساءل: إلى أين أمضي؟ وهل الطريق الذي اخترته يشبهني حقًا؟ تلك هي «أزمة منتصف الطريق»؛ المرحلة التي لا يكون فيها الإنسان في بداية الحكاية، ولا يشعر أنه وصل إلى نهايتها. يقف في المنتصف، يحمل خلفه سنوات من التجارب والقرارات والنجاحات والخسارات، وينظر أمامه فيجد أسئلة أكثر من الإجابات. قد تأتي هذه الأزمة في منتصف العمر، وقد تأتي أبكر من ذلك بكثير. أحيانًا تبدأ بعد إنجاز كبير كنا نظن أنه سيمنحنا السعادة، ثم نكتشف أننا ما زلنا نشعر بالفراغ. وأحيانًا تظهر بعد سنوات طويلة من العطاء للآخرين، حين نسأل أنفسنا فجأة: وماذا عني أنا؟ المشكلة أن المجتمع علّمنا أن نحتفل بالوصول، لكنه لم يعلمنا كيف نتعامل مع لحظة اكتشافنا أن الوجهة لم تعد تناسبنا. في منتصف الطريق، يبدأ الإنسان بمراجعة أشياء كثيرة: عمله، علاقاته، أحلامه، صداقاته، وحتى الصورة التي صنعها عن نفسه. قد يشعر أنه حقق ما كان يتمناه، لكنه لم يعد الشخص نفسه الذي تمنّى ذلك قبل سنوات. وهنا تبدأ الحيرة. هل أستمر لأنني قطعت شوطًا طويلًا؟ أم أتوقف لأنني لم أعد أريد الوصول إلى المكان نفسه؟ كثيرون يستمرون في طرق لا تشبههم فقط لأنهم يخافون من الاعتراف بأن بعض اختياراتهم كانت خاطئة. يخافون من نظرة الآخرين، ومن فكرة البدء من جديد، ومن أن تبدو سنواتهم الماضية وكأنها ذهبت سدى. لكن الحقيقة أن تغيير الاتجاه لا يعني فشل الرحلة. أحيانًا تكون الحكمة في أن نعيد رسم الطريق، لا أن نواصل السير فيه لمجرد أننا بدأناه. أزمة منتصف الطريق ليست دائمًا أزمة عمر، بل قد تكون أزمة معنى. أن تملك الكثير ولا تشعر بالاكتفاء، أن تكون محاطًا بالناس وتشعر بالوحدة، أن تنجح في نظر الجميع بينما تشعر في داخلك أنك لم تصل إلى نفسك بعد. ولهذا، فإن السؤال الأهم في هذه المرحلة ليس: ماذا حققت؟ بل: هل ما حققته يشبه الشخص الذي أصبحت عليه؟ ربما نحتاج في منتصف الطريق إلى أن نخفف السرعة، وأن نتوقف عن مقارنة حياتنا بحياة الآخرين. فليس كل من وصل قبلك سبقك، وليس كل من تأخر عنك ضل طريقه. لكل إنسان توقيته، وظروفه، وأسئلته، والطرق التي لا يراها الآخرون. وقد تكون أجمل الأشياء التي تحدث لنا في هذه المرحلة أننا نبدأ أخيرًا في اختيار حياتنا بإرادتنا، لا بما اعتدنا عليه، ولا بما يرضي الآخرين، ولا بما يُتوقع منا. منتصف الطريق ليس نهاية الشباب، ولا بداية الانطفاء، كما يظن البعض. قد يكون بالعكس بداية النضج الحقيقي؛ حين تقل حاجتنا إلى إثبات أنفسنا، ونصبح أكثر قدرة على معرفة ما نريد وما لا نريد. هناك فرق كبير بين أن تعيش حياة ناجحة، وأن تعيش حياة تشعر بأنها حياتك. لذلك، إذا وجدت نفسك يومًا في منتصف الطريق، مرتبكًا، كثير الأسئلة، قليل اليقين، فلا تخف. ربما لم تضِع. ربما أنت فقط وصلت إلى المرحلة التي لم يعد فيها بإمكانك أن تكمل الطريق القديم بالشخصية القديمة. وربما كانت هذه الأزمة، التي ظننتها عثرة، هي في الحقيقة دعوة هادئة لأن تبدأ الطريق نحو نفسك. فبعض الطرق لا نكتشف حقيقتها إلا بعد أن نمشي نصفها، وبعض المنعطفات لا تأتي لتبعدنا عن أحلامنا، بل لتقودنا إلى الحلم الذي يليق بنا أكثر. منتصف الطريق ليس مكانًا للتوقف عن الحياة… بل مكان لإعادة اختيارها.
531
| 25 أغسطس 2026
في نهاية عام 2024، اختارت Oxford كلمة Brain Rot – تعفّن الدماغ كلمة العام، في إشارة إلى حالة يُشعر فيها الإنسان بأن قدرته على التركيز والتفكير العميق أصبحت أضعف، نتيجة الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي السريع، خصوصًا مقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى السطحي المتكرر. لكن السؤال الأهم ليس: هل «يتعفن الدماغ» فعلًا؟ بل: ماذا يحدث لعقولنا عندما نعتاد على جرعات متواصلة من المحتوى السريع؟ علميًا، لا يوجد مرض اسمه «تعفن الدماغ»، ولا توجد حالة طبية بهذا الاسم. ولذلك فإن استخدام المصطلح يجب أن يكون مجازيًا. لكن خلف المصطلح الشعبي توجد ظاهرة تستحق التوقف عندها؛ لأن عددًا متزايدًا من الدراسات يبحث في العلاقة بين الاستخدام المكثف للهواتف والمنصات الرقمية وبين الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية. المشكلة ليست في الهاتف… بل في الطريقة التي نستخدمه بها ليس كل استخدام للتكنولوجيا ضارًا. فالإنسان قد يستخدم الهاتف للتعلم، أو العمل، أو القراءة، أو التواصل، وقد يستخدمه في الوقت نفسه لساعات طويلة في التمرير بين عشرات المقاطع التي لا تتطلب منه جهدًا ذهنيًا كبيرًا. وهنا تكمن القضية. مراجعة منهجية نُشرت عام 2024 في مجلة Neuroscience & Biobehavioral Reviews وحللت دراسات تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي لدى المراهقين والشباب، وجدت ارتباطات بين إدمان الإنترنت أو الهواتف الذكية وبين تغيرات في أنظمة مرتبطة بالتحكم المعرفي والمكافأة والوظائف التنفيذية، وأشارت المراجعة إلى مناطق مثل القشرة الجبهية ومناطق أخرى تشارك في التحكم والانتباه ومعالجة المكافأة. وهذا لا يعني أن الهاتف «يدمر الدماغ»، وإنما يعني أن أنماط الاستخدام المكثف قد ترتبط بتغيرات في الطريقة التي يعمل بها النظام المعرفي. ماذا تفعل المقاطع القصيرة بعقولنا؟ هنا تظهر واحدة من أكثر النتائج إثارة للاهتمام. دراسة منشورة في npj Science of Learning درست تأثير التعلم من خلال مقاطع الفيديو القصيرة مقارنة بالمحتوى الأطول، واستخدمت اختبارًا للذاكرة إلى جانب التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وجد الباحثون أن المشاركين الذين تعرضوا للمحتوى القصير المجزأ حققوا دقة أقل في تذكر المعلومات، كما ظهرت اختلافات في نشاط واتصال بعض مناطق الدماغ المرتبطة باسترجاع الذاكرة ومعالجة المعلومات. وكانت هذه التغيرات مرتبطة أيضًا بعادات استخدام الفيديو القصير. لكن علينا أن نكون دقيقين هنا: هذه النتائج لا تثبت أن TikTok أو Reels أو Shorts «تسبب تلفًا دائمًا في الدماغ». إنها تشير إلى أن طريقة تقديم المعلومات المجزأة والسريعة قد تؤثر في عمليات الانتباه والذاكرة والتعلم، وهي نقطة مختلفة تمامًا. عندما يتعود العقل على «التالي… التالي… التالي» ربما يكون أخطر ما يحدث ليس أننا نستهلك محتوى كثيرًا، وإنما أننا نبدأ في الاعتياد على المكافأة السريعة. مقطع مدته عشر ثوانٍ. ثم آخر. ثم آخر. ثم معلومة. ثم ضحكة. ثم خبر. ثم صورة. ثم إشعار. العقل ينتقل باستمرار من محفز إلى آخر، دون أن يمنح نفسه مساحة كافية للبقاء مع فكرة واحدة لفترة طويلة. وهذا يتقاطع مع ما وجدته مراجعات علمية حول الاستخدام المكثف للوسائط الرقمية؛ إذ ارتبط الاستخدام المفرط لدى الأطفال والمراهقين بضعف في الانتباه والذاكرة العاملة وبعض الوظائف التنفيذية، مع التأكيد على أن النتائج ليست متطابقة في جميع الدراسات وأن نوع الاستخدام ومدته وسياقه عوامل مهمة. وهنا يجب أن ننتبه إلى الفرق بين الارتباط والسببية. إذا وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل بكثرة لديهم تركيز أقل، فهذا لا يعني تلقائيًا أن وسائل التواصل هي السبب الوحيد. قد تكون هناك عوامل أخرى: النوم، القلق، نمط الحياة، النشاط البدني، البيئة الاجتماعية، أو حتى وجود صعوبات في الانتباه قبل الاستخدام الرقمي. المشكلة ليست «المحتوى القصير» وحده من السهل أن نقول: المقاطع القصيرة تدمر التركيز. لكن العلم أكثر تعقيدًا من ذلك. مراجعة منهجية حديثة شملت 23 دراسة حول تأثير وسائل التواصل في التطور المعرفي لدى الأطفال والشباب وجدت نتائج مختلطة؛ فالاستخدام المفرط ارتبط في بعض الدراسات بضعف الانتباه والذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية، بينما أظهرت بعض أشكال الاستخدام التعليمي فوائد في الذاكرة واللغة. ودعت المراجعة إلى مزيد من الدراسات الطولية والتجارب التي تستطيع اختبار السببية بصورة أقوى. بمعنى آخر: المشكلة ليست التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما ماذا نفعل بها، وكم نستخدمها، وكيف نستخدمها. حين يصبح الملل شيئًا لا نحتمله هناك علامة أخرى تستحق الانتباه. هل نستطيع أن نجلس خمس دقائق دون هاتف؟ هل نستطيع قراءة عشر صفحات دون أن ننتقل إلى الإشعارات؟ هل نستطيع مشاهدة فيلم كامل دون الإمساك بالهاتف؟ هل نستطيع أن نقود السيارة دون تشغيل شيء؟ هل نستطيع أن ننتظر في مكان ما دون أن نفتح الشاشة؟ إذا كانت الإجابة دائمًا «لا»، فالمشكلة قد لا تكون في نقص الوقت، وإنما في انخفاض قدرتنا على تحمل غياب التحفيز. وهذه نقطة مهمة؛ لأن العقل يحتاج إلى فترات من الهدوء لكي يعالج المعلومات ويستعيد قدرته على التركيز. والأسوأ: أن نخلط بين المعرفة والاستهلاك نحن نعيش في عصر يمكن للإنسان فيه أن يشاهد مئات المقاطع التعليمية في أسبوع، ومع ذلك لا يتذكر منها إلا القليل. لماذا؟ لأن التعرض للمعلومة لا يساوي التعلم. أن تشاهد فيديو عن كتاب لا يعني أنك قرأت الكتاب. وأن تشاهد عشرين مقطعًا عن الذكاء لا يعني أنك أصبحت أكثر ذكاء. وأن تحفظ عشر نصائح في تطوير الذات لا يعني أنك طبقتها. العقل لا يبني المعرفة من كمية المعلومات التي تمر أمامه، وإنما من قدرته على الانتباه، والفهم، والربط، والاسترجاع، والتطبيق. «تعفن الدماغ» قد يكون وصفًا ثقافيًا أكثر من كونه مرضًا وهنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية. حتى الدراسات التي تناولت مفهوم Brain Rot مباشرة تؤكد أنه ليس تشخيصًا سريريًا معتمدًا ولا توجد له معايير تشخيصية ثابتة. لذلك لا ينبغي استخدامه كاسم لمرض نفسي أو عصبي. الأدق علميًا أن نتحدث عن: الإفراط في استخدام الوسائط الرقمية، وتشتت الانتباه، والحمل المعرفي، والاستخدام القهري، وتأثير المحتوى المجزأ في بعض جوانب الأداء المعرفي. أما «تعفن الدماغ» فهو التعبير الشعبي الذي اختصر كل هذه المخاوف في كلمتين. إذن… هل نحن أمام جيل أقل قدرة على التفكير؟ لا توجد أدلة علمية كافية تسمح لنا بإطلاق هذا الحكم الكبير. لكن توجد أسباب علمية حقيقية تجعلنا نعيد التفكير في علاقتنا بالمحتوى الرقمي. المشكلة ليست أن أطفالنا وشبابنا يستخدمون التكنولوجيا. المشكلة أن بعضهم قد يقضي ساعات طويلة في استهلاك محتوى سريع ومتتابع، دون فترات كافية من القراءة، والحوار، واللعب، والحركة، والتأمل، والتجربة الواقعية. والأخطر أن هذا النمط قد يصبح طبيعيًا إلى درجة أننا لا نلاحظ تغيره فينا. ربما لا نحتاج إلى «ديتوكس رقمي»… بل إلى إعادة تدريب العقل الحل ليس بالضرورة أن نرمي هواتفنا بعيدًا. بل أن نعيد تعليم عقولنا أن التركيز الطويل ما زال ممكنًا. نقرأ كتابًا دون هاتف. نجلس مع شخص دون أن ننظر إلى الشاشة. نشاهد محتوى طويلًا بدلًا من التنقل المستمر بين المقاطع. نخصص أوقاتًا بلا إشعارات. نمارس نشاطًا بدنيًا. ونترك مساحة للملل. فالملل ليس دائمًا عدوًا. أحيانًا، الملل هو المساحة التي يبدأ فيها العقل بإنتاج أفكاره الخاصة بدلًا من استقبال أفكار الآخرين طوال الوقت. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل تعفّن دماغنا؟ بل: هل أصبحنا نعيش بطريقة لا تمنح عقولنا فرصة كافية للتفكير؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد المعلومات… بل أن يفقد القدرة على التركيز بما يكفي ليصنع منها معرفة، والهدوء بما يكفي ليكوّن رأيًا، والعمق بما يكفي ليكتشف ما يريده هو، بعيدًا عن ما تقترحه له الخوارزمية.
435
| 23 أغسطس 2026
هناك أشخاص لا يبحثون عن المرض بقدر ما يبحثون عن الاهتمام الذي يأتي معه. قد يبدو الأمر في البداية مجرد مبالغة في وصف الأعراض، أو شكوى متكررة من المرض، أو رغبة زائدة في زيارة الأطباء. لكن في حالات معينة قد يكون خلف هذا السلوك اضطراب نفسي معقد يُعرف تاريخيًا باسم متلازمة مانشهاوزن، ويُسمى طبيًا اليوم الاضطراب المفتعل. في هذه الحالة، يتعمد الشخص اختلاق أعراض مرضية أو المبالغة فيها، وقد يصل الأمر إلى إحداث المرض أو إيذاء نفسه، بهدف أن يعيش دور المريض ويحصل على الرعاية والاهتمام والتعاطف، وليس بالضرورة من أجل منفعة مادية أو مكسب واضح. عندما يصبح المرض مصدرًا للاهتمام قد يكون الإنسان في حياته العادية غير قادر على التعبير عن احتياجاته العاطفية بصورة مباشرة. لا يعرف كيف يقول: «أحتاج أن تهتموا بي» أو: «أحتاج أن أشعر أنني مهم» أو: «أخاف أن تتركوني عندما لا أكون بحاجة إليكم» فتتحول هذه الاحتياجات أحيانًا إلى سلوك آخر؛ يصبح المرض هو الطريق الذي يحصل من خلاله الإنسان على ما يفتقده من اهتمام ورعاية. كلما مرض، اقترب منه الآخرون. كلما اشتكى، استمعوا إليه. كلما دخل المستشفى، أصبح محور اهتمام من حوله. وبمرور الوقت، قد تتكون علاقة نفسية خطرة بين المرض والاهتمام. ليست مجرد كذبة من السهل أن نحكم على الشخص ونقول: «إنه كاذب». لكن الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك. الشخص المصاب بالاضطراب المفتعل يعرف غالبًا أنه يختلق الأعراض أو يتسبب فيها، لكنه قد لا يكون قادرًا على فهم الدافع النفسي العميق وراء سلوكه. وقد تكون لديه معرفة واسعة بالأمراض والمصطلحات الطبية، وقد تكون قصته مقنعة إلى درجة تجعل اكتشاف الحقيقة أمرًا صعبًا حتى على المختصين. وهنا تكمن خطورة الحالة؛ لأن البحث عن الاهتمام قد يدفع الإنسان إلى إجراءات طبية غير ضرورية، أو إلى إيذاء نفسه، وقد تصل المضاعفات في بعض الحالات إلى إصابات خطيرة أو الوفاة. كيف يمكن أن نلاحظها؟ قد تظهر مجموعة من الأنماط المتكررة، مثل كثرة الانتقال بين الأطباء والمستشفيات، أو تقديم تاريخ مرضي طويل وغير متناسق، أو وجود أعراض لا تتطابق مع نتائج الفحوصات، أو استمرار المشكلة بطريقة غير معتادة رغم العلاج. لكن وجود هذه العلامات لا يعني أن الشخص مصاب بمتلازمة مانشهاوزن. فالتشخيص ليس أمرًا يمكن أن يقوم به أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء، بل يحتاج إلى تقييم طبي ونفسي دقيق، خصوصًا أن بعض الأمراض الحقيقية قد تكون صعبة التشخيص أو تتغير أعراضها من وقت لآخر. الفرق بين مانشهاوزن والتظاهر بالمرض وهنا يوجد فرق مهم جدًا. الشخص الذي يتظاهر بالمرض من أجل الحصول على المال، أو تجنب العمل، أو الحصول على دواء، أو الهروب من مسؤولية، لديه هدف خارجي واضح. أما في الاضطراب المفتعل، فلا يكون هناك مكسب خارجي واضح؛ وإنما يكون الدافع مرتبطًا بالحاجة إلى دور المريض والرعاية والاهتمام. الأخطر عندما يكون المريض شخصًا آخر هناك صورة أكثر خطورة تُعرف باسم الاضطراب المفتعل المفروض على الغير، وكانت تُسمى سابقًا «مانشهاوزن بالوكالة». هنا لا يختلق الشخص المرض لنفسه، وإنما يدعي أن شخصًا آخر، غالبًا طفل أو شخص تحت رعايته، يعاني من أعراض أو مرض، وقد يصل الأمر إلى التسبب له بالأذى أو إخضاعه لعلاجات وفحوصات لا يحتاج إليها. وهذه ليست مجرد مشكلة نفسية، بل قد تتحول إلى إساءة خطيرة للضحية. لماذا يصعب علاجها؟ لأن الإنسان قد لا يرى نفسه باعتباره الشخص الذي يحتاج إلى علاج. هو يذهب إلى الطبيب فعلًا، لكنه يريد علاج المرض الذي يفتعله، وليس علاج السبب النفسي الذي يقف خلف سلوكه. ولهذا فإن المواجهة القاسية، والاتهام المباشر، والسخرية من الشخص قد تزيد المشكلة تعقيدًا وتدفعه إلى الإنكار أو البحث عن طبيب آخر. ويحتاج التعامل معه إلى نهج هادئ وغير تصادمي، مع توجيهه إلى التقييم النفسي المناسب. وربما السؤال الأهم… خلف بعض السلوكيات الغريبة توجد أحيانًا حاجة إنسانية لم تجد طريقًا صحيًا للتعبير عن نفسها. إنسان لم يتعلم أن يطلب الحب، فيطلبه من خلال الألم. إنسان لم يشعر بأهميته، فيجدها عندما يقلق الآخرون عليه. إنسان يخاف أن يُنسى، فيصبح المرض وسيلته للبقاء حاضرًا في حياة الآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الألم الطريق الوحيد للحصول على الاهتمام. فالحب الذي يحتاج إلى مرض كي يستمر، ليس حبًا آمنًا. والاهتمام الذي لا يأتي إلا عندما نتألم، يجعلنا نخاف من العافية. لذلك ربما لا يكون السؤال دائمًا: «لماذا يكذب هذا الشخص بشأن مرضه؟» بل: «ما الاحتياج الذي لم يعرف كيف يعبّر عنه إلا من خلال المرض؟» فبعض الناس لا يحتاجون إلى مزيد من الاتهام. بل يحتاجون إلى أن يتعلموا للمرة الأولى أن بإمكانهم أن يقولوا: «أنا أحتاجكم دون أن أكون مريضًا»
234
| 18 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3045
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2217
| 23 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1044
| 27 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
846
| 28 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
726
| 23 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
588
| 27 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
522
| 22 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
468
| 25 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
438
| 28 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
432
| 23 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية