رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

627

جاسم الشمري

سياسة طحن الماء!

28 فبراير 2026 , 05:03ص

يُتَرْجِم مصطلح «إسرائيل الكبرى» الرغبة التوسعية الصهيونية في العالم العربي حيث إن المخطط يتضمن الاستحواذ على كامل الأراضي الفلسطينية وأجزاء من الأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها. 

والمصطلح استُخدم بوضوح بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 واحتلال «إسرائيل» لسيناء والجولان وغزة والضفة الغربية، ولاحقًا كرّره بعض زعماء «إسرائيل» ومنهم رئيس الوزراء اسحق رابين (1922–1995)، وبنيامين نتنياهو الذي قال يوم 12 آب/ أغسطس 2025: أشعر بأنني في «مهمة تاريخية وروحية، وأنا متمسك جدًا برؤية إسرائيل الكبرى».

والعجيب أن الحديث عن «إسرائيل الكبرى» جاء هذه المرة من مايك هاكابي السفير الأمريكي لدى «إسرائيل» وذلك حينما سُئِل في مقابلة مع المذيع الأمريكي تاكر كارلسون يوم 20 شباط/ فبراير 2026 عن فكرة «إسرائيل الكبرى»، فردّ بأنه «سيكون من المقبول أن تستولي إسرائيل على كل هذه الأراضي»!

وكلام هاكابي لم يكن زلة لسان، رغم توضيحه لاحقًا بأن «هذا التصريح مبالغ فيه»، بل لحظة اعتراف قديمة وجديدة تتعلق بحقيقة الأطماع الصهيونية بالوطن العربي، ولذلك صرح بأن «لإسرائيل الحق التوراتي بأراضٍ تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات»!

تصريحات هاكابي الغريبة جاءت في وقت يتحدث فيه العالم عن حَلّ الدولتين بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن الظهور بمظهر «المتوازن» في الصراع العربي - الصهيوني، ويبدو أن السفير الأمريكي، الذي عُيِّن في نيسان/ أبريل 2025، اعتاد على تصريحاته البعيدة عن الأعراف الدبلوماسية!

وقد أحْسَنَ المذيع «كارلسون» في طرح أسئلة مُحْرِجة على هاكابي وذلك بسؤاله عن أصول عائلة نتنياهو، التي تَنحدر من أوروبا الشرقية، وبأنهم لا يملكون شجرة للعائلة تؤكد ارتباطهم بأرض فلسطين، وهذه دلائل قاطعة على عدم وجود جذور تاريخية للصهاينة على أرض فلسطين!

وبعيدًا عن تداعيات تصريحات هاكابي التي لاقت موجة غضب رسمي وشعبي في عشرات الدول والمنظمات العربية والإسلامية نجد عند التدقيق التاريخي بأن الحديث عن «إسرائيل الكبرى» وَهْم كبير!

وحينما بحثت في التوراة لم أجد فيها مصطلح «إسرائيل الكبرى»، ولكن ذُكِر فيها وعد إلهي بأرضٍ لبني إسرائيل، حيث ورد في سفر التكوين (15:18): «من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات».

وهنا نقطة الخلل والالتباس في استخدام المصطلح، أو الوعد «التوراتي»، فالنصوص الدينية، ومنها التوراة، حينما تذكر «بني إسرائيل» فإن المقصود بالمصطلح سُلالة النبي يعقوب (إسرائيل)، عليه السلام، وليس «دولة إسرائيل» الحالية!

وهكذا، ومع إعلان «دولة إسرائيل» في العام 1948، صرنا نسمع بتحريف للمصطلح، وبدعوات لقيام «إسرائيل الكبرى» رغم عدم وجود هذا المصطلح في التوراة، ولا في أي كتاب سماوي آخر!

وبهذا فإن قادة الاحتلال استندوا على نَصّ «توراتي» لا يَمُتّ لكيانهم بصلة، وتعكّزوا عليه لترتيب «حقوق تاريخية» وهمية بأرض فلسطين بداية ثُمّ ببقية الدول ضمن خريطة «إسرائيل الكبرى»، وهذه تأويلات لا يُعتدّ بها!

إن حديث زعماء «إسرائيل» عن حُلم «إسرائيل الكبرى» ما هي إلا أوهام يَصعب تحقيقها، لأن ملحمة غزة الأخيرة، طوفان الأقصى، لوحدها كانت كافية لإجهاض هذا المشروع، أو الحُلم، حيث أكدت المعارك عجز «إسرائيل» عن هزيمة بضع مئات من المقاومين، فكيف سيكون الحال مع بقية الدول العربية التي تمتلك طاقات بشرية وعسكرية ودبلوماسية جيدة لا يمكن معها الحديث بهذه البساطة عن تحقيق حُلم «إسرائيل الكبرى»؟

ومعارك غزة الأخيرة أثبتت كذلك بأن الجيش «الإسرائيلي» عاجز عن حماية المستوطنات الصهيونية من غالبية الضربات الصلبة للمقاومة الفلسطينية! فكيف سيُمْكنه حماية «إسرائيل الكبرى» المزعومة؟

أظن أن خيبة «إسرائيل» في غزة وفشل الحكومات الصهيونية - رغم الإمكانيات العسكرية العملاقة - في محو المقاومة الفلسطينية وهزيمتها دفعتهم، هُم وأنصارهم الغربيين، للهرولة نحو سياسة الأوهام وطحن الماء لتغطية فشلهم!

التاريخ يَصعب تزويره، وأصحاب الأرض الفلسطينية متمسكون بها، ولا يمكن طردهم بوعود خرافية لا تمسّ الحقيقة والواقع بشيء!

مساحة إعلانية