رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هاشم عبدالله مستريحي

مساحة إعلانية

مقالات

147

هاشم عبدالله مستريحي

«لعبة الحبّار».. لسنا خيولاً ولسنا أرقاماً

10 فبراير 2026 , 03:25ص

«لعبة الحبّار» ليست موتًا بقدر ما هي حياةٌ بحقيقة واحدة: لا مكان يتسع للجميع. لعبٌ يصير محكمةً، وحاجة تصبح قيدًا، وسؤالٌ: من ينجو في النهاية: الجسد أم الضمير؟

لم أتوقع أن تشدّني يوماً دراما كورية، حتى ولم تمُر بي خاطراً، لكنه فضول زرعه جيل «زد»، دفعني لاكتشاف ما يشاهده وما يستبطنه من قيم. دراما «لعبة الحبّار» مرآة قاسية لواقعٍ يُعاش خارج الشاشة. ظاهرها أناس مُنهكون يطلبون فرصة تخلصهم من أعباء الحياة، لكنها سرعان ما تنكشف بيانًا عن زمنٍ صار فيه الفقر امتحانًا أخلاقيًا، والحاجة بوابةً للإذلال، والمنافسةُ ذريعةً لسحق الآخرين، رمزًا للرأسمالية الحديثة وتنافسها المتطرف.

تفتتح «لعبة الحبّار» فخَّها ببراءةٍ ملوّنة: ألوانٌ بهيجة وممراتٌ كمتاهة حلوى تعيدك لعمر الطفولة، بينما تُغلِّف منظومتها العنفَ، بلطفٍ زائف، وتُقدّم القسوة في عُلبٍ جميلة، حتى يغدو القتل منطقيًا لأنه محكومٌ بقواعد واضحة، لا تبرر النهايات الظالمة للاعبين. لأن العدالة هنا قشرةٌ لامعة: زيٌّ موحّد وأرقامٌ متتالية تصنع وهم المساواة، فيما الواقع تفاوتٌ فادح في المعرفة والقدرة والظروف وأدوات النجاة. عدالة تلد التمرّد: «لسنا خيولًا، لسنا أرقامًا، ولسنا ملكًا لكم»، صرخةٌ ضد تحويل البشر إلى رهان، إلى أصولٍ تُستهلك وتُستبدل، حين الحاجة قلب المأساة: حصارُ الدَيْن والتزاماتٌ ثقيلة، و»حرية» ليست سوى لافتةٍ على باب قفص. ديمقراطية زائفة تعيد اللاعب للموت لأن الخارج لا يمنحه حياةً تُعاش، فيبدو الرجوع اختيارًا وهو إكراه.

بعد ذلك تتحول العدسة من كشف اللعبة إلى فهم الآلة التي تُنتجها: الرعب صناعة قبل أن يكون دمًا. أقنعة تخفي الوجوه لتُذيب المسؤولية؛ فتُسمّى الجريمة «مهمة» ويُدار الشر ببيروقراطيةٍ باردة. وفي اللب يقف النفوذ كفكرةٍ لا كخصم: الإنسان يصير ترسًا حين يقنع نفسه أنه يحمي نظامًا لا بدّ منه، بينما القواعد لا تُكتب لتكون عادلة، بل لتبدو كذلك، لأنها تخدم من كتبها.

كيف تُنقذ إنسانيتك من نظامٍ يجعل النجاة مرهونةً بقتلها؟ لا يعود المهم من يفوز، بل من يبقى إنسانًا بعد أن تُعرّيه اللعبة؛ ومن هنا يتبدّل اللاعب، فلم يعد يطارد المال، بل يسترجع ضميره في عالمٍ يسرق الثبات.

أما الأخطر في معادلة اللعبة فهي طبقةُ النفوذ، مرآة المشاهد: فهي لا تلعب، بل تتفرّج وتشتري الألم كعرضٍ مسبق الدفع. مشهد يفضحنا: فنحن أيضًا نتفرج، نغضب ثم نواصل. هكذا تنكشف الحقيقة: ليست المنظومة قتلة فحسب، بل اقتصادُ فرجةٍ يُطبّع القسوة، وجمهورٌ يعتاد الألم حتى يخفت ضميره، مفارقةُ نقد الفرجة عبر الفرجة نفسها.

ومع ذلك لا تُغلق «لعبة الحبّار» باب الأمل: تفضح آلة سحق الإنسان، لكنها تُذكّر أن البشر ليسوا قالبًا واحدًا، لا ملائكة ولا شياطين. تحت الضغط تتكشف الطبقات؛ رحمةٌ ممكنة، وندمٌ متأخر، وخياراتٌ تفضح أصحابها. والخلاصة إنسان لا يُختصر في خير أو شر، بل في قراراتٍ يتبدّل وجهها كلما تغيّر الثمن.

ليست الحكاية لعبةً سرّية على جزيرة نائية، بل لعبةٌ تتسلل إلى المجتمع حين يُختزل الناس إلى أرقام، وتُقدَّم المنافسة كفضيلة، ويُلام الضعيف: لو كُنتَ أذكى لنجوت، وكأن الذكاء وحده يصنع عدلًا. 

لعبة رسالتها أن تنتبه للحظة تبرّر فيها سحق إنسانٍ باسم المنافسة والاستحقاق والقواعد. وبعد آخر مشهد، يظل سؤالٌ واحد: لو دخلتَ اللعبة نفسَها وتعرضْتَ للضغط ذاته، هل ستبقى أنتَ أنت، أم ستصير قناعًا آخر في آلةٍ القتل؟ هنا انتصار لعبة الحبّار: مواجهةٌ صادقة مع مرآةٍ لا تجامل.

وفي عالم اليوم، ليست اللعبة حبيسة الشاشة؛ سلطةُ المال والمكانة والنفوذ تكتب القواعد للآخرين ثم تقف فوقها بلا تبعات. تُدار الحياة بمنطق المصلحة، وتُقاس الأرواح بما تُدرّه من أرباح، ويُختزل الجوع والخوف إلى «قدرٍ شخصي» بدل أن يُرى شرخًا في بناء المجتمع. والأشد إيلامًا أن الضحايا يعتادون القسوة: بطشٌ مألوف، وظلمٌ يومي، يقابله صمتٌ هو مهارة للبقاء. نُدين اللعبة على الشاشة، ثم نُصالحها في الواقع ما دامت لا تطالنا، وهنا ينتصر النفوذ: لا حين يفرض قانونه، بل حين يجعلنا نقبله ونسمّيه ببرود، قواعد الحياة.

اقرأ المزيد

alsharq حروب ما بعد الحرب!

الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد

315

| 13 فبراير 2026

alsharq لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر

جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد

186

| 13 فبراير 2026

alsharq ما أصعب الفراق

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد

138

| 13 فبراير 2026

مساحة إعلانية