رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين يصبح الصوت أعلى من الفعل

في الحياة الإنسانية مشاهد كثيرة تمر بنا دون أن تترك أثرًا يُذكر، كأنها لم تكن. وفي المقابل، هناك مواقف عابرة في ظاهرها، لكنها تظل مستقرة في الذاكرة، نستعيدها كلما مررنا بموقف مشابه أو التقينا بشخصية تذكرنا بها. وليس بالضرورة أن تكون هذه المواقف عظيمة في حجمها، بل قد تكون بسيطة جدًا، إلا أن ما تحمله من دلالات ومعانٍ يجعلها أكبر من لحظتها العابرة. ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذهني، موقف حدث في أحد الاجتماعات الرسمية قبل سنوات طويلة، حين كنت أشارك في اجتماع يضم عددًا من المسؤولين ورؤساء الوفود. كان الاجتماع برئاسة مسؤول رفيع المستوى، يتولى إدارة الحوار وتوزيع فرص الحديث بين المشاركين. وكما يحدث في كثير من الاجتماعات، برز أحد الحضور بشكل لافت؛ كان متحدثًا لبقًا، سريع البديهة، حاضر الذهن، يمتلك قدرة واضحة على صياغة الأفكار وإدارة النقاش. وكلما طرح موضوع، وجد رئيس الاجتماع نفسه يعود إليه ويمنحه الكلمة مرة أخرى، لما يراه فيه من قدرة على إثراء الحوار. في البداية بدا الأمر طبيعيًا، فالمجالس تميل غالبًا إلى من يجيد التعبير ويملك أدوات الإقناع. لكن مع تكرار المشهد، بدأت علامات الضيق تظهر على بعض الحاضرين، خصوصًا أولئك الذين كانت لديهم آراء مخالفة أو مداخلات يرغبون في طرحها. وفجأة، لم يتمالك أحد رؤساء الوفود نفسه، فقال بنبرة جمعت بين المزاح والاعتراض: "لماذا تعطى الكلمة دائمًا لأسامة؟ ليت اسمي أسامة حتى أحظى بفرصة مماثلة!" ضحك الحضور، ومضى الاجتماع، لكن تلك العبارة بقيت عالقة في ذهني أكثر من كثير من تفاصيل الاجتماع نفسه. كانت جملة عفوية، لكنها تختصر جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ففي كثير من الأحيان، لا يحصل الناس على الفرص بالتساوي، ليس بالضرورة بسبب الظلم المتعمد، بل لأن بعض الشخصيات تفرض حضورها بقوة الحديث، وجاذبية الأسلوب، والقدرة على لفت الانتباه. إن الإنسان بطبيعته يميل إلى من يملأ الفراغ، ويقدم الأفكار بثقة، ويتحدث بوضوح، حتى وإن لم يكن دائمًا الأكثر عمقًا أو خبرة. وعلى النقيض، قد يوجد في المكان نفسه أشخاص يملكون علمًا أوسع، أو رؤية أكثر نضجًا، أو نية أكثر إخلاصًا، لكنهم لا يجيدون تسويق أنفسهم، ولا يملكون مهارة اقتناص اللحظة. وهنا تكمن المفارقة. فالمجتمعات كثيرًا ما تمنح الثقة لمن يُحسن القول قبل أن تختبر الفعل. بل إن بعض الناس يمتلكون قدرة استثنائية على تشكيل الانطباعات، حتى يصبح حضورهم طاغيًا على غيرهم، وكأنهم الخيار الطبيعي في كل موقف. وفي الموروث الشعبي يقال: "خذوهم بالصوت"، وهي عبارة تختصر واقعًا اجتماعيًا معروفًا؛ فليس كل مرتفع الصوت قوي الحجة، وليس كل كثير الكلام عميق الفكرة. غير أن حسن العرض قد يمنح صاحبه أحيانًا ما لا تمنحه الكفاءة وحدها. ولا يعني هذا التقليل من شأن البلاغة أو مهارة الحديث، فالكلمة قوة حقيقية، والقدرة على التعبير نعمة عظيمة. كم من شخص يتحدث كثيرًا لكنه قليل الإنجاز، وكم من آخر قليل الكلام لكنه عظيم الأثر. وهناك من يفضلون العمل بصمت، لا يجيدون الترويج لأنفسهم، ولا يزاحمون على المنصات، لكن نتائجهم تتحدث عنهم ببلاغة تفوق الكلمات. وفي بيئات العمل والإدارة والحياة العامة، يقع كثيرون في فخ الاعتماد المفرط على شخص واحد؛ فيصبح هو المستشار الدائم، والمتحدث المعتمد، وصاحب الرأي المقدم على غيره. ومع الوقت، يتحول إلى عدسة وحيدة يرى القائد من خلالها المشهد، رغم أن الحقيقة غالبًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا من أن تختزل في منظور واحد. العدالة في المجالس، كما في الحياة، لا تعني فقط إتاحة الفرصة للأكثر حضورًا، بل تعني أيضًا الالتفات إلى الأصوات الهادئة، ومنح المساحة لمن لا يطلبها بإلحاح. فليست الحكمة حكرًا على أصحاب الأصوات المرتفعة، وليست الكفاءة مرهونة بمهارة الحديث. وربما كانت تلك العبارة الساخرة: "ليت اسمي أسامة" أكثر من مجرد دعابة؛ لقد كانت تعبيرًا صادقًا عن شعور إنساني يتكرر في أماكن كثيرة: شعور من يرى الفرص تمر أمامه، لا لأنه أقل كفاءة، بل لأنه أقل ضجيجًا. وهكذا تعلمنا الحياة درسًا مهمًا: لا تنخدع دائمًا بمن يجيد الحديث، ولا تهمل من يجيد الفعل. فالقول يلفت الانتباه، أما الفعل فهو الذي يصنع الأثر ويبقى اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.

237

| 07 مايو 2026

جحود النعم.. معادن البشر في ميزان الأزمات

إنّ "كفر النعمة" وجحود الفضل ليس بظاهرة وليدة اليوم، بل هو خصلة ذميمة رافقت المسيرة الإنسانية عبر العصور، وسجلت في صفحات التاريخ حوادث يضيق الحصر عن ذكرها. ورغم أن القصد ليس إشاعة التشاؤم، إلا أن استحضار هذه السلوكيات يصبح واجباً أخلاقياً ووطنياً حين يتصل الأمر بأمن الأوطان واستقرار المجتمعات، فكما أن في الدنيا أخلاقاً سامية تجعل الإنسان قدوة يُحتذى بها، فإن في مقابله طبائع بشرية متباينة، واختلافات جذرية تظهر جلياً حين ينجلي غبار الأزمات. الخليج العربي.. نسيجٌ من الود والاحتواء لطالما كانت منطقة الخليج العربي واحة استقرار ومقصداً لطالبي العيش الكريم من شتى بقاع الأرض. استقبلت هذه الأرض المعطاء "كوكتيلاً" من البشر، صهرتهم في بوتقتها، وتفاعلت معهم بودٍّ قلّ نظيره، حتى غدا المقيمون فيها جزءاً لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي، يحظون بالرعاية والاهتمام والتقدير جنباً إلى جنب مع المواطنين. لكن، وكما يقال في المأثور: "الحلو ما يكمل"، فالشدائد هي المختبر الحقيقي للمعادن، وفي النوائب يتجلى الصادق من الكاذب، وكما قال الشاعر: غداً ينكشف الغبارُ.. أفرسٌ تحتك أم حمارُ لقد كشفت الأحداث المتلاحقة التي مرت بها دول مجلس التعاون عن فئات تعيش بين ظهرانينا، تنعمت بخيرات هذه الأرض وأمنت في ظلها، لكنها عند أول بادرة أذى أو تهديد يمس المنطقة، أظهرت حالة من "التشفي" المقيت. هؤلاء الذين كنا نحسبهم يداً تعين وسنداً يشد الأزر، تحولت ألسنتهم إلى نبال مسمومة، وكأن هذه الأرض لم تقدم لهم يوماً طيبةً وإخاءً، بل إن المرء ليعجب حين يرى هذا الجحود، في حين أننا كأبناء للمنطقة لا نجد من المعاملة في الخارج ربع ما يجدونه هم بيننا من حفاوة وإكرام. منطق الثروة وعقدة "البداوة" لقد وضع هؤلاء الشامتون أنفسهم في مأزق أخلاقي، محاولين تبرير حقدهم بمنطق مغلوط، وهو ما فنده الراحل الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- إبان أزمة الكويت، حين رد على الذين يزعمون أن "هؤلاء البدو" لا يستحقون تلك الثروات، متسائلاً بمرارة: أين كنتم حين كان هؤلاء البدو يصارعون الجوع والفاقة؟ وهو المعنى ذاته الذي جسده الأمير خالد الفيصل في قصيدته الخالدة "حنا العرب"، حين قال واصفاً نظرة الجاحدين المتقلبة قبل وبعد اكتفاء الأرض بخيراتها: كانت فينا البداوه سَبوبه.. وبعد النفط جيتونا عرب وأنساب هذا التكالب الذي نشهده اليوم، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج أحقاد دفينة من القريب والبعيد على حد سواء. وإن كان من بين من عاشوا معنا من أخلص النية وأصبح جزءاً لا يتجزأ من تراب هذا الوطن، فأهلاً به وبطهر نيته، أما الحاقدون الذين "بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر"، فهؤلاء يعانون من إشكاليات نفسية وانعدام في القيم الإنسانية، لا يضرون إلا أنفسهم. أبواق الفتنة وجحود الأبناء والمؤلم حقاً، ليس جحود الغريب فحسب، بل تلك الفئة القليلة من "أبناء الجلدة" الذين تنكروا لفضل أوطانهم عليهم، واستحالوا أبواقاً مسمومة تبث آراءً شاذة في وسائل الإعلام. هؤلاء الذين يدسون السم في الدسم تحت مسميات "الإستراتيجية" و"التحليل"، ينطبق عليهم قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} إنهم كالصلّ، ملمسهم ناعم لكن سمّهم زؤام، كما قال الشاعر: إِنَّ الثَّعابينَ إِن لانَت مَلامِسُها... عِندَ التَّقَلُّبِ في أَنيابِها العَطَبُ كلمة أخيرة.. الأيام دول إلى كل من احتواه هذا الوطن ومنحه المكانة والنعمة: احفظ لهذا الكيان حقّه، واعلم أن الابتلاء سنة كونيّة، والزمن كفيل بفرز من حفظ النعمة ممن كفر بها، سواء أكانوا أفراداً أم دولاً دُعمت وسُندت في عثراتها ثم تنكرت. إلى المتشدقين والواهمين: إنكم ترون السقوط بعيداً ونراه قريباً، فالدول سجال، و"تلك الأيام نداولها بين الناس"، ومن يتشفى اليوم بمصابنا سيسقيه الزمان من ذات الكأس التي شربنا منها، فما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، والأمور كما شاهدتها دولٌ: "من سرّه زمنٌ.. ساءته أزمانُ". أتمنى ألا يفسر كلامي هذا ضد دولة أو شعب معين. حفظ الله أوطاننا من كيد الكائدين وجحود الحاقدين.

192

| 26 أبريل 2026

صنائع المعروف.. ونجاةٌ لا تُنسى

مع إشراقة الألفية الجديدة، عقدتُ العزم على السفر بَرّاً إلى المملكة العربية السعودية لأداء مناسك العمرة، وكان يرافقني سائقان. وكعادة المسافرين في ذلك الطريق، توقفنا في مدينة «الأحساء» للتزود بالوقود قبل أن نواصل المسير. هناك، وعند محطة الوقود، اقتربت مني سيدة مسنة بدا عليها ضيق الحال، فسألتني عوناً يسيراً. وبلا تردد، مددتُ لها يدي بما جاد به النصيب؛ كان مبلغاً متواضعاً بمعايير الدنيا، لكنه عند الله عظيم. ثم انطلقنا نكمل رحلتنا. بعد مغادرتنا الرياض، كنتُ أجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، والليل قد أرخى سدوله. فجأة، تراءت لنا شاحنة ضخمة تمضي أمامنا، وحين شرعنا في تجاوزها، انحرف قائدها بشكل مفاجئ وخطير، مسبباً ارتباكاً كاد أن يودي بنا. كنا على شفا حفرة من اصطدام مروع، لولا أن تداركتنا رحمة الله؛ إذ أمسكتُ بمقود السيارة بسرعة خاطفة، لننجو من ارتطام محقق في اللحظة الأخيرة. ولم ينتهِ الخطر عند هذا الحد، فقد كادت سيارة خلفنا أن تصطدم بنا، لكن الرعاية الإلهية كانت لنا حِصناً ودرعاً. حين استعدنا هدوءنا، استحضرتُ في ذهني ذلك الموقف البسيط عند محطة الوقود، وتلك الصدقة العابرة. شعرتُ في أعماق قلبي أن ذلك المعروف كان سبباً—بعد رحمة الله—في نجاتنا من هلاك محقق. وتكرر المشهد في رحلة العودة؛ حيث صادفتُ امرأة أخرى في محطة وقود فمددتُ لها يد العون. وفي ليلة مظلمة على أحد الطرق السريعة، واجهنا موقفاً يحبس الأنفاس: سيارة قادمة نحونا بسرعة جنونية في الاتجاه المعاكس! حاولتُ تنبيه السائق بإشارات ضوئية ليعود إلى رشده، لكن دون جدوى. ولم يجدِ نفعاً سوى الانحراف الحاد بالسيارة خارج الطريق المعبد إلى أرض لا نعلم تضاريسها. وبفضل الله وحده، نجونا من كارثة محققة، بينما مرّ السائق الآخر وكأنه غائب عن الوعي أو في حالٍ غير طبيعية، غير مدرك لحجم الخطر الذي تسبب فيه. توقفنا مرة أخرى، وقلوبنا تلهج بالشكر والتدبر، مستذكرين تلك العطاءات الصغيرة.. بسيطةٌ في مظهرها، لكنها جليلة في أثرها. منذ ذلك الحين، تعمّق يقيني بشيء واحد: صنائع المعروف لا تضيع أبداً. إن أصغر الصدقات قد تدفع كبار النقم، وتنجي الإنسان من موارد الهلاك. إنه الدرس الذي أحمله في قلبي حتى اليوم: «أن إغاثة الناس تعود إلينا في صورٍ لا نتوقعها، وأن اللطف الإلهي قد يتجسد في عملٍ صغير، لكنه يحمل أثراً يفوق الوصف».

426

| 20 أبريل 2026

سيكولوجيا "الاستهداف" المعاصر والتجربة الخليجية

في المشهد السياسي العربي المعاصر، تبرز ظاهرة تستحق التأمل والدراسة العميقة؛ وهي تصاعد نبرة العداء أو ما يمكن تسميته "بالتحامل الممنهج" ضد دول الخليج العربي. هذا العداء لا يقف عند حدود الاختلاف السياسي الطبيعي الذي يطبع العلاقات الدولية، بل يتعداه إلى حالة من الحنق الوجداني الذي يظهر في الخطاب الإعلامي والوسائط الرقمية. فما هي الدوافع الحقيقية وراء هذا الحقد؟ وهل هو وليد اللحظة أم نتاج تراكمات تاريخية ونفسية؟ أولاً: صدمة التحول من "الهامش" إلى "المركز" تاريخياً، استندت القومية العربية الكلاسيكية إلى مراكز ثقل حضارية لسنوات طويلة، كانت هذه العواصم ترى في دول الخليج "أطرافاً" جغرافية هامشية. ومع التبدل الدراماتيكي في موازين القوى نتيجة الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي الخليجي، مقابل التآكل في بنيوية الدول المركزية القديمة، حدث ما يسمى بـ "الانزياح الجيوسياسي". هذا الانزياح خلق حالة من "الإنكار" لدى بعض النخب العربية التي لم تستوعب بعد أن القيادة والريادة والقرار السياسي انتقل من ضفاف الأنهار إلى سواحل الخليج، ليس بقوة المال فحسب، بل بامتلاك الرؤية الإستراتيجية والقدرة على التنفيذ. ثانياً: مغالطة "الريع" وتجاهل "الإدارة" من أكثر مبررات الحقد شيوعاً هو اختزال النجاح الخليجي في "الثروة النفطية". هذا الخطاب التبسيطي يسعى لنزع الشرعية عن المنجز الخليجي وتصويره كمحض صدفة جيولوجية. * الحقيقة الغائبة: يغفل هؤلاء أن دولاً كثيرة في العالم (وفي المنطقة) تمتلك ثروات طبيعية هائلة لكنها تعاني من الفقر والفساد والحروب الأهلية. * الفرق الجوهري: التميز الخليجي يكمن في "الإدارة" لا في "الوفرة" فقط. إن بناء مدن عالمية من الصفر، وتطوير قطاعات الصناعه، والسياحة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، هو ثمرة عمل مؤسسي شاق، وهو ما يثير حفيظة الفاشلين إدارياً الذين يفضلون لوم "الحظ" بدلاً من الاعتراف بذكاء "المنافس". ثالثاً: "الاستعلاء الثقافي" كآلية دفاعية عندما يعجز البعض عن مجاراة التفوق المادي والتقني، يلجأون إلى "الاستعلاء الثقافي". يتم ترويج صور نمطية مشوهة عن المواطن الخليجي، وتصويره كشخص "مستهلك بلا عمق". هذا الخطاب هو في جوهره آلية دفاعية نفسية تهدف لتعويض الشعور بالنقص التنموي. هؤلاء يرفضون الإقرار بأن الخليج اليوم بات وجهة للعلماء، والمبدعين، والمفكرين، وأنه استطاع المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة بشكل تفوّق به على نماذج "الحداثة المشوهة" في أقاليم أخرى. رابعاً: تصدير الأزمات الداخلية وشماعة "الآخر" تستخدم بعض الأنظمة والتيارات السياسية المأزومة (سواء كانت يسارية متطرفة أو حركات أخرى) دول الخليج كشماعة لتعليق إخفاقاتها. * صناعة العدو: من الأسهل دائماً إقناع الجماهير المحبطة بأن سبب فقرهم هو "تآمر الخليج" أو "بخل الخليج"، بدلاً من مصارحتهم بفساد المنظومة المحلية أو فشل الخطط التنموية الوطنية. * الأدلجة: تقتات تيارات معينة على شيطنة النموذج الخليجي المستقر، لأنه يمثل النقيض لمشروعاتها الفوضوية أو الثورية التي لم تجلب للشعوب سوى الدمار. خامساً: القوة الناعمة و"الغيرة الدولية" لم يعد الحقد محصوراً في المحيط الإقليمي، بل امتد لدوائر غربية معينة ترى في الصعود الخليجي تهديداً لهيمنتها الثقافية أو الاقتصادية. * السيادة في القرار: التوجه الخليجي نحو "تعدد الأقطاب" وبناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب أزعج القوى التي اعتادت على لعب دور "الأستاذ" وصاحب الوصاية. * النجاح المبهر: الفعاليات الكبرى (مثل كأس العالم في قطر)، كشفت للعالم صورة مشرقة ومتحضرة، مما حطم القوالب النمطية التي صرف الغرب مليارات الدولارات لترسيخها عن الإنسان العربي. ** خاتمة: الضريبة الحتمية للنجاح إن هذا "الحقد الدفين" ليس في جوهره إلا اعترافاً غير مباشر بالتفوق. فالشجرة المثمرة هي وحدها من تُقذف بالحجارة، ودول الخليج اليوم لا تملك ترف الالتفات للخلف للرد على كل خطاب كراهية. إن الرد الأمثل الذي تنهجه العواصم الخليجية هو "الاستمرار في البناء". وثقة في أنفسنا فالتنمية هي اللغة الوحيدة التي لا يمكن دحضها، والنجاح هو البرهان الذي يسحق كل حملات التشويه. وفي نهاية المطاف، سيكتشف الحاقدون أن طاقة الكراهية التي يستهلكونها لن تبني أوطانهم، بينما طاقة العمل والبناء في الخليج تعيد صياغة مستقبل المنطقة والعالم. اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما

486

| 11 أبريل 2026

بين الفتن والوفاء.. كلمة في زمن الاضطراب

في ظل ما تشهده منطقتنا من توترات وصراعات دولية، ندرك جميعًا أن كثيرًا من هذه النزاعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ومع ذلك نجد أنفسنا في قلب تداعياتها، وفي عين العاصفة سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا. لكن ما هو أخطر من تلك الصراعات الخارجية، هو ما بدأ يتسلل إلى داخل البيت العربي من فتن وخلافات، تُغذَّى بالكلمة وتُشعلها الشائعات. لقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من الفتنة، وبيّن خطرها العظيم حين قال: “والفتنة أشد من القتل”. واليوم، نرى مصاديق هذا التحذير ماثلة أمامنا، حين تتحول بعض المنصات إلى أدوات لبث الإحباط، والتشكيك، والطعن في الآخرين، بدل أن تكون جسورًا للتواصل والتآخي. وإن مما يؤلم النفس أن تصدر بعض هذه الأصوات من داخل محيطنا العربي، بل ومن أشخاص كنا نظن أنهم الأقرب فهمًا والأحرص على وحدة الصف. نرى تهجمًا على دول الخليج، وتشكيكًا في إنجازاتها، بل وتشفيًا في أي تحدٍ تواجهه، وكأن روابط الأخوة قد تراجعت أمام نزعات الحسد أو سوء التقدير. لقد مرت دول الخليج بمراحل صعبة في تاريخها، وكانت في يوم من الأيام تعاني شظف العيش وقلة الموارد، إلا أن الله منّ عليها بنعمه، فكان التحدي في حسن استثمار هذه النعم. فجاءت النهضة نتيجة تخطيط وعمل واجتهاد، وسخرت الإمكانات لبناء الإنسان قبل العمران، فكان ما نراه اليوم من تقدم واستقرار. إن ما تحقق لم يكن صدفة، ولا منّة من أحد، بل هو توفيق من الله أولًا، ثم ثمرة إخلاص وجهود متراكمة عبر سنوات طويلة. ومن الطبيعي أن يلفت النجاح الأنظار، لكن غير الطبيعي أن يتحول ذلك إلى تشكيك أو تقليل من الجهود، أو محاولة بث الإحباط بين أبناء المنطقة. الأخطر من ذلك، أن بعض من يقوم بهذا الدور هم ممن يفترض أن يكونوا قدوة في الوعي والمعرفة، لكنهم اختاروا أن يكونوا جزءًا من موجة التشكيك، بدل أن يكونوا صوتًا للعقل والإنصاف. إن المرحلة التي نمر بها تتطلب منا جميعًا أن نرتقي بخطابنا، وأن نتحلى بالمسؤولية في الكلمة والموقف. فإما أن نكون عونًا على البناء، أو نصمت عن الهدم. فالكلمة قد تبني أمة، وقد تهدمها. وفي الختام، نؤكد أن الخير باقٍ في هذه الأمة بإذن الله، وأن وحدة الصف هي صمام الأمان في وجه كل التحديات. فلنجعل بوصلتنا دائمًا نحو الحق والخير، ولنحذر من أن نكون أدوات، ولو عن غير قصد، في إشعال الفتن التي لا تبقي ولا تذر. حفظ الله أوطاننا، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ۝ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ۝ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ — سورة القلم (10–13) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ — سورة الحجرات (6) اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا

234

| 01 أبريل 2026

ثقافة الاختلاف.. حين يتحوّل الخلاف إلى سلاح

لم يعد الاختلاف في عالمنا مجرّد تباينٍ طبيعي في وجهات النظر، بل تحوّل - في كثير من الحالات - إلى سلاحٍ يُستخدم لتصفية الحسابات، وإقصاء الآخر، وتشويه سمعته. المشكلة لم تعد في اختلاف الآراء، بل في العقلية التي تدير هذا الاختلاف، والتي باتت تميل إلى التصعيد بدل الاحتواء، وإلى الهدم بدل البناء. إن ما نشهده اليوم، على مستوى الأفراد كما على مستوى الدول، يكشف خللًا عميقًا في فهم معنى الاختلاف. فبدل أن يكون مساحة للحوار وتبادل الرؤى، أصبح ساحةً للمشاحنة، وميدانًا لتغذية الكراهية. تُرفع فيه الشعارات، وتُطلق فيه الأحكام، دون التزامٍ بمعايير العدل أو الإنصاف. الأخطر من ذلك، هو هذا التقلّب الحاد في المواقف؛ حيث يتحوّل الإعجاب إلى عداء، والثناء إلى هجوم، عند أول نقطة خلاف. وكأن العلاقات تُبنى على العاطفة لا على المبادئ، وعلى المزاج لا على القيم. في لحظةٍ واحدة، يُمحى كلّ رصيدٍ سابق، ويُستبدل بخطابٍ قاسٍ لا يعترف إلا بلغة الخصومة. هذا السلوك لا يعكس قوةً، بل يكشف هشاشة في الوعي، وغيابًا لثقافة التوازن. وقد لخّصت الحكمة العربية هذه الحالة بدقة “وعينُ الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ، ولكنّ عينَ السخط تُبدي المساويا”. في المقابل، يضع القرآن الكريم معيارًا صارمًا لا يقبل المساومة، حين يقول تعالى: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة: 8). إنها ليست دعوة أخلاقية فحسب، بل قاعدة حاكمة لضبط السلوك في أوقات التوتر، حيث يُختبر صدق القيم لا في الوفاق، بل في الخلاف. ومع تصاعد الحملات الإعلامية، وتضخيم الخلافات، بات من الواضح أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى توظيف الاختلاف لأغراض تتجاوز الحقيقة، وتخدم أجندات قائمة على التأزيم لا التهدئة. وهنا تتجلّى خطورة ما حذّر منه القرآن الكريم: “قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” (آل عمران: 118)، في توصيفٍ دقيقٍ لحالة الانفلات حين تُترك النفوس لأهوائها. إن استمرار هذا النهج يعني مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من التآكل في الثقة، ومزيدًا من الفوضى في الخطاب. ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بإعادة الاعتبار لثقافة الاختلاف بوصفها قيمةً لا ترفًا، وضرورةً لا خيارًا. نحن بحاجة إلى خطابٍ يعترف بالتنوّع دون أن يحوّله إلى صراع، ويحتكم إلى العدل دون أن يخضع للهوى، ويؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية - إلا حين تُفسده العقول الضيّقة. وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نملك شجاعة أن نختلف بعدل… أم سنبقى أسرى ردود الأفعال والانفعالات؟. اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا

417

| 29 مارس 2026

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4476

| 06 مايو 2026

alsharq
لماذا ستخرج قطر من هذه المرحلة أقوى؟

تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...

4194

| 04 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

2091

| 07 مايو 2026

alsharq
هل تعيش بقيمة مستأجرة؟

كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...

1527

| 05 مايو 2026

alsharq
حين ينكسر الزجاج.. من علمنا أن القرب يعني الأمان؟

ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...

861

| 03 مايو 2026

alsharq
"شبعانون" أم "متخمون"؟.. حين سرقت "الوفرة" طعم السعادة

لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...

753

| 05 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

750

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

738

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

699

| 08 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الباكستانية في وقت التحولات

تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...

546

| 03 مايو 2026

alsharq
امتحانات العطلة الأسبوعية.. أزمة إدارية

يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...

546

| 04 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

546

| 07 مايو 2026

أخبار محلية