رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

117

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الميزان المختل.. من يحمي المستهلك؟

28 فبراير 2026 , 05:03ص

قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. لم تكن هذه الآية الكريمة تحذيرًا من نقص الكيل والميزان فحسب، بل تأسيس لقيمة أخلاقية خالدة تقوم عليها عدالة الأسواق واستقامة المعاملات. فالميزان في المفهوم القرآني ليس أداة وزن مادية فقط، بل رمز للإنصاف والشفافية وحفظ الحقوق بين الناس.

في واقعنا المعاصر، يلاحظ المستهلك تفاوتًا كبيرًا في أسعار السلع والخدمات، سواء كانت غذائية أو غير غذائية، بين منشأة وأخرى. أحيانًا يصل الفارق إلى نسب مرتفعة لا يبررها اختلاف الجودة أو مستوى الخدمة أو التكلفة الفعلية. هذا المشهد يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل نحن أمام سوق تنافسية صحية، أم أمام خلل يستدعي الوقوف والمراجعة؟

لا خلاف على أن الربح حق مشروع، وأن حرية السوق ركيزة أساسية في الاقتصاد الحديث، إذ تقوم على العرض والطلب وتشجع الاستثمار والمبادرات الخاصة. غير أن الحرية الاقتصادية لا تعني غياب الضوابط، ولا تبرر المغالاة غير المنطقية. فالتوازن هو جوهر أي سوق مستقرة؛ توازن يحفظ حق المستثمر في تحقيق عائد عادل، ويحفظ في الوقت ذاته حق المستهلك في سعر واضح ومفهوم.

عندما تتسع الفجوة بين السعر والتكلفة بصورة غير مبررة، يشعر المستهلك بأن الميزان قد اختل. الفاتورة المفاجئة، والرسوم غير المعلنة، والتباين الحاد في الأسعار، كلها عوامل تؤثر في الثقة العامة. والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي سوق؛ فإذا اهتزت، تراجع الإقبال وتنامى الشعور بالاستياء.

هنا يبرز الدور المحوري للجهة المختصة، وفي مقدمتها وزارة التجارة والصناعة ممثلة في إدارة حماية المستهلك، التي تتولى قانونًا متابعة الشكاوى، وضبط المخالفات، ومراقبة الإعلانات والأسعار، والتأكد من التزام المنشآت بالشفافية والوضوح. كما أن البلديات والجهات التنظيمية المعنية تتحمل مسؤولية الإشراف على الأنشطة التجارية ومنح التراخيص وفق ضوابط تضمن حماية الصالح العام.

غير أن وجود النصوص القانونية لا يكفي إذا لم يُصاحبه تفعيل عملي ورقابة مستمرة. فالسوق المتوازن يحتاج إلى متابعة ميدانية فعالة، وإجراءات سريعة لمعالجة الشكاوى، ونشر توعوي يوضح حقوق المستهلك وواجبات التاجر. كما أن الإعلان الواضح عن الأسعار، ومنع الرسوم الخفية، ووضع أطر تحد من الممارسات الاحتكارية، تمثل خطوات ضرورية لإعادة الثقة وتعزيز الانضباط.

القطاع الخاص بدوره شريك أساسي في تحقيق هذا التوازن. فالمؤسسة التي تسعى إلى بناء سمعة مستدامة تدرك أن الربح الطويل الأمد لا يتحقق بالمبالغة المؤقتة، بل بالالتزام بالشفافية وجودة الخدمة والإنصاف في التسعير. الأسواق الناجحة عالميًا لم تزدهر بسبب ارتفاع أسعارها، بل بسبب وضوحها وعدالتها وثقة عملائها بها.

أما المستهلك، فله دور مؤثر في هذه المعادلة. فالمقارنة بين الأسعار، وطلب الفاتورة المفصلة، والإبلاغ عن أي مخالفة، تمثل أدوات فاعلة لضبط السوق. كما أن الوعي الاستهلاكي يسهم في خلق بيئة تنافسية صحية تدفع المنشآت إلى تحسين خدماتها بدلاً من الاعتماد على رفع الأسعار دون مبرر.

ليس الهدف الدعوة إلى تسعير حكومي صارم لكل سلعة وخدمة، فذلك قد يقيد مرونة السوق ويؤثر في جاذبية الاستثمار. لكن المطلوب هو وجود معايير واضحة تحمي المستهلك من المغالاة غير المبررة، وتضمن الشفافية في إعلان الأسعار، وتمنع أي استغلال لحاجة أو غياب بدائل.

إن استقامة الميزان في الأسواق ليست قضية اقتصادية فحسب، بل مسألة ثقة وعدالة اجتماعية. فحين يشعر المستهلك بأن السعر عادل ومعلن بوضوح، تتعزز الطمأنينة ويزدهر النشاط التجاري. أما حين يغيب المعيار، ويتسع الفارق بلا تفسير، فإن الشعور بالإنصاف يتراجع، ويحل محله القلق والتساؤل.

من هنا، فإن استحضار الآية الكريمة في هذا السياق ليس تصعيدًا، بل تذكير بقيمة أصيلة في ثقافتنا. فالتطفيف ليس فقط في الوزن، بل في كل إخلال بالإنصاف. والسوق العادل هو الذي يحقق المنفعة المتبادلة ويحفظ كرامة المستهلك ويصون سمعة التاجر ويعزز استقرار المجتمع.

الميزان المختل لا يخدم أحدًا، أما الميزان العادل فيحمي الجميع. ويبقى السؤال مطروحًا بروح المسؤولية: من يحمي المستهلك؟ والإجابة تبدأ بتكامل الأدوار بين الجهة الرقابية والقطاع الخاص والمستهلك الواعي، حتى تبقى الأسواق مساحة عدل وشفافية، لا ساحة مغالاة واختلال.

مساحة إعلانية