رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، وتتسلل التكنولوجيا إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية، تصبح حماية الأطفال والنشء من مخاطر الفضاء الإلكتروني واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يقبل التأجيل. ومن هذا المنطلق، فإن مصادقة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على قرار مجلس الوزراء رقم (38) لسنة 2025 بإنشاء لجنة السلامة الرقمية للأطفال والنشء، تمثل خطوة تاريخية جاءت في التوقيت الصحيح، وتعكس وعيًا عميقًا بحجم التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في العصر الرقمي.
هذه المصادقة ليست مجرد إجراء إداري أو تشريعي، بل رسالة واضحة بأن دولة قطر تضع أمن الطفل وسلامته في صدارة أولوياتها، حتى في الفضاءات غير المرئية التي لا تقل خطورة عن الواقع المادي. فالعالم الرقمي المفتوح، بما يحمله من فرص هائلة للتعلم والتواصل، يحمل في طياته أيضًا تهديدات خفية قد تفتك بعقول الأطفال وسلوكياتهم إذا تُركوا دون توجيه أو حماية.
تمثل لجنة السلامة الرقمية نقلة نوعية في مسار حماية النشء، لأنها تعترف بحقيقة أن الطفل اليوم يعيش في عالمين متوازيين: عالم واقعي، وآخر افتراضي. وهذا العالم الافتراضي لم يعد هامشيًا أو ثانويًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوين شخصية الطفل، وتشكيل وعيه وقيمه وأنماط سلوكه. ومن هنا، فإن التعامل مع هذا الواقع الجديد يتطلب آليات مختلفة، أكثر ذكاءً ومرونة، تتجاوز منطق المنع والحظر إلى منطق الفهم والاحتواء والتوجيه.
لم تعد المشكلة محصورة في محتوى غير لائق أو مشاهد عنف أو ألفاظ خارجة، بل بات الخطر الحقيقي يكمن في التأثيرات التراكمية للتكنولوجيا على البناء النفسي والاجتماعي للأطفال. ضعف التركيز، العزلة الاجتماعية، تراجع الحوار الأسري، والانبهار بنماذج سلوكية دخيلة تُقدَّم على أنها طبيعية أو جذابة، كلها نتائج تتسلل بهدوء عبر الألعاب الإلكترونية وتطبيقات الفيديو القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي.
الأخطر من ذلك، أن الأطفال يتعاملون عبر الإنترنت مع أشخاص لا يعرفون حقيقتهم، ولا يدركون نواياهم. فقد يكون من يشارك الطفل لعبة إلكترونية شخصًا منحرفًا أو مريضًا نفسيًا، يستغل براءة الطفل وفضوله، ويدفعه تدريجيًا إلى سلوكيات لا أخلاقية أو منافية لقيم المجتمع والدين. هذه المخاطر لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترك آثارًا عميقة قد لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.
من هنا، أعتقد أن نجاح لجنة السلامة الرقمية مرهون بعملها ضمن إستراتيجية وطنية متكاملة، لا تركز فقط على الرقابة التقنية، بل تولي اهتمامًا كبيرًا بالتوعية والتثقيف. فالحماية الحقيقية لا تتحقق عبر الأسوار الإلكترونية وحدها، بل عبر بناء وعي رقمي لدى الطفل، وتمكينه من التمييز بين الآمن والخطر، وبين الحقيقة والتضليل.
وأرى أيضا أن دور المؤسسات التعليمية لا يمكن فصله عن هذا المسار. فإدراج مفاهيم التربية الرقمية في المناهج الدراسية أصبح ضرورة ملحة، لا ترفًا فكريًا. الطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يفكر نقديًا، وكيف يتعامل مع سيل المعلومات الذي ينهال عليه يوميًا، وكيف يحمي خصوصيته، ويحترم ذاته والآخرين في الفضاء الرقمي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تدريب المعلمين وأولياء الأمور على حد سواء. فكثير من الآباء والأمهات يجهلون طبيعة التطبيقات والمنصات التي يستخدمها أبناؤهم، ما يجعل الرقابة شكلية أو غائبة. إن تمكين الأسرة بالمعرفة الرقمية هو خط الدفاع الأول لحماية الطفل، وهو ما يجب أن تضعه اللجنة ضمن أولوياتها.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الإعلامية والمجتمعية، التي يقع على عاتقها نشر ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتقديم نماذج إيجابية للمحتوى الرقمي، تتوافق مع القيم القطرية الأصيلة، وتحاكي احتياجات الطفل النفسية والمعرفية، حتى لا يضطر للبحث عن بدائل مشوهة في عوالم افتراضية قد تحمل سلوكيات ضارة.
إن دولة قطر، كما أراها، كانت سبّاقة دائمًا في الاهتمام بالطفل والأسرة، انطلاقًا من مبادئ الشريعة الإسلامية والقيم الأخلاقية والوطنية الراسخة. وقد تجلى ذلك في الدستور القطري، وفي قوانين الأسرة والعقوبات، التي أفردت مواد واضحة لحماية الطفل من أي ضرر، بما في ذلك الأضرار الناتجة عن الاستخدام السلبي للتقنية، مع تشديد العقوبات على من ينتهك حقوقه.
كما أن رؤية قطر الوطنية 2030 وضعت الطفل في قلب مشروع التنمية، من خلال التركيز على التعليم، وتنمية القدرات، والرعاية الصحية الشاملة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية المعنية بحماية الطفل، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة.
من هذا المنطلق، أرى أن إنشاء لجنة السلامة الرقمية ليس خطوة معزولة، بل حلقة في سلسلة متكاملة من السياسات التي تهدف إلى بناء إنسان قطري واعٍ، متوازن، وقادر على التفاعل مع العصر دون أن يفقد هويته أو قيمه. إنها دعوة صريحة لتكاتف الجهود بين الأسرة، والمدرسة، والدولة، والمجتمع، من أجل تحصين جيل كامل من مخاطر الاستهلاك الرقمي العشوائي.
وفي الختام، أؤمن بأن حماية الطفل في العصر الرقمي ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية. ومصادقة سمو أمير البلاد المفدى على إنشاء لجنة السلامة الرقمية جاءت في لحظة فارقة، تؤكد أن قطر لا تنتظر وقوع الخطر لتتحرك، بل تستبق التحديات برؤية استشرافية مسؤولة. إنها خطوة تبعث على الطمأنينة، وتفتح الأمل في مستقبل رقمي أكثر أمانًا، يُنشَّأ فيه أبناؤنا على الوعي، والقيم، والمعرفة، لا على الفوضى والتيه في فضاءات بلا ضوابط.
دعم إنساني للشعب السوداني لتخطي الأزمة الراهنة
مع الاستعداد لدخول شهر رمضان المبارك يجيء اطلاق صندوق قطر للتنمية، بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري، قافلة مساعدات... اقرأ المزيد
129
| 10 فبراير 2026
«لعبة الحبّار».. لسنا خيولاً ولسنا أرقاماً
«لعبة الحبّار» ليست موتًا بقدر ما هي حياةٌ بحقيقة واحدة: لا مكان يتسع للجميع. لعبٌ يصير محكمةً، وحاجة... اقرأ المزيد
114
| 10 فبراير 2026
المعضلة الأمنية الأوروبية
فور كل أزمة أمنية عاصفة تهدد الأمن الأوروبي بدءاً من حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى... اقرأ المزيد
162
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
6354
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
990
| 04 فبراير 2026