رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رأى البعض أن اجتماع قمة دول عدم الانحياز الذي اختتم أعماله الأسبوع الماضي، وشاركت فيه 120 دولة إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون)، على أنه أكبر مؤتمر دولي عقد في طهران منذ الثورة الإسلامية في عام 1979م. وهو حدث يفترض النظر إليه على أنه انقلاب دبلوماسي إيراني، حيث شكل فرصة لها لتظهر للعالم على أن لها أصدقاء وداعمين وأنها ليست دولة معزولة بعكس ما يظهرها به الإعلام الغربي.
ولسوء حظ إيران، فإن سعيها لفرض رقابة على فعاليات ومخرجات مؤتمر القمة بما يتواءم ودعايتها قد أكسبها المزيد من الأعداء بدلاً من كسب أصدقاء، بل وربما زاد من تفاقم التوتر القائم بين السنة والشيعة في المنطقة.
وخير مثال على ذلك هو محاولتها التلاعب بخطاب الرئيس المصري محمد مرسي. حيث صلى في بداية حديثه على المصطفى عليه الصلاة والسلام، وترضى على الخلفاء الراشدين أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، إلا أن نص الخطاب الذي بث مباشرة في القناة الفارسية الأولى قد حرف بحذف أسماء الخلفاء الراشدين من الترجمة الفارسية، وهو ما نظر إليه العديد من السنة على أنه تجن وافتراء على الصحابة الكرام. كما حرفت الترجمة الفارسية تعبير"الربيع العربي" الذي ورد في خطاب الرئيس مرسي، باستبداله بتعبير "الصحوة الإسلامية". والأدهى والأمر ما جاء في تحريف انتقاداته لنظام بشار الأسد باستبدال اسم البحرين مكان سورية في الترجمة الفارسية لتبدو الانتقادات وكأنها موجهة إلى البحرين وليس سوريا.
وخطاب مرسي الدعائي المرسل وما جاء به من رسائل بعينها للبعض كان مثيرا وزاد في التوتر القائم مع إيران، خاصة عندما شبه التمرد على نظام الأسد وقواته بالنضال الفلسطيني لعقود من أجل الحرية والعدالة والتخلص من الاحتلال. وقد صبت إجراءات البلدين الزيت على نار العلاقات المتقلبة بين السنة والشيعة.
كان من المفترض أن يشكل مؤتمر قمة كهذا لدول عدم الانحياز مناسبة لتعزيز الروابط بين الدول النامية خارج إطار كتلة الدول الغربية. وقد حملت مشاركة مرسي في القمة الكثير من التوقعات، باعتبارها أول زيارة لرئيس مصري إلى طهران بعد الثورة الإيرانية عام 1979، فنظر إلى هذه الزيارة على أنها مؤشر لتحسن العلاقة بين الدولتين. وبعكس ما كان متوقعا، فإن تلاعب إيران بترجمة خطاب مرسي قد أجج النزاع المذهبي القائم بين الطوائف الإسلامية. ويأتي هذا في ظل وضع يمكن أن توصف فيه العلاقة بين أكبر طائفتين إسلاميتين على أقل تقدير بأنها هشة.
وعندما أشارت التقارير في بادئ الأمر، إلى أن الرئيس مرسي سيزور طهران للمشاركة في قمة عدم الانحياز، فإن العديد من الاتجاهات الإسلامية خاصة السلفية منها لم تكن سعيدة بهذه الخطوة فاستعانوا بمواقع التواصل الاجتماعي "كتويتر" وغيرها للتعبير عن غضبهم. ومع ذلك تحول استياؤهم إلى سعادة وابتهاج عندما أدان مرسي في قلب أكبر دولة شيعية الدعم الإيراني لنظام الأسد في سورية. وأيا كانت التجاذبات فإن أحداث كهذه لا تنبئ إلا بمؤشرات حرب تلوح في الأفق بين الطائفتين السنية والشيعية أو حتى بين مختلف الجماعات العرقية في المنطقة في المدى القريب.
ومن سخرية الأقدار أن يأتي هذا بعد شهر فقط من دعوة السعودية لعقد اجتماع قمة لمنظمة التضامن الإسلامي لمناقشة التوتر بين الطائفتين السنية والشيعية، وحضرتها إيران ممثلة برئيسها. وقد دعى الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في تلك القمة إلى حوار وطني بين مختلف الطوائف الإسلامية للتخفيف من حدة العداء بينهما. كما دعى إلى إنشاء مركز للحوار بين الطوائف الإسلامية لإنهاء الانقسامات في العالم الإسلامي.
وقد بينت الإجراءات الإيرانية الأخيرة والخطاب الثوري الدعائي لمرسى بأن مقررات تلك القمة لم تؤخذ على محمل الجد من قبل الدول الإسلامية المشاركة في تلك القمة. والمشكلة لا تكمن في عدم وجود سبل للحوار الوطني بين الطوائف بقدر ما تكمن فيه الحاجة الماسة لتنفيذ توصيات ومخرجات هذه الحوارات. ويلاحظ أحيانا الدور السلبي لوسائل الإعلام والحكومات التي تسهم في تأجج النزاعات الدينية والطائفية بين الشعوب. حيث تعتبر تعليقات بعض القادة والتغطية غير المتوازنة لوسائل الإعلام مسؤولة عن اتساع هوة الخلافات بين الجماعات الإسلامية، لكونها تثير بذور الشك والريبة بين جمهورها.
والمثير للدهشة هو أن وسائل الإعلام والنخب المتعلمة وكتاب الأعمدة في العالم العربي لم يعيروا اهتماما للقضايا كتلك التي أثارها رئيس الوزراء الهندي (ما تموهان سينغ) والتي تتعلق بالأمن الغذائي والتنمية وانعدام الحكم العالمي الرشيد. وكان من المفترض أن تكون قضايا كهذه موضع اهتمامنا الأساسي بدلا من إثارة قضايا الصراعات الطائفية التي عفا عليها الدهر. ويمكن أن نلاحظ الفرق بين ما توليه الهند من الاهتمام كقوة عالمية صاعدة، وما ركزنا عليه نحن كدول عربية خلال العقود السابقة.
وكان ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي قد طرح عبر حسابه في تويتر سؤالا على زملائه المغردين يطلب منهم اختيار إجابة واحدة من بين خمس خيارات، على سؤال (لماذا تدعم الولايات المتحدة الأمريكية الإخوان المسلمين؟). فالخيار الأول: تريد دعم انتشار الإسلام في المنطقة. والخيار الثاني: أنها تريد نشر الديمقراطية. والخيار الثالث: تريد إحداث صدمات بين مختلف القوى السنية. والخيار الرابع: رغبتها في زيادة التوترات بين السنة والشيعة. والخيار الخامس والأخير: بأنها تفعل هذا بغرض دعم إسرائيل وحماية مصالحها.
كما قد أشار رئيس وزراء فرنسا الأسبق (دومينيك دوفيلبان) في معرض حديثه في منتدى نظم بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس نادي الصحافة السويسري، حيث أكد أن ثورات الربيع العربي لا تحقق الأهداف الأصلية لأولئك الذين ثاروا على الأنظمة القمعية في بلدانهم. وأضاف أن ثورات الربيع العربي كان قد استبشر بها العالم خيرا في بادئ الأمر، ولكنها سرعان ما تحولت إلى صراعات طائفية بين السنة والشيعة على النحو الذي نراه حاليا في الأزمة السورية والعراقية، وهي أحداث لها انعكاساتها على الخليج العربي وإيران.
ونحن كعرب علينا مواجهة الواقع ورؤية الصورة كاملة، وأن ننحي جانباً عداوات وخلافات الماضي وأن نعمل على إيجاد حلول مستدامة للمشكلات التي لا ينحصر تأثيرها علينا بل تمتد إلى الأجيال القادمة. وإذا لم نعالج مشكلة الطائفية بجدية ونحقق الاتفاق، ستظل الشعوب في غيها وتحريضها على الطائفية والكراهية، عندها يكون الاحتمال الأكبر تجزئة الشرق الأوسط على أسس طائفية. خاصة أن بعض ثورات الربيع العربي قد أدخلت -فعلا- بعض بلدان في المنطقة في حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن. وأن الدول التي لم تخض تجربة الربيع العربي ربما تجد نفسها في خضم حروب طائفية مدمرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026