رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم قناعتي بأنّ شبح الحرب الباردة لا يمكن أن يعود بمثل ما كان عليه الحال قبل عشرين عاماً؛ إلا أنّ روسيا تبدو الآن غير مستعدة للتهاون أو التنازل عن مجالها الحيوي.. بينما يسعى الغرب إلى اختراقه عبر إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي -سابقا- وهي أوكرانيا.
وما نراه الآن من توترات بين الغرب وروسيا؛ من المستبعد أن يصل إلى حد المواجهة العسكرية المكشوفة، رغم أنّ التصعيد المتبادل يوحي بذلك.
لقد تغيّر العالم كثيراً بعد الخامس والعشرين من ديسمبر من العام واحد وتسعين وتسعمائة وألف؛ وهو تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى جمهوريات متعددة، وليس من الصدفة أنّه وخلال ذات العام، دكّت الترسانة المسلحة للولايات المتحدة أرض العراق بأقوى القنابل في التاريخ، وأكثر الصواريخ فعالية تدميرية في العالم.. أطلقتها للمرة الأولى؛ ليكون العراق مسرح تجربتها الدامي بعد أن أوقعت آلاف الضحايا، وألحقت دمارًا واسعًا وغير مسبوق في التاريخ، ويرجع السبب في ذلك إلى أنّ أمريكا حوّلت بوصلة ترسانتها التسليحيّة المتقدّمة والتي كانت مصوبة تجاه روسيا وأوروبا الشرقية (فيما يُعرف بحرب النجوم) إلى العراق؛ التي لا تضاهى مساحتها ولا إمكاناتها بولاية كاليفورنيا!
نستطيع القول: إنّ العراق - صاحب أقدم حضارة في التاريخ البشري- هو أول من دفع ثمن انفراد القطب الواحد بالهيمنة على العالم؛ ليكون مسرحًا لحرب شهدت استخدام أحدث الترسانات الناجمة عن سباق تسلح محموم، وحرب باردة؛ استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والناعمة بين أعتى قوتين عسكريتين في العالم.
فصل مرعب في التاريخ استمر لأكثر من عقدين، أطلق عليه الياباني المتأمرك فوكوياما "نهاية التاريخ"، ولم يكن يدرك حينها أنّ درس التاريخ الأول هو أنّ حتى أكبر الإمبراطوريات تشيخ وتتلاشى قوتها؛ لتبدأ قوى أخرى في الصعود.. هكذا هي دورة التاريخ، وقد أشار إليها ابن خلدون في مقدمته الخالدة قبل قرون خلت؛ في قلعته بصحراء الجزائر.
وعندما أجزم بصعوبة عودة الحرب الباردة بصورتها القديمة؛ إنّما استند على أنّ المعطيات اختلفت، وكذلك اللاعبون، وقواعد اللعبة.. مما يضعف احتمالية أن تخيّم أجواء الحرب الباردة على سماء العالم مجددًا؛ على الرغم مما يبدو على السطح من توتر بين الشرق الروسي والغرب الأمريكي..
الاقتصاد الأمريكي اليوم مثقل بالديون، ومن المفارقات أن جزءًا غير يسير من هذه الديون - أكثر من 136 مليار دولار- من روسيا مقابل سندات مالية.
إضافة إلى تريليونات الدولارات المدينة بها أمريكا للكثير من دول العالم، وتقف عاجزة اليوم عن دفع فوائدها.
حاول الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤخراً، التقليل من قدرات روسيا وهو يصف النظام العالمي الجديد، مستبعدًا فرضية نشوء حرب باردة جديدة، حيث يرى أن روسيا - خلافًا للاتحاد السوفيتي - لا تقود مجموعة من الدول، كما أنّها ليس لها أيديولوجية عالمية كما كانت في السابق..
وهنا نلاحظ أن كلام أوباما يحمل الكثير من الصحة لأنّ روسيا اليوم تعتمد على الخطاب القومي النهضوي، إلا أن هذا لا ينفي الطموح الروسي في أن تستعيد روسيا أمجادها السابقة.. وهذا لسان حال الرئيس الروسي بوتن يعبر عن ذلك بالقول: "نسعى سعيًا حثيثًا لنصبح قادة في العالم".
ومن المؤكد أنّ روسيا استعادت الكثير من عافيتها، وعناصر قوتها كدولة عظمى، بل أصبحت تقابل الغرب بالكثير من الندية ودخلت معه في تحالفات اقتصادية وتوافقات بعد أن تبنت اقتصاد السوق والمبادئ الرأسمالية، وتخلت عن الايدولوجيا الشيوعية.
وفي الوقت الذي يقوم فيه بوتن باستعادة مكانة بلاده واستعراض قوتها كدولة عظمى، ينحسر الدور الأمريكي على الساحة الدولية.. فهاهو أوباما يخسر في سوريا، ويسجل فشلا ذريعًا في التدخل هناك على الرغم مما أثاره من زوبعة الصيف الماضي. وعلى النقيض من ذلك أثبتت روسيا أنّها غير مستعدة للتخلي عن حلفائها مهما كان الثمن.
وفيما تعلن الولايات المتحدة قرب موعد انسحابها من أفغانستان بعد أن انسحبت من العراق، وظهر عجزها جليًا في عدم القدرة على ضغط إسرائيل للتوصل لحل في الشرق الأوسط.. تزداد أمورها تعقيدًا، مما ينذر بأفول نجم القطب الأمريكي بعد عقدين من الهيمنة، كان العرب فيها – للأسف - من أكبر الخاسرين.. بعد غزو العراق دون شرعية دولية، وتدمير جيشه الوطني ليدخل في دوامة الحرب الأهلية والفقر والجوع بعد أن وعده بوش الابن بالديمقراطية والورود والسلام والحلم الأمريكي الذي تحول إلى كابوس يقض مضاجع بلاد الرافدين بالسيارات المفخخة والحروب بالوكالة..
ومن ثمّ جاء الدور على سوريا التي لا تزال ترزح تحت وطأة الدمار والخراب والموت، بأسلحة شتى.
واليوم تتجه أعين الشر إلى جيش مصر، الجيش الوحيد المتماسك الباقي في المنطقة والذي تعد له سيناريوهات لتدميره من خلال إشغاله بحروب داخلية تستنزفه سنوات، لتكون الكفة العسكرية راجحة لصالح إسرائيل..
وبالتوازي مع ذلك، يتم دعم القوى غير العربية في المنطقة لتكون لها الغلبة، وهي إيران وتركيا وإسرائيل ضمن مخطط استراتيجي مرسوم ببراعة، ويجري تنفيذه بدقة، لتغييب العرب عن السيطرة على منطقتهم وتسليم مقدراتها إلى الآخر.
والمتأمل في تجربة القطب الأحادي الأمريكي خلال ربع القرن المنصرم، يجد أن العرب على الرغم مما قدموه من دعم كبير للأمريكان، إلا أنهم لم يحصدوا سوى الخراب، وكل هذه السياسات نجحت في إيصال العالم العربي إلى حالة من التشرذم والتخلف والبؤس إلا من رحم ربي.
وتستميت أمريكا في تثبيت غرس إسرائيل في قلب العالم العربي، رغم أنه حل غير واقعي من الأساس، وكما قال المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي "هؤلاء اليهود ستبتلعهم الصحراء العربية"، ويدرك الإسرائيليون في أعماقهم تلك الحقيقة، إلا أنهم يحاولون الالتفاف عليهم استقواء بالحليف الأمريكي.
والشاهد أن بناء الصف العربي، كفيل بإحداث توازنات تجعل من العرب قوة إقليمية ضاربة تمتلك زمام الأمور في منطقتها، وتجاوز حالة الفراغ السياسي الذي استغلته قوى إقليمية أخرى للتغول على أمننا العربي.
وقد يقول قائل: ما مصلحتنا كعرب في اشتعال التوترات بين الغرب وروسيا، نقول: إننا أفضل وضعًا في ظل وجود توازن بين القوتين العظميين، لأننا جربنا الاستفراد الأمريكي بالعالم، وقاسينا ويلاته ونحن أكثر منطقة في العالم دفعت ثمن القطب الواحد.. واليوم علينا أن نستفيد من هذه التناقضات بين القوتين واستثمارها لصالح قضايانا.. وقبل ذلك لابد لنا من صياغة مشروعنا الخاص وإعطائه الأولوية والتحرك من خلاله..عندها سيحترمنا العالم.
إلى شهر رمضان
أطللت مكتسيا بأنوارك متدثرا بأردية السندس والإستبرق، ومن حولك حور العين والولدان المخلدون صفوف وزرافات. وها أنا أمسك... اقرأ المزيد
36
| 28 فبراير 2026
وقت ترك الملهيات
لقد كثرت الملهيات في عصرنا الحالي على خلاف ما عهدناه في ماضينا، بل تحوّلت إلى نمطٍ يومي يسرق... اقرأ المزيد
54
| 28 فبراير 2026
وقت ترك الملهيات
لقد كثرت الملهيات في عصرنا الحالي على خلاف ما عهدناه في ماضينا، بل تحوّلت إلى نمطٍ يومي يسرق... اقرأ المزيد
24
| 28 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
10056
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2154
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1890
| 25 فبراير 2026