رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وصلنا سابقا إلى أن الحداثة، وما بعدها وما قبلها، ليست مجرد فلسفات أو أفكار بريئة، بل هي مشروعات مقصودة لتشويه الفطرة وتفكيك الثوابت وسجن الأفكار. وأحسب أن أولى خطوات الخروج من هذا السجن الفكري لا تكون بتقديم "ردود" جزئية على تلك الأفكار، بل بإعلان الاستقلال المعرفي الكامل عن أدواتها ومناهجها في التفكير، وفك الارتباط أو إعلان القطيعة الكاملة مع ما يسمى الفكر الغربي والمرجعيات الغربية، كما أشرت في مقال "لن أعيش في جلباب الغرب". فلطالما انتصرت فكرة الحداثة الزائفة في المعركة الثقافية ليس لأنها أقوى حجة، بل لأنها فرضت على العالم معاييرها في الحكم على كل شيء، بقوة السلاح والاحتلال وسطوة، الإعلام العميل، وجعلت المسلمين بعامتهم ومفكريهم، يقيسون إسلامهم وحياتهم بمقاييسها الوضعية.
التبعية الفكرية التي نتحدث عنها لم تعد تقتصر على تقليد الغرب في الملبس أو المأكل، بل ضربتنا في طريقة التفكير ذاتها؛ فأصبحنا نقبل دون وعي أن "العلمانية" شرط لأي نهضة، وأن "النسبية" مبدأ للتقدم، وأن "العقل" المرجع الوحيد للاقتناع بالنصوص. وهذا بعينه هو أثر الحداثة المخرب. فقد جعلتنا ننظر إلى أنفسنا من خلال عيونهم، وبمقاييسهم، وكأن الإسلام مجرد "تراث" يحتاج إلى إعادة قراءة وفق قواعدهم، بدلاً من أن يكون هو الأصل الذي تُحاكم وتُقيم به فلسفاتهم.
لذا، فإن فك الارتباط يبدأ أولا بالتحرر، وتحرير المنهج. وبداية ذلك بالتوقف عن السؤال: "ماذا يقول الفكر الغربي عن الإسلام؟"، والسؤال بدلاً من ذلك: "ماذا يقول الإسلام عن الفكر الغربي وعن نفسه؟". هذه النقلة النوعية تحولنا من أمة متلقية إلى أمة مؤصلة. من أمة تابعة إلى أمة قائدة.
أكبر سحر مارسه مروجو الحداثة على عقولنا هو زرع ثنائيات وهمية تجعلنا نتصور أن الإسلام لا يستطيع الإحاطة بكل جوانب الحياة. ومن ذلك:
ثنائية "الديني والدنيوي": وهي تقسيم مبتور لا أصل له في الإسلام، الذي جعل طلب العلم فريضة، وجعل السياسة والاقتصاد جزءاً من الدين، وجعل العبادة لا تنفصل عن المعاملة. وفصّل تعاملنا في كل مناحي الحياة. فـ"تحرير المنهج" يعني رفض ذلك الفصل، والانطلاق من مفهوم "الإسلام منهج حياة متكامل".
وهناك ثنائية "العقل والنقل" حيث جعلتنا الحداثة نتصور أنهما في صراع، بينما في الأصول الإسلامية، العقل السليم لا يناقض النقل الصحيح، بل هو الآلة التي تستنبط أحكامه، والروح التي تفهم مقاصده.
وثنائية "القديم والجديد": أو ما يعرف بالصراع بين الأصالة والمعاصرة، وكأن الأصل هو القِدم وليس الثبات. المنهج المستقل لا يرى قديماً في ذاته ولا جديداً في ذاته، بل هو مرجع يبين الحق والباطل، فما وافق الشرع فهو حق مهما قدم، وما خالفه باطل مهما جدّ. وتحرير العقل من هذه الثنائيات يعيد قدرتنا على النظر إلى الواقع ككتلة واحدة، نتعامل معها بالوحي ميزاناً، لا بالزمن حَكَماً.
هنا نصل إلى النقطة الأهم، وتماشيا مع مفردات العصر، ألا وهي بناء نظرية معرفة إسلامية عربية من منطلق ومنبع التوحيد والإيمان بالوحي.
فبعد أن فضحنا وفندنا خرافة التنوير وهشاشة سطوة المناهج الغربية، لابد من طرح وتأسيس بديل لها. وهنا نلوذ بعظمة المنهج الإسلامي الذي أسسه العلماء الأوائل في أصول الفقه والمنطق الإسلامي، والذي يُختصر في مبدأ واحد بسيط هو: "المعرفة الحقيقية تستمد يقينها من الوحي، ويُستعان بالعقل لفهم الواقع".
وليس عسيرا على أي عربي مسلم أن يتفق على أن أساس هذه النظرية المعرفية ينبني على قواعد أربع متكاملة:
1. القرآن الكريم: المصدر اليقيني الأول الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
2. السنة النبوية: البيان العملي والنظري للنص القرآني، وهي وحيٌ آخر يُفسر الأول.
3. الكون (الأفق والأنفس)، أو القرآن المتجسد في آيات الله المنظورة، التي دعانا خالقنا إلى التفكر فيها، ولكن دلالتها لا تنفصل عن دلالة الكتاب، بل هي شاهدة عليه، وتفسِره.
4. وأخيرا، العقل السليم: وهو الأداة التي تتعامل مع هذه القواعد، لتكوين العقيدة السليمة دون أن تكون هي المرجع الأعلى عليها. فالعقل في المنظور الإسلامي كالعين، يستضيء بنور الوحي ليرى، ولا يستطيع أن يرى في الظلام وحده.
وهذا الفهم المتكامل هو ما يمنح المنهج الإسلامي قوته، التي لا يمكن أن تضاهيها قوة أي منهج وضعي آخر، فهو يحمي العقل من الانزلاق إلى الوهم (كما حدث في الحداثة وأخواتها)، ويحمي النقل من الجمود والتحجر، كما في بعض الديانات الوثنية.
وللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2274
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1920
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1173
| 16 أكتوبر 2026