رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس مطلوباً منا نحن المسلمين المبالغة في مسألة فوز زهران ممداني، المواطن الأمريكي الذي يجري في عروقه دم آسيوي وإفريقي، بل المطلوب تأمل الحدث من المنظور الذي يهمنا نحن العرب المسلمين. ذلك أن الحدث بادئ ذي بدء، أمريكي داخلي لكن ذو أبعاد دولية تسبب الصهاينة في ذلك.
لكن لماذا فرح كثير من المسلمين، عربهم وعجمهم بفوز هذا المهاجر بعمادة مدينة نيويورك وكأنما فاز بمنصب رئاسة الولايات المتحدة؟ الأمر سهل يسير لا يحتاج لكثير تفسيرات وتفصيلات. لكن قبل ذلك، لا شيء في أن يفرح أحد في هذا العالم بفوز شخص مهاجر مكافح عصامي مثل ممداني، سواء الذي يفرح بالفوز كان مسلماً أم غير مسلم. ذلك أن الفطرة السليمة تقتضي من المرء أن يفرح لكل حق وعدل، في كل مكان وكل زمان. وما جرى في نيويورك نعتقد أنه نوع من العدل والحق الذي يفرح لهما كل صاحب فطرة سليمة.
لن أكون مبالغاً إن قلت بأن ما جرى في الولايات المتحدة هو إحدى نتاجات طوفان الأقصى المبارك دون أدنى شك. هذا الطوفان الذي حرَّك العالم بأسره، وأيقظه من سباته العميق. طوفان لا أشك لحظة أنه أيقظ الوعي أو المزاج العام الأمريكي حتى أدرك بعد سنوات طويلة من غيبوبة قسرية لعبت الصهيونية دوراً فيها، أن الوقوف بلا وعي خلف كل ظلم وظالم، تحت تأثير الدعايات الصهيونية، ما هو إلا سقوط أخلاقي، وعواقبه كارثية ولو بعد حين من الدهر، طال أم قصر. وبالمثل أدرك هذا الوعي أو الضمير الجمعي الأمريكي الشاب، أن نبذ الظلم والوقوف مع المظلومين، هو عدالة وشهامة، وعواقبه مبشرة سارة، ولو بعد حين من الدهر، طال أم قصر..
إذن هذا الوعي والإدراك، بالإضافة إلى قضايا أخرى داخلية خاصة بسكان مدينة نيويورك، تسببت كلها في فوز مرشح مسلم شاب متحمس للتغيير، بعمادة المدينة. هذا الشاب الذي لم يتردد أيضاً في الوقوف ضد العدوان والظلم الصهيوني على غزة وأهلها وبقية أهالي فلسطين منذ عقود سبعة ماضية. وهذا الوعي هو الذي أدى بشكل مؤثر إلى خسارة مرشح الصهاينة المدعوم من الرئيس الأمريكي نفسه، أو الأوليغارشية بشكل عام، على رغم أن نيويورك تعتبر ثاني أكبر تجمع لليهود في العالم !!
المزاج الأمريكي وهو يتغير
من يتابع النفسية الأمريكية أو المزاج الأمريكي بشكل عام، لاسيما الشاب منه، يدرك يقيناً بأن فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك هو حدث غير عادي، ليس بالولايات المتحدة فحسب، بل العالم كله، ليس لأنه مسلم أو ملون كما يصف الأمريكيون غيرهم من المهاجرين، بل لأنه عزَّزَ خسائر الصهيونية المتغلغلة في شرايين وأوردة هذه المدينة العريقة، مدينة الصهاينة إن صح التعبير، حيث المال والتجارة والسياسة كذلك. ذلك أن مدينة نيويورك هي أكبر مدينة في الولايات المتحدة، أو يمكن اعتبارها «إسرائيل» ثانية في الولايات المتحدة، على اعتبار نسبة الصهاينة القاطنين في هذه المدينة والتي تقدر بأكثر من مليوني يهودي.
فوز ممداني أفرح المسلمين وغيرهم ممن يعتبرون الصهيونية بلاءً على البشرية، حيث كانت له مواقف مشهودة ضمن سياق الوعي الشعبي المتصاعد بخطر الصهاينة في الولايات المتحدة، فوقف ضد العدوان الصهيوني على غزة، واعتبره إبادة جماعية، وبالتالي لابد من إعادة النظر في علاقات الولايات المتحدة بهذا الكيان، ما يُعد هذا في العقلية الأمريكية السياسية المسيطر عليها من قبل الصهاينة، أو اللوبي الصهيوني، تجاوزا واضحا لكل الخطوط الحمر، التي وضعها الصهاينة منذ عقود في هذا البلد، والذي يعتبره الصهاينة شريان حياة كيانهم الاحتلالي في فلسطين.
لم يتردد ممداني في جعل الوقوف في وجه العدوان الصهيوني على غزة، جزءاً من برنامج حملته الانتخابية في عـقر دار الصهاينة بالولايات المتحدة، حتى توقع كثيرون سقوطه بكل سهولة أمام مرشح صاحب خبرة مدعوم من الأيباك والأوليغارشية، أو أصحاب المال المتنفذين في عالم السياسة.
اللوبي الصهيوني أو الأيباك أنفق مئات الملايين من الدولارات على حملات تشويه وتشهير ضد ممداني، وتخويف الأمريكيين منه عبر استحضار مشاهد قديمة ضمن حملات الإسلاموفوبيا، واستثارة عواطف الناس ضد كل ما هو مُنتمٍ للإسلام أو المهاجرين، حتى دخل المسؤولون في حملات التشويه تلك، بل أيضاً في حملات تخويف الصهاينة من التصويت لهذا المسلم !!
كل ذلك ساعد في لفت أنظار العالم إلى ممداني، بل وكنوع من تجسيد كراهية نسبة كبيرة من الأمريكيين البيض في نيويورك، وغيرهم من المهاجرين لبرامج الحكومة، واستشعارهم خطر الصهيونية، بدأ الناس بالالتفات إلى هذا المرشح المسلم، الذي يعدهم بكل أمانة وصدق بمدينة أكثر نظافة، وأكثر تنمية، وأكثر أمناً، وأكثر قدرة على إدارة نفسها وتقديم خدماتها، وتوفير حياة ومستقبل أفضل، مقابل مرشح جمهوري عجوز وضع «إسرائيل» على رأس قائمة أولوياته قبل أمريكا، ما جعل الناس تتيقن أن لا خلاص لهم من هيمنة الصهاينة إلا عبر تغيير فاعل، وليكن ابتداء بمنصب عمدة المدينة، ثم لاحقاً بقية المدن بولاية نيويورك، وصولاً إلى منصب الحاكم، وربما رئاسة الدولة في المستقبل القريب..
جدار الخوف وهو يتحطم
هكذا إذن تسير الأمور في الولايات المتحدة من بعد أحداث السابع من أكتوبر، والذي أدى إلى تفاعل قطاع عريض من الشعب الأمريكي مع ما يحدث في غزة من إبادة وإجرام وعدوان لا مثيل له. وأدى بالكثيرين، لاسيما الشباب من الجنسين، إلى التحدث بصوت مسموع ضد القمع الصهيوني المسيطر على المال والسياسة والإعلام والفكر والثقافة، بل كل مناحي الحياة الأمريكية، إلى درجة القول بأن الوعي الشعبي المتصاعد، حَطَّم جدار الخوف من التعبير ضد الصهيونية ومن يقف وراءها أو يستفيد منها.
لا يهمنا كثيراً كشعوب مسلمة، ما سيقدمه زهران ممداني للنيويوركيين من خدمات وعدهم بها، بقدر ما يهمنا أنه أحدث شرخاً في جدار الصهيونية بالولايات المتحدة، والذي نأمل أن يتكرر في مدن ومواقع أخرى. ذلك أن هذا الفكر أثَّر وما زال يؤثر علينا نحن المسلمين ربما أكثر من غيرنا، حتى أمسينا نسعى إلى كل وسيلة ممكنة للتخلص منه، بل ونفرح لأي هزيمة أو انتكاسة له في أي مكان وأي زمان.
هذا الشرخ الذي أصاب جدار الصهاينة في نيويورك، أشبه بتلك التي تحدث للسدود الكبيرة القديمة، التي تتأثر تحت ضغط المياه خلفها، فتتوسع الشروخ تدريجياً لتؤدي إلى ثغرات هنا وهناك تتسع مع الزمن حتى ينفجر ويتحطم السد كله..
هذا الذي سيعمل اللوبي على تفاديه وإصلاحه بالسرعة الممكنة بعد هزيمة انتخابات نيويورك..
لكن أحسبُ أن الوعي الشعبي الشاب المتصاعد يتحرك بسرعة تزيد ولا تنقص، ما يجعل من مهمة اللوبي الصهيوني أكثر صعوبة ومشقة، وهو ما ينذر بكارثة حقيقية بإذن الله على هذا الفكر المتطرف، الذي صار يتلقى الضربة تلو الأخرى منذ بدء طوفان الأقصى، والذي بات يستشرف كثيرون مستقبله وأنه إلى التقهقر أقرب، بل ربما الفناء والزوال، كغيره من الأفكار والمذاهب البالية الفاسدة. والله يمهل الظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
القيم الثقافية والتغير الاجتماعي
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات المشتركة التي تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتوجيه سلوك أفراده،... اقرأ المزيد
93
| 16 فبراير 2026
العالم بعد ويستفاليا.. بين تفكيك القواعد وإعادة التأسيس !
منذ توقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648، وُضع الأساس النظري للنظام الدولي الحديث: سيادة الدولة، عدم التدخل في شؤونها... اقرأ المزيد
216
| 16 فبراير 2026
المتقاعدون.. وماجلة أم علي
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء... اقرأ المزيد
501
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
2550
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1905
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1662
| 10 فبراير 2026