رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – ظهرت لتعيش وتستمر، ولا تموت إلا حين لن تكون لمن على الأرض يومها قيمة واعتبار لأن تبقى الحياة مستمرة لهم، وعليهم ستقوم القيامة حينها. لكن الحقيقة المهمة الواجب تذكرها دوماً، أن هذه الأمة لن تموت، مهما أصابتها من مصائب وكوارث ونوازل، وشواهد التاريخ أكثر مما يمكن حصرها ها هنا في هذه المساحة المحدودة.
الأمة كانت تحت قيادة واحدة منذ قيام دولة الإسلام بالمدينة المنورة وقائدها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام حتى سقوط دولة بني أمية العظيمة عام 132 للهجرة. إذ بعد ذلك وعلى رغم قيام دولة بني العباس، أكبر الإمبراطوريات التي كانت في تلك الفترة، ظهرت بجانبها دول وممالك إسلامية لها شخصيتها الاعتبارية، وكانت تدير شؤونها بنفسها، وإن كانت اسمياً توالي الخليفة العباسي، حفاظاً على الرابطة التي تربط الأمة ببعضها البعض، رغم خلافات ونزاعات بين تلك الممالك بعضها البعض، وأحياناً مع الخليفة نفسه، لكن الرابط كان باقياً، وكان ذلك ربما كلمة السر في بقاء هذه الأمة وصمودها أمام النوازل المتنوعة على مدار تاريخها القديم. الحروب الصليبية المتتالية، ثم وباء المغول، وصولاً إلى الاستعمار الغربي.. كل تلك الأوبئة أصابت الأمة وشتت كلمتها ومزقت شملها وفرقت بين أبنائها، لكنها لم تقض عليها بشكل تام ولم تندثر بفضل الله. نعم، أصابت الأمة الكثير الكثير من تلك الأوبئة البشرية، لكنها صمدت بالنهاية حتى يوم الناس هذا، والتي لم يكتف أعداؤها من الاستمرار في الكيد لها، على رغم كل ضعفها وهوانها بين الأمم الحاضرة.
تفكيك الأمة
لن نرجع إلى التاريخ القديم لنضرب أمثلة، لكن يكفينا الرجوع فقط إلى قرن من الزمان ليس أكثر، لنجد كيف مزق الاستعمار الغربي الذي هو امتداد للحروب الصليبية التي لم تقف ولم تنته كما قال اللنبي يوم أن دخل القدس ووقف على قبر صلاح الدين قائلاً» اليوم انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين !
لكن الواقع أنها لم تنته، فالاستعمار أو الاستدمار الغربي قطّع أوصال هذه الأمة، وضرب أمة العرب تحديداً، باعتبارها القاطرة التي تقود الأمة، فالإسلام قوي بقوة العرب، ويضعف بضعفهم. ولعل هذا هو سبب إصرار الاستعمار الغربي على تقطيع أمة العرب إلى ممالك ودويلات متناحرة مختلفة، لتسهل عليه السيطرة بعد ذلك، وهو ما يحدث الآن تماماً.
لم يكتف الاستدمار الغربي بذلك، بل قطع ما بين أمة العرب وأمم المسلمين من علاقات وأواصر. مسلمو الترك في جهة، والفرس في جهة أخرى، ومثلهما مسلمو السند والهند والصين وبقية مسلمي العالم. لا شيء يجمع بين مسلمي العالم اليوم سوى بعض شرائع دينية، لكن مع ذلك، تفرقهم واختلافهم أسهل ما يمكن حدوثه، فإن الجغرافيا والقومية لعبت دوراً في تأخير مكانة وقيمة الدين في سلم أولويات كل شعب مسلم أينما كان ! المسلم في موقع جغرافي ما قد يرى مشاكل ومآسي ومصائب مسلمي دولة ما في بقعة بعيدة ويستشعر بها، لكن تفاعله معها غالباً في حدود معينة، إذ تقف القومية، والحدود المصطنعة، والاعتبارات السياسية وغيرها، حواجز لا يمكن عبورها بالسهولة المتصورة.
دروس الأفغان والبوسنة
ما جرى لمسلمي بلاد الأفغان من كوارث ومجازر وفواجع لعشر سنوات منذ عام 80 على يد أكبر امبراطورية ملحدة في التاريخ يومذاك، الاتحاد السوفيتي، حتى انسحابها مهزومة مدحورة أواخر 89، ومن ثم تعرضها لاحتلال أمريكي غربي غاشم مجرم مرة أخرى في 2001 والكوارث التي حلت بمسلمي أفغانستان على يد الأمريكان حتى خروجهم مدحورين مهزومين في قائظ 2021، أمر يدعو للتأمل.
إن شعباً مسلماً فقيراً قاوم وصمد أمام أعتى قوتين ظهرتا في التاريخ، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وقدم مئات الألوف من الشهداء، إنما دليل على حقيقة ما نقول، هي أن هذه الأمة لن تموت، مهما بلغت قوة ووحشية معسكرات الكفر والضلال ضدها. خرجت أفغانستان من تلك المحن، أقوى وأصلب وأثبت على عقيدتها ودينها مما كانت قبل ذلك، وها هي اليوم تخطو خطواتها الجادة في التنمية والبناء، لتؤكد إلى جانب الحقيقة الأولى التي ذكرناها آنفاً، أن ما يؤخذ بالقوة لا يمكن أن يُسترد إلا بالقوة. فالعدو المتسلح بالحديد والنار، لا ولن يفهم لغة الدبلوماسية والسياسة واللين، وإن زعم وادّعى ذلك في دعاياته، فالوقائع تثبت العكس من ذلك. وهذا ما فهمه الأفغان منذ البداية، فكان لهم ما أرادوا بفضل من الله وتوفيق وسداد. وهو درس يحتاج لكثير تأمل وتدبّر.
ما جرى أيضاً من كوارث ومآسٍ ضد مسلمي البوسنة والهرسك بداية التسعينات على أيد الصرب الأرثوذكس، لتقشعر منه الأبدان، على رغم حداثة معرفتهم بالإسلام بعد عقود من حكم شيوعي ملحد. فما إن حدثت تطورات في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 92 وخروج دول أوروبا الشرقية عن الفلك السوفيتي، كان للمسلمين ذلك التطلع والحق أيضاً، لكن الغرب الصليبي لم يقبل ظهور دولة مسلمة في عمق أوروبا، ووقع ما وقع من مذابح ومآس لا زالت في أذهان من هم في سن الخمسين اليوم.
لكن مع ذلك كله، شاء الله أن تقوم دولة البوسنة والهرسك بفضل الله ثم صمود أهلها ومقاومتهم بكل ما أوتوا من قوة، ثم يشاء الله بعد ذلك أن يختلف الضالون بين بعضهم البعض، لتقوم الولايات المتحدة بدور حاسم في وقف الإجرام الصربي المدعوم روسيا حينذاك، لتقوم للمسلمين قائمة في عمق أوروبا المسيحية، ولم تنطفئ تلك الجذوة المؤمنة رغم سنوات القمع الشيوعي، ولم يستطع الضالون تصفية مسلمي هذه البلاد. هذا درس ثان يحتاج لكثير تأمل وتدبر أيضاً.
فلسطين لن تضيع
من بلاد الأفغان والبوسنة والهرسك، ننتقل إلى المنطقة الملتهبة حالياً، والتي لا زالت محاولات المغضوب عليهم منذ عام 48 في فلسطين ضد مسلمي هذه الديار مستمرة لتصفية ومحو الإسلام والمسلمين، ولا زالت قوى الغرب وبعض الشرق مستمرة في دعم الإجرام الصهيوني وبكل وحشية.
إن استرداد الحقوق لا يمكن تحقيقه بالمفاوضات العبثية، والمؤتمرات الدولية الفارغة، والوعود الكاذبة، وإن بضمانات دولية، وما طوفان الأقصى المبارك، إلا نتيجة هضم جيد للمقاومة الفلسطينية في غزة لتلك التجارب السابقة في بلاد الأفغان والبوسنة مع الأعداء، ومن قبلهم دروس متنوعة من تاريخ هذه الأمة. المعسكر الكافر لا يفهم إلا لغة القوة. وما دعوة القرآن لأهله بإعداد القوة قدر المستطاع، إلا لأجل ترهيب دائم مستمر لمعسكر الكفر، كيلا يتجرأ ويحقق مراده.
ما ضاعت فلسطين قطعة قطعة إلا حين تم افساح المجال للعبث المتمثل في مفاوضات ولقاءات علنية وسرية، ومعاهدات سلام كاذبة خادعة، وخيانات لا أول لها ولا آخر، استفاد منها من استفاد، حتى ضاعت جل فلسطين وما بقيت غير غزة، شوكة حادة في حلق المغضوب عليهم ومن معهم من الغرب والشرق.
هذه الشوكة، أراد المعسكر الكافر مع معسكرات الوثن والصليب ومنافقي العرب، كسرها ومحوها من الوجود، لأنها سبب بقاء فلسطين عربية مسلمة، ولولا فضل الله ثم فئة مؤمنة لا تهتم بمن خالفها وخانها، لما كان هناك أرض تسمى فلسطين اليوم. وهذا ما يفسر كثرة التضحيات المادية والبشرية التي تقدمها غزة، وهذا ما يدعو في الوقت نفسه إلى عدم التهويل من أرقام الشهداء وبقية التضحيات.
إن مثل هذه المعارك المفصلية التاريخية، لابد وأن تكون الأثمان باهظة، لتكون النتائج باهرة بعد حين من الدهر، طال أم قصر بإذن الله. فهكذا هي قوانين أو سنن التدافع. ولقد أثبتت الأيام كذب وخداع كل العمليات والمفاوضات الوهمية لأجل سلام زائف غير عادل وغير دائم، بين معسكر كافر محتل لا يرضى بغير فلسطين خالية من المسلمين، وآخر مؤمن يرى أنه مؤتمن على مقدسات للمسلمين كافة، حتى وإن لم يتدافع ويتحرك المسلمون جميعاً أو متفرقين للحفاظ عليها وحمايتها، وبالتالي يرى المعسكر المؤمن أن واجبه المقدس هو الدفاع عنها بالروح والدم، فليس هناك ما هو أغلى منهما، وبهما تستقيم الأمور والحياة. وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، كما جاء عن الصديق رضي الله عنه.
دعم إنساني للشعب السوداني لتخطي الأزمة الراهنة
مع الاستعداد لدخول شهر رمضان المبارك يجيء اطلاق صندوق قطر للتنمية، بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري، قافلة مساعدات... اقرأ المزيد
84
| 10 فبراير 2026
«لعبة الحبّار».. لسنا خيولاً ولسنا أرقاماً
«لعبة الحبّار» ليست موتًا بقدر ما هي حياةٌ بحقيقة واحدة: لا مكان يتسع للجميع. لعبٌ يصير محكمةً، وحاجة... اقرأ المزيد
78
| 10 فبراير 2026
المعضلة الأمنية الأوروبية
فور كل أزمة أمنية عاصفة تهدد الأمن الأوروبي بدءاً من حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى... اقرأ المزيد
111
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
5490
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2154
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
987
| 04 فبراير 2026