رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مواسم الهجرة كثرت، هجرة كانت من الجنوب إلى الشمال فانقلبت تدريجيا من الشمال إلى الجنوب وهجرة كانت من الشرق إلى الغرب فصارت من الغرب إلى الشرق، وكلها هجرات لم تغن عن المهاجرين شيئا. لكن هجرة واحدة باقية هي التي فيها النجاة. إنها الهجرة إلى اليقظة، إلى اليقين، إلى الأعلى، وإنه موسم الهجرة إلى الله.
عندما شرعت أكتب هذا المقال خطر لي أن أعنونه بـ "موسم الهجرة إلى الجنوب"، لكن بعد بحث وجيز اكتشفت أن كثيرين سبقوني إليه وربما أولهم، مارتن فوبينكا، الأديب التشيكي برواية بذاك العنوان، عام 1963، أي قبل ثلاث سنوات من صدور رواية الأديب العربي السوداني الراحل الطيب صالح، "موسم الهجرة إلى الشمال"، والتي ربما استلهم الطيب عنوانها من رواية فوبينكا، التي تتنبأ بانهيار حضارة الغرب عام 2096، على يد ثلة من البشر ترفض فساد تلك الحضارة وتنتصر عليها. وإذا كان فوبينكا رأى أن "الآخر" سينتصر على حضارة الغرب لأسباب أخلاقية وبيئية، فإن الطيب عرض علينا نوعا من الانتصار على الغرب بطريقته الخاصة.
كانت "موسم الهجرة إلى الشمال" من أكثر القصص التي أثارت النقاش والجدل أيام كان جيلي في مقتبل العمر، أواسط السبعينيات وما بعدها. تلك الرواية كانت بشكل أو بآخر تؤجج في شباب ذلك الوقت الرغبة في الهجرة إلى الغرب وربما المرور بكل تجارب بطلها (مصطفى سعيد) وخاصة غزو المستعمر والانتصار عليه من خلال دحر نسائه في "معارك السرير" والدُخون والأضواء الخافتة.
كنت أنا من ضمن الحالمين بالهجرة، ليس بالضرورة لكل الأهداف التي طمح إليها الآخرون، ولكن بعد نحو ربع قرن هنا في الشمال أشدد على أنه قد حان الوقت للهجرة العكسية إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق. فقد انهزم المستعمر وانكشفت سوءاته. ولا أبالغ بالقول إن أكبر مجهر كشف تلك السوءات كان مجهر كأس العالم الأخير الذي استضافته قطر نهاية 2022، إذ كان أول احتكاك كبير مباشر بين حشود غربية ومجتمع مسلم ربما يكون الأقرب إلى النموذج الصحيح.
لقد انهزم المستعمر أمام النموذج القطري، النموذج الأقرب إلى دولة مسلمة في القرن الـ 21، حيث "يعيش الناس في وئام وسلام ورغد، ملابسهم نظيفة وبيوتهم نظيفة وشوارعهم نظيفة وأخلاقهم نظيفة، حتى أن لديهم شطافات في الحمامات، تخيلوا"، هكذا قال أحد زوار المونديال وقتها. وهو لا يعلم مثل كثيرين أن المسلمين هم أول من أدخل نظام الحمامات إلى البيوت وأوصلوا إليها المياه والشطافات، باعتراف اليونيسكو. فقد كانت قطر بكل سكانها الذين يقل عددهم عن 3 ملايين في مواجهة أكثر من 3 مليارات مشاهد ومهتم بكأس العالم. والنتيجة أن قطر بمساحتها الصغيرة وعدد ساكنيها القليل انتصرت على تلك المليارات وحققت انتصارا على الغرب وأوصلت رسالة انقطع وصولها منذ قرون.
ولأن نموذج الدولة المسلمة المشرف لم يكن قد نضج كفاية في وقته فقد حلق الطيب صالح بخياله لخلق نموذج أو حالة ينتصر فيها الشرق على الغرب أو الجنوب على الشمال، وذلك في تجسيده لشخصية مصطفى سعيد الذي يقهر نساء الإنجليز في السرير. ولم يكن ذلك من فراغ. فقد تردد كثيرا في بعض الأدبيات وحتى الأعمال الدرامية الأمريكية أن نساء البيض كان لهن دور كبير في تحرر العبيد، نتيجة بطولات حققها السود مشابهة لـ "بطولات" مصطفى سعيد. وذهب أحدهم إلى القول: جزى الله خيرا نساء البيض فلولاهن لما تحرر العبيد في أمريكا وأوروبا، فعندما كان السادة البيض ينتهكون أجساد الإماء السود قهرا واستعبادا كانت نساء البيض تؤسس لسيادة الرجل الأسود على الأبيض في السرير أيضا، وينخرطن في المطالبة بإلغاء العبودية وإعلان أهلية الرجل الأسود للحياة حتى أكثر من الأبيض. ولا أدل على ذلك من استطلاع حديث لمعهد جالوب أظهر أن 94% من الأمريكيين يرحبون بالزواج المختلط، وأغلبه بين النساء البيض والرجال السود، بعدما كانت النسبة 4% عام 1961.
ومرة أخرى أقول إن المستعمر انهزم في أرضه وأمام شعبه وحتى أمام من هاجروا إلى الشمال، واتضح للجميع زيف حضارته وفساد قيمه. ولم يعد ذلك المستعمر ينتصر إلا في أرضنا نحن نتيجة عملية استعباد سياسي لأنظمة حُكم زرعها بين أظهرنا منذ عقود طويلة. لقد انهزم المستعمر منذ زمن ولم يبق إلا أن يسلط الله عليه دابة تأكل منسأته التي يتكئ عليها. لقد انهزم ولا ينقص تأكيد هزيمته إلا الإعلان والإشهار. لقد انهزم المستعمر خيالا في رواية الطيب صالح، وانهزم أكاديميا في فكر كثيرين من أمثال المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي كان أهم مفكر عربي يواجه زيف الاستشراق الغربي ويفند أفكار الاستعلاء العنصري الأبيض بل كان من مؤسسي "دراسات ما بعد الاستعمار". وانهزم الغرب حقيقة أمام صمود المقاومة الفلسطينية في غزة، التي أظهرت على أرض الواقع إمكانية هزيمته بأبسط عدة وأقل عتاد.
لكن رغم هذا الانتصار الظاهر تأتينا، من غزة، صور حزن ودمار تجعلنا نشعر بأننا نحتاج إلى هجرة أخرى وأخيرة. هجرة إلى الله هذا هو موسمها، لأنه في زمن الخذلان والتفريط في كل القيم يتيقن الإنسان أنه لا ملجأ ولا مهجر له إلا إلى الله، وأن لا هجرة إلى الشمال أو الغرب عادت تنفع من ضر أو تغني من فقر أو حتى تحمي من خطر. لقد انقضت كل المواسم، واستنفدنا كل الوجهات، مثلما فعل الخليل إبراهيم عليه السلام. ولم يعد لنا إلا أن نوجه وجوهنا إلى الله. ففروا إلى الله، وهاجروا إليه.
خرافة التنوير الأوروبي.. سرقوا الهوية ثم الحضارة!
من الشائع والمعروف أن ما يسمى "الغرب" يحتفي بالعام 1492، على أنه بداية "العالم الحديث"، وبزوغ إرهاصات ما... اقرأ المزيد
489
| 25 يونيو 2026
خرافة التنوير الأوروبي!
أخطر فكرة في حكاية ما يسمى مسيرة الفكر الغربي كانت وما تزال هي فكرة "الانبعاث الذاتي" للتنوير. لماذا؟... اقرأ المزيد
348
| 17 يونيو 2026
النور علم!
يشَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي وأخبرني بِأنَّ العلمَ نـــــــــورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعـــاصي... اقرأ المزيد
576
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9879
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026