رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كُفي الملامَ وعلّليني...
فالشكُّ أودى باليقينِ...
وتناهبتْ كبدي الشجونَ...
فمَنْ مُجيري؟ مِن شجوني...
وأمضّني الداءُ العياء...
فمَنْ مُغيثي؟ مَنْ معيني؟...
هكذا تكلم الشاعر الكويتي فهد العسكر وهو يروي معاناته وألمه ويشكو وحدته وعزلته بعد أن لفظه مجتمعه وأعرض عنه وفرض عليه عزلة اجتماعية ووحدة قاتله، ولقد وافت المنية الشاعر العسكر المولود في الكويت في عام 1917 وهو يناهز الرابعة والثلاثين من عمره، بعد أن كف بصره وأنهكته الأمراض، ولم تكن لتصلنا أشعاره وسيرته ورحلة معاناته بعد ان أحرقت قصاصات أوراقه، لولا أن صديقه الشاعر عبدالله زكريا الأنصاري استدرك الأمر وجمع شتات ما استطاع أن يجمعه من بقايا أشعاره وضمنها كتابا يتناول سيرة الشاعر العسكر أصدر في عام 1956.
إن المعاناة التي عاشها فهد العسكر كانت نتاجاً حتمياً لرفضه للمألوف وخروجه عن السياق الاجتماعي الذي كان يعتبر في حينها ثوابتَ لا تُمَسُّ، فضلاً عن تساؤلاته وحيرته التي اختلجت في نفسه وبثها في أشعاره وخطها في قراطيسه البالية، الأمر الذي جرعه قسوة الوحدة والرفض والإقصاء، ودفع ثمنها من شبابه، فلم يستوعب المجتمع في حينها ما يتفوه به الشاعر فهد العسكر ولم يكن مستعداً للتعامل مع تساؤلاته وشكوكه ودعواه للتغيير والاصلاح تعاملاً موضوعياً، وقد سطر العسكر ردود الأفعال التي تصدت له في ذلك الوقت وصاغها شعراً يبين المدى التي آلت إليه الأمور قائلاً:
رقصوا على نوحي وإعوالي وأطربهم أنيني
وتحاملوا ظلماً وعدواناً علي وأرهقوني..
فعرفتهم ونبذتهم لكنهم لم يعرفوني..
وهناك منهم معشر أف لهم كم ضايقوني..
هذا رماني بالشذوذ وذا رماني بالجنونِ..
وهناك منهم من رماني بالخلاعةِ والمجونِ..
وتطاولَ المتعصّبونَ وما كَفرتُ وكفّروني..
وفي تلك الأبيات يصرّح شاعرنا العسكر انه لم يكفر، ورغم ذلك تم تكفيره، ولنا أن نتصور ما يستتبع التكفير من نبذ وجحود وإقصاء في يومنا الحالي، فكيف به وهو الذي عاش في حقبة لم يكن فيها الاختلاف أمراً مقبولاً أو مطروحاً حتى، ليواجه وحده طوفاناً عاتياً لا يُبقي ولا يذر.
لم يكن لفهد العسكر أن يتجرع الألم ويواجه المعاناة التي واجهها لو أنه ولد في زمان غير زمانه، وعلى افتراض أنه عاش بيننا الآن لربما كان أديباً مخضرماً وشاعراً مقدّراً، وكان من الممكن التعامل مع فكره بطريقة مختلفة والتعاطي معها بشكل أفضل، ما يعطينا دليلاً على أن ثوابت المجتمع نسبية ومتغيرة مع تغير الزمان والمكان، وأن رقعة الثوابت قد تتسع وتضيق تبعاً لظروف عديدة في حين أن تلك الثوابت في حقيقتها قد تكون مقتصرة على جوانب محددة، سواءً فيما يتعلق بالدين أو غيره. ولكن.. هل يمكنننا اعتبار تجربة فهد العسكر كتجربة جاءت في سياق غير متسق مع الزمن؟ وبعبارة أخرى، هل يصح القول إن الشاعر فهد العسكر كان سابقاً لزمانه، أم أن السياق الذي مر به العسكر لازال يتكرر ولكن بصور مختلفة؟
تعاني مجتمعاتنا من عدم القدرة على التعامل مع السياقات الفكرية الخارجة عن المألوف، فضلاً عن صعوبة التعامل مع التساؤلات الكبرى والشكوك، واعتبارها خروجاً على الثوابت والقيم، دون النظر بتفحص للتاريخ واستقاء العبر منه، وإدراك النسبية التي تؤطر تلك الثوابت، وعلى الرغم من أننا نعيش حياة متقدمة ومتطورة، إلا أن المنظومة الفكرية التي تغلب على مجتمعاتنا لم تأخذ بالأسباب الموضوعية للتقدم، الأمر الذي يولد فجوة بين الواقع المادي والواقع الفكري للحضارة.
لقد أدى هذا الوضع إلى جمود فكري وخوف من فقدان المكتسبات التي تسيطر على تصوراتنا، واستخدام الموعظة في حين، والتقريع والتحذير في أحايين كثيرة لمواجهة الأسئلة والتي يطرحها الشباب في مسائل حساسة نتيجة احتكاكهم بالآخر، والاطلاع على أفكار لم يعهدوها في مجتمعهم، ومع عدم سعينا لتجاوز تلك الإشكالية سنلجأ إلى الانكماش والانكفاء نحو الداخل ولن نحاول تجاوز تلك العقبة ومواجهة الانفتاح الذي نعيشه ويفرض نفسه علينا فرضاً ولا مناص لنا منه، الأمر الذي يتطلب منا الاستعداد والمواجهة عوضا عن التقهقر والانغلاق.
من الإشكاليات التي تواجه التجربة الفكرية في مجتمعاتنا الإشكالية المتمثلة في القدرة الكبيرة على التدمير الذاتي، وأعني بها وجود ما يشبه الآلية التي تقوم بتدمير أي محاولة لتصحيح مسار النظام واعتبار تلك المحاولة بمثابة "برمجة خبيثة"، كما في نظم الحاسوب أو"الفيروس" بالنسبة للجهاز المناعي في جسم الإنسان، الأمر الذي يؤدي لاستجابة فورية لمقاومة ذلك "الدخيل" وإقصاء من ينتقد المألوف أو من يمتلك رؤى تخالف آراء المجتمع، وتحجيمه بكافة الوسائل وإخراجه من السياق المجتمعي، وهو ما يحرم المجتمع من نقد الذات وتصحيح المسار، كما تؤدي تلك المعضلة إلى شلل المجتمع وحرمانه من تحديث نفسه وتجاوز عقباته والانفتاح على الآراء إلى أقصى حد واستيعابها والتعامل معها، كما ينتج هذا الواقع أفراداً يخشون الاختلاف ويسعون للاتساق مع المجتمع مهما كانت أخطاؤه خوفاً من الإقصاء والنبذ.
وبجانب ذلك الخوف من الإقصاء والنبذ وخشية الإفصاح عن الآراء غير المتسقة مع المجتمع، وما يترتب على ذلك من جمود، تتبلور إشكالية أخرى أمام هذا الواقع ذات وجهين، أحدهما أقبح من الآخر، الأول أننا سنواجه حالات من التمرد والخروج عن السياق الاجتماعي ولكن بصورة ممجوجة غير ناضجة، وهو أمر مفهوم وغير مستغرب، فالضغط لا يولد سوى الانفجار، أما الوجه الآخر فيتمثل في سعي الآخر لتغييرنا وخلخلة ثوابتنا والتشكيك فيها والحط من مكانتها عبر أساليب كثيرة ومتنوعة. وأحد أهم تلك الأساليب هي دعم المتمردين من مجتمعنا وإعلاء شأنهم وتلميع صورتهم،"وهو ما نلاحظه بكثرة" وفرض التغيير علينا فرضاً، وبطبيعة الحال فإن التغيير عبر تلك الأساليب لن يعطينا نتائج تؤدي لنضوج التجربة والخروج من حالة الجمود ولن تقذف حجراً في المياه الراكدة، بل ستنتج تغييراً مشوهاً وواقعاً ممسوخاً دون أن نلحظ ذلك.
عندما نستقي الدروس من التاريخ ونعيد الاعتبار لمن أقصاهم المجتمع في حينها ونظن جازمين أنه لم ينصفهم ونسرع في الحكم عليهم، لا نلحظ أننا نعيد الكرة ونمارس ما مارسوه مع المختلفين والخارجين عن المألوف، ولا ندرك أن الوضع ما يزال مستمراً. لقد مرت تجربتنا الفكرية بمآس ٍ عديدة دون التوقف عندها ومراجعتها، و آلية التدمير الذاتي لازالت فعالة، وقد مورست على كل من تجرأ على التغيير وتحقيق النقد الذاتي وتقييم التجربة، والشواهد لدينا كثيرة بدءاً بالعلماء الذين نفخر بأن الغرب استقى منهم علومه وأسس لنهضته، في حين أنهم نُبذوا و أُخرجوا من سياق مجتمعهم في وقتهم، مروراً بمن حاول قدح شرارة التجديد كأمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم كثيرون انتهاءً بالشاعر فهد العسكر.
ينبغي أن ندرك أنه ليس من الضرورة بمكان أن نوافق ونتفق مع من يختلف معنا أو من ينتقد الثوابت النسبية، ولكن لابد لنا من تغيير طريقتنا في التعامل مع هذا الواقع وتغيير تصوراتنا عن الثوابت وإدراك أنها نسبية ومتغيرة، وأن نتعاطى مع الشكوك كأمر إيجابي يُحيي المجتمع ويخرجه من حالة الجمود ويجنبه تكرار الأخطاء، وليست كلعنه ينبغي التحذير منها وتجريمها، فلولا الشكوك لما تساءل الأنبياء والصالحون عن جدوى ما تمارسه أقوامهم من ضلال وشرك، ودون تحقيق النقد الذاتي وتفعيل الشك المنهجي لتحقيق المعرفة سنصبح كمن قال "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2124
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
927
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
702
| 04 فبراير 2026