رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

279

عصام بيومي

من الغزالي إلى مكيافيلي إلى تولستوي.. سرقات أم اقتباسات!؟

09 أكتوبر 2026 , 12:00ص

أعترف أنني لا أملك دليلاً قاطعاً على أن ليو تولستوي، أو مكيافيلي، قد قرأ الغزالي، أو تحديدا كتابه «التبر المسبوك في نصيحة الملوك»، الذي ألفه قبيل وفاته عام 1111م. كما لا أملك وثيقة تثبت أن قصة بعينها انتقلت من كتاب عربي إلى حوزة مكيافيلي المتوفى عام 1527، أو إلى مكتب الأديب الروسي تولستوي، المتوفى عام 1910. لكنني أملك ما هو كافٍ لطرح سؤال مشروع هنا: هل نحن أمام مصادفة أدبية نادرة، أم أمام حكايات ونصائح نقلتها العفاريت بين حضارتين عبر القرون؟ الحقَ أقول لكم.. أنا لا أؤمن بالمصادفات ولا بالعفاريت!

بين أيدينا هنا قصة يوردها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «التبر المسبوك». القصة بسيطة للغاية. غلام يكسر رجل شاة عمداً. يسأله سيده علي بن الحسين زين العابدين عن سبب فعله، فيجيب بصراحة صادمة: فعلت ذلك لأغيظك. ينتظر الغلام الغضب والعقاب، لكن سيده يفاجئه برد مختلف: ليس الغضب منك، بل ممن علّمك هذا، أي الشيطان. ثم لا يكتفي بالعفو، بل يعتقه لوجه الله. ويقول قولة مشهورة هي: ما أنا أغيظ من الذي علَّمك، وهو إبليس.

هذه القصة بحذافيرها نجدها في إحدى قصص تولستوي الأخلاقية المكتوبة سنة 1885 بعنوان «الشر يُغري، لكن الخير يصمد». في قصة تولستوي يغتاظ الشيطان من صلاح أحد السادة وحُسن معاملته لخدمه، فيوسوس إلى أحدهم، ويسميه أليب، بأن يثير غضب سيده. يختار الخادم أغلى وأفضل كبش في مزرعة سيده، فيكسر رجله عمداً أمام عينيه. هنا يقدم تولستوي مشهدا مكررا بدقة: السيد يكاد ينفجر غضباً أو حزنا، لكنه يصمت برهة، ثم يرفع بصره إلى السماء، فإذا بالغضب يزول من وجهه، ويقول للخادم إن سيده - أي الشيطان - أراد أن يوقعه في الغضب، لكن الله أقوى من الشيطان. ثم يفاجئ الجميع بالعفو عنه ويعتقه.

هنا المسألة ليست مجرد تشابه في قيمة أخلاقية عامة كالحِلم أو التسامح. بل نصبح أمام اقتباس شبه كامل لسلسلة متكاملة من العناصر المتشابهة لقصة واحدة تقريبا.. وكأنها كتبت فقط بأسلوبين مختلفين.

قد يقول قائل إن الأدب الإنساني مليء بالقصص المتشابهة. وهذا صحيح. لكن التشابه هنا ليس في الفكرة العامة فقط، بل في البنية السردية نفسها، حتى ليكاد القارئ يشعر أنه يقرأ روايتين مختلفتين لحكاية واحدة. كما أسلفت.

بالطبع لا يمكن الجزم بأن تولستوي اقتبس قصته من حكاية الغزالي. بل إن الأمانة العلمية تقتضي عدم الجزم. فما نملكه هو تشابه لافت، لا وثيقة اعتراف بالاقتباس. لكن السؤال والشك يبقى قائماً،، لأن تولستوي لم يكن معزولاً عن التراث الشرقي. فقد عُرف عنه اهتمامه بالأديان الشرقية والحكم الأخلاقية والنصوص غير الأوروبية. كما أن القرن التاسع عشر شهد حركة واسعة لترجمة الآداب الشرقية إلى اللغات الأوروبية.

فوق ذلك كان تولستوي يحتفظ بعدة ترجمات لمعاني القرآن الكريم. وألف كتابا عن «حكم رسول الإسلام»، بل إن بعض المصادر رجحت اعتناقه الإسلام قبل وفاته مستشهدين بمراسلات ومكاتبات له تفيد بإيمانه بالإله الواحد واحترامه للدين الإسلامي.

والواقع أن هذه ليست الحالة الوحيدة التي نجد فيها التشابه وتثير مثل هذا التساؤل. فالنقاش القديم حول العلاقة بين «رسالة الغفران» للمعري و«الكوميديا الإلهية» لدانتي لم ينته حتى اليوم. ومثل ذلك قصة «حي بن يقظان» لابن طفيل (القرن 12) التي تحولت إلى «روبنسون كروزو» بداية القرن ال18. وحتى شخصية روبن هود الإنجليزية (من القرن 12) كأنها نقلت من قصة الشاعر العربي الجاهلي عروة بن الورد.

ولماذا نذهب بعيدا، فكتاب «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» ذاته يمكن أن ينظر إليه على أنه على أقل تقدير الملهم لمكيافيلي في وضع كتابه «الأمير»، إذ إن كليهما يحوي نصائح للملوك في سياسة الدولة والرعية، وإن كان كتاب مكيافيلي يعتبر نسخة متقدمة بحكم اختلاف الزمن والمنهج والوازع الأخلاقي أيضاً. فقد جاء مكيافيلي بعد الغزالي بنحو 500 عام.

لطالما كتبت عن أن ما يسمى بمفكري الغرب سرقوا أو نقلوا درر وجواهر العلوم والحضارة والتراث الإسلامي عن سبق عمد وترصد. ومع ذلك فإنني لا أقدم هذا الطرح باعتباره دليلاً جازما ونهائياً على اقتباس أو استحواذ، بل باعتباره سؤالاً مفتوحاً. سؤال يدعونا إلى إعادة فحص المسارات الخفية التي انتقلت عبرها الحكايات والأفكار بين الشرق والغرب، والأهم لماذا طُمس الإسهام الإسلامي بالكامل؟.

اقرأ المزيد

خرافة التنوير الأوروبي! خرافة التنوير الأوروبي!

أخطر فكرة في حكاية ما يسمى مسيرة الفكر الغربي كانت وما تزال هي فكرة "الانبعاث الذاتي" للتنوير. لماذا؟... اقرأ المزيد

348

| 17 يونيو 2026

النور علم! النور علم!

يشَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي وأخبرني بِأنَّ العلمَ نـــــــــورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعـــاصي... اقرأ المزيد

528

| 27 مايو 2026

الخليج بين نارين الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية... اقرأ المزيد

852

| 10 مارس 2026

مساحة إعلانية