رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه ليست شكوى من أحد، ولا عتابًا موجَّهًا إلى شخص بعينه، وإنما خلاصة تجربة وتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية؛ تلك العلاقات التي نظن أحيانًا أنها بلغت من الرسوخ مبلغًا لا تهزّه المواقف، ثم تكشف لنا الأيام أن بعض ما حسبناه ثابتًا لم يكن إلا مؤقتًا، وأن بعض الوجوه لا نعرف حقيقتها إلا عندما تتعارض المصالح أو تنتهي الحاجة. فالإنسان قد يبذل الإخلاص، ويحسن المعاملة، ويقف إلى جانب الآخرين في أوقات حاجتهم، ثم يفاجأ برد فعل لم يكن في حسابه. والأشد إيلامًا أن تأتي المفاجأة أحيانًا ممن حسبهم الأقرب؛ ممن ظن أن بينه وبينهم من المودة والعِشرة والجميل ما يكفي ليحفظ العلاقة من تقلب الأيام. لكن الأيام مدرسة لا تمنح شهاداتها مجانًا، إنها تختبر العلاقات في المواقف، وتفرز من أحبك لشخصك، ومن أحب ما يستطيع الحصول عليه منك. العلاقات ومرحلة «البيات الشتوي» قد تمر بعض العلاقات بفترات من الهدوء تجعلنا نظن أن الخلافات انتهت، وأن النفوس صفت، وأن ما مضى قد طوي إلى غير رجعة. ولكن لا ينبغي أن نطمئن دائمًا إلى هذا «البيات الشتوي»؛ فقد يأتي موقف صغير ليعيد العلاقة إلى المربع الأول، وكأن سنوات من المعروف والمودة لم تكن. وهنا تظهر حقيقة مهمة: المواقف لا تغيّر الناس دائمًا، لكنها كثيرًا ما تكشفهم. فعندما تكون المصالح متوافقة، يسهل على الجميع تبادل الابتسامات والكلمات الجميلة. أما الاختبار الحقيقي فيأتي عندما تقول «لا»، أو تختلف في الرأي، أو تعجز عن تقديم ما اعتاد الآخر الحصول عليه منك. عندئذ فقط نعرف مقدار ما كان للعلاقة من جذور. عندما يسقط المكياج لبعض العلاقات «مكياج» اجتماعي جميل: كلمات رقيقة، ومجاملات، وابتسامات، وعبارات تقدير ووفاء. وليس في ذلك عيب إذا كان الظاهر امتدادًا لما في القلب. ولكن المشكلة تبدأ عندما يكون هذا الجمال غطاءً لمصلحة مؤقتة، فالمكياج مهما طال بقاؤه لا يصبح وجهًا، ومتى انتهت المناسبة أزيل، وظهر الوجه على حقيقته. وهكذا بعض العلاقات؛ قد تستمر سنوات تحت غطاء من المجاملة والمصلحة المشتركة، ثم يأتي موقف واحد فيزيل ذلك الغطاء كله. وحينها يكتشف الإنسان أن بعض الابتسامات لم تكن أكثر من مسكّن مؤقت للألم؛ أشبه بحبة دواء تخفف الوجع لبعض الوقت، لكنها لا تعالج أصل الداء. من طرف اللسان حلاوة وقد لخّص الشعر العربي هذه الازدواجية منذ قرون في قول الشاعر: يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ إنها صورة قديمة لسلوك ما زال حاضرًا: لطف في الكلام، ومهارة في الاقتراب، وقدرة على إظهار الود، بينما تخفي النفس حسابات أخرى. ولعل من أبلغ ما عبّرت به الثقافة الشعبية عن هذا النوع من العلاقات قولهم: صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما فالمشكلة هنا ليست في وجود المصلحة؛ فالحياة نفسها قائمة على تبادل المصالح والمنافع. الطبيب ينتفع من المريض والمريض ينتفع من الطبيب، والتاجر والمشتري، والمعلم والمتعلم، والدول والمجتمعات، جميعها تتبادل المنافع. إنما الخلل أن تتحول المصلحة من جسر للتعاون إلى أداة لاستعمال الإنسان. هناك فرق أخلاقي كبير بين أن أنتفع منك وأنفعك، وبين أن أستعملك حتى أصل إلى غايتي ثم أتخلى عنك. هل كل الناس ناكرون للجميل؟ هنا ينبغي أن نكون منصفين التجارب المؤلمة قد تدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن الجحود أصل في البشر، لكن التعميم ظلم للحقيقة كما هو ظلم للناس. فكما يوجد من ينسى المعروف، يوجد من يحفظ معروفًا قُدّم إليه قبل عشرات السنين. وكما يوجد من تتبدل ملامحه عند انتهاء المصلحة، يوجد من يقف معك عندما تنتهي المصالح كلها. وهؤلاء هم الذين يعيدون للإنسان ثقته بأن الخير لم ينقطع. والوفاء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلام في زمن الرخاء، بل بالموقف عندما لا يعود لديك شيء تقدمه. من بقي عندما انتهت حاجته إليك، فقد أحب الإنسان فيك، لا المنفعة التي عندك. الإنسان أعقد من أن تحكمه معادلة واحدة الإنسان كائن شديد التعقيد. تتداخل في سلوكه الحاجة والخوف والطموح والحب والغيرة والمصلحة والوفاء والأنانية والامتنان. ولهذا لا ينبغي أن نقرأ كل علاقة من زاوية مثالية خالصة، كما لا ينبغي أن نقرأها من زاوية الشك المطلق. فالناس ليسوا ملائكة، ولكنهم كذلك ليسوا جميعًا انتهازيين. والحكمة أن نعامل الناس بالأخلاق، ولكن من دون أن نلغي العقل؛ أن نحسن الظن، ولكن من دون أن نفقد القدرة على قراءة المواقف؛ وأن نعطي، ولكن من دون أن نجعل كرامتنا ثمنًا للعطاء. مكيافيللي ومنطق الغاية يُنسب إلى الفكر المكيافيللي اختزال السياسة والعلاقات في منطق القوة والمصلحة، وتُختصر هذه النظرة عادة بعبارة «الغاية تبرر الوسيلة»، وإن لم ترد بهذه الصيغة الحرفية في كتاب الأمير. والمشكلة ليست في الاعتراف بوجود المصالح؛ فهذا جزء من الواقع الإنساني والسياسي. المشكلة أن تصبح المصلحة مبررًا للخداع والغدر ونقض الوفاء واستعمال الآخرين أدوات لتحقيق الأهداف. فالمجتمع الذي تتحول فيه العلاقات كلها إلى صفقات سرية يصبح مجتمعًا فقيرًا، مهما بلغ ثراؤه المادي. لأن الثقة هي رأس المال الخفي للمجتمعات. صحراء العلاقات أحيانًا يكتشف الإنسان، بعد سنوات من العطاء، أن علاقة ظنها حديقة خضراء لم تكن إلا أرضًا سبخة؛ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً. ولكن حتى هذه الصورة لا ينبغي أن تقودنا إلى اليأس. كان يقال إن البحر لا ينبت العشب، ثم عرف الإنسان أن في البيئات الساحلية أشجارًا مثل القرم تستطيع أن تمد جذورها حيث تبدو الحياة صعبة. وفي هذه الصورة معنى جميل للعلاقات الإنسانية أيضًا: حتى في البيئات القاسية يمكن للوفاء أن ينبت. وربما كانت مهمتنا ألا نتحول بسبب تجاربنا السيئة إلى نسخة ممن آذونا. فمن جحد معروفنا لا ينبغي أن يعلمنا الجحود، ومن قابل إحساننا بالإساءة لا ينبغي أن يقنعنا بأن الإحسان خطأ. الأخلاق ليست صفقة القيمة الحقيقية للأخلاق أنها لا تتغير بتغير الطرف الآخر. أنا لا أصدق لأن الناس جميعًا صادقون، ولا أحفظ الجميل لأن الجميع يحفظونه، ولا أحسن إلى الآخرين لأنني أضمن أنهم سيردون الإحسان. إنما أفعل ذلك لأن هذه أخلاقي التي اخترتها لنفسي. وقد جاءت الرسالات السماوية، كما جاءت كثير من الفلسفات والقيم الإنسانية، بتعظيم الصدق والرحمة والوفاء وحسن المعاملة. وفي السنة النبوية جاء تعظيم حسن الخلق ومكانته الرفيعة. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط: كيف عاملنا الناس؟ بل أيضًا: هل استطاع سوء تعامل بعض الناس معنا أن يغيّر أخلاقنا؟ وأخيرًا… تعلمنا الأيام ألا نضع ثقتنا كلها في الكلمات، بل في المواقف؛ وألا نقيس المحبة بحرارة الاستقبال، بل بثباتها عند اختلاف المصالح. ليس كل قريب عضيدًا، وليس كل بعيد غريبًا. وليس كل من ابتسم محبًا، كما أن كل من اختلف معنا ليس عدوًا. فالزمن كفيل بأن يزيل «مكياج العلاقات»، والمواقف كفيلة بأن تكشف الوجوه دون حاجة إلى خصومة أو انتقام. ومع ذلك، يبقى أجمل انتصار للإنسان ألا تسمح له التجارب القاسية بأن يصبح قاسيًا. فلا تجعل جحود الآخرين يسلب منك فضيلة الوفاء، ولا تجعل خيبة الأمل تقنعك بأن المعروف خسارة. ازرع الخير، ولكن اعرف أين تزرعه. أحسن إلى الناس، ولكن لا تعطِ أحدًا حق امتهانك. ثق، ولكن اجعل للمواقف نصيبًا من حكمك. واحفظ الجميل، حتى وإن عشت في زمن ينساه فيه البعض سريعًا. فلعل البحر الذي قيل يومًا إنه لا ينبت العشب، أنبت القرم على شواطئه؛ ولعل أرض العلاقات التي أجدبت طويلًا ينبت فيها يومًا رد الجميل، وحفظ العِشرة، وصدق المودة، وحسن الخلق. فذلك هو الغرس الذي يحتاج إليه الإنسان، وتحتاج إليه المجتمعات، أكثر من أي وقت مضى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما
321
| 11 أغسطس 2026
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة للإقناع؛ فهو في حقيقته سلوك فجّ يكشف عن رغبة متأصلة في الهيمنة وفرض الرأي بالقوة، استناداً إلى المقولة الشهيرة: «خُذوهم بالصوت». وكأن علو النبرة بات سبيلاً لإسكات الخصوم وكسب النقاش دون وجه حق. الحكمة في نبذ الصراخ أدرك العقلاء عبر التاريخ أن الصراخ لا يعكس صحة الموقف ولا قوة الحجة، بل هو في كثير من الأحيان قناع يوارب خلفه العاجز عجزه؛ فالحق أبين من أن يحتاج إلى جلبة أو صجيج ليُرى. وفي هذا السياق، يتجلى تعالي الحكماء عن السفاهة في قول الإمام الشافعي – رحمه الله –: يُخاطبني السّفيهُ بكلِّ قُبحٍ فأكرهُ أن أكون له مجيبا يزيد سفاهةً فأزيد حلماً كعودٍ زاده الإحراق طيبا ويؤكد الشاعر أن علو الصوت لا يصنع حقاً ولا يقنع بصيرة عاقل: وما الصوتُ العالي بمقنعٍ أحداً ولا الصراخُ يبني للحقِ بنيانا إنّ الحكيم إذا ما اشتدّ منطقه ألقى السّكينة إجلالاً وتبيانا فالمنطق السليم والهدوء هما سلاح الواثق، والوقار زينة المجالس وقوامها. التأصيل الإسلامي لأدب الحوار إذا كانت الحكمة البشرية قد فطنت لهذا الأدب الرفيع، فإن الشريعة الإسلامية قد قررته وأصلته أتم تأصيل. فقد حسم القرآن الكريم أمر الأصوات العالية بوضع أدب قرآني سامٍ، في قول الله تعالى: ﴿ واغْضُضْ مِنْ صوْتِك ۚ إِنّ أنْكر الْأصْواتِ لصوْتُ الْحمِيرِ ﴾ [سورة لقمان: 19] وهو توجيه قاطع بأن رفع الصوت لغير حاجة أمر مرفوض، مما يحتم على العاقل التزام الهدوء والوقار في حديثه، والابتعاد عن كل ما يشين المنطق السليم. هدي النبوة في اللين وحسن الخلق بيّن النبي ﷺ مكانة حسن الخلق والرفق في القول، وعظم أجر أهل اللين والسكينة، بقوله: «إنّ من أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» كما وضع المعيار الحقيقي لأخلاق المسلم في معاملاته ولسانه، فوصف المؤمن الحق بسلامة اللسان والبعد عن السوء، بقوله: «ليس المؤمنُ بالطعّانِ، ولا اللعّانِ، ولا الفاحشِ، ولا البذيءِ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني) اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما.
408
| 31 يوليو 2026
تعد ظاهرة "الازدواجية في المعايير" إحدى أعقد المشكلات التي تواجه النسيج الاجتماعي والفكري المعاصر، وتتجلى بوضوح في ميل بعض الأفراد إلى ممارسة دور "المراقب المُطلق" على حياة الآخرين، وتفكيك قراراتهم، وإصدار أحكام قطعية على نواياهم، وكأنهم يمتلكون حقاً حصرياً في صياغة الحقيقة الأخلاقية والاجتماعية. تضخم الأنا وتجاوز "الملاعب": إن هؤلاء يمارسون سلوكاً تناقضياً صارخاً؛ فهم يتسللون بجرأة إلى "ملاعب الآخرين" – في إشارة إلى خصوصياتهم ومساحات حياتهم الفردية – يحللون خياراتهم، ويشرحون دوافعهم، وربما يحاكمون مواقفهم بمعايير لا يرضونها لأنفسهم. إنهم يبنون حول ذواتهم "سياجاً سيادياً" يصعب اختراقه، ويحيطون حياتهم الخاصة بهالة من القداسة التي تُصنّف أي استفسار عنها كنوع من "التعدي غير المقبول". هذه المفارقة تضعنا أمام نوع من الاستعلاء النفسي، حيث يُنظر إلى حياة الآخرين ككتاب مفتوح مباح للمطالعة والنقد، بينما تُغلق أبواب حياتهم بمتاريس الصمت والسرية، فإذا ما حاول الآخرون استرداد حقهم في السؤال أو المناقشة، قوبلوا بردود فعل تتراوح بين الرفض القاطع، والاستياء، وأحياناً الهجوم الدفاعي الذي يصور السائل كمتطفل، متناسين أن الحقوق في الحوار لا تتجزأ. الازدواجية: من الفرد إلى الفكر، لا يقف أثر هذه الظاهرة عند حدود العلاقات الشخصية الضيقة، بل يمتد ليلقي بظلاله الكثيفة على المشهد الفكري والسياسي. فهناك من يعتنق فكرة "الحقيقة الوحيدة"، مقتنعاً بأن رؤيته للواقع هي التفسير المرجعي الذي لا يقبل الجدل. وفي هذا السياق، تتحول الآراء المخالفة إلى "خطيئة" فكرية، ويُقابل أصحابها بالاستعلاء أو الازدراء. إن غياب "التواضع الفكري" يدفع بالبعض إلى ممارسة الإقصاء، لا من خلال نفي الآخر فحسب، بل من خلال تجريده من مشروعيته في التفكير أو التحليل، مما يولد مجتمعات تعاني من تآكل جسور الثقة والمصداقية. سطوة المنصات الرقمية ومأزق المعايير: لقد جاءت منصات التواصل الرقمي لتكشف عن عمق هذه الازدواجية؛ فعلى الرغم من أنها أتاحت فضاءً غير مسبوق لحرية التعبير، إلا أنها أصبحت مرآة كاشفة للنوايا؛ إذ نرى بوضوح كيف يطالب البعض بحرية التعبير كحق مقدس لهم، بينما يمارسون الرقابة الصارمة على الآخرين. إننا نعيش في عصر يرفض فيه الكثيرون النقد عندما يطول أفكارهم أو دوائرهم الضيقة، لكنهم يفرطون في ممارسته ضد الآخرين تحت ذريعة "النقد العام" أو "الرأي الصريح". هذا التناقض الرقمي ليس سوى انعكاس لغياب الضبط الأخلاقي للذات، حيث يُستخدم الفضاء المفتوح كأداة لتصفية الحسابات الفكرية بدلاً من كونه جسراً للحوار التشاركي. نحو وعيٍ مُتزن: التواضع الفكري كضرورة اجتماعية، إن الحوار الحقيقي ليس ساحة لفرض الهيمنة الفكرية، ولا هو وسيلة لإثبات تفوق الرؤية الخاصة، بل هو عملية معرفية تبادلية تستند إلى الاعتراف باختلاف التجارب البشرية وتعددية القناعات. 1. المساواة في الحقوق: أن يمنح الآخرين حق السؤال كما يمنحه لنفسه، وأن يدرك أن حرية التعبير مبدأ شمولي لا يتجزأ. 2. احترام المسافات: أن يدرك أن الاحترام المتبادل يبدأ من تقدير ملاعب الآخرين وعدم اقتحامها بغير إذن، تماماً كما يرفض هو اقتحام خصوصياته. 3. فصل الاختلاف عن العداء: أن يستوعب أن احترام الرأي الآخر لا يستلزم بالضرورة تبنيه، بل يستلزم الإقرار بمشروعية وجوده في المشهد. إن المجتمعات الأكثر توازناً ورقياً ليست تلك التي يتحدث أفرادها بصوت واحد أو ينصهرون في قالب فكري موحد، بل هي المجتمعات التي تتسع للاختلاف، وتؤسس لحوار يقوم على الإنصاف، وتعتبر التواضع الفكري صمام أمان يحفظ للحوار معناه، وللإنسان كرامته ومكانته. نسأل الله العلي القدير أن ينفعنا بما علمنا، وأن يلهمنا الرشد في القول والعمل، ويفتح بصيرتنا لنرى الحقائق بعيون الإنصاف لا بعيون الأهواء. اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً.
552
| 22 يونيو 2026
لا تَشْكُ لِلنَّاسِ جُرْحاً أَنْتَ صَاحِبُهُ … لا يُؤْلِمُ الجُرْحُ إلا مَن بِهِ ألَمُ يبقى هذا البيت الشعري بوصلةً للنفس في لحظات انكسارها، فهو ليس مجرد دعوة إلى الكتمان، بل اعترافٌ عميق بحقيقةٍ إنسانية مفادها أن الألم تجربة لا تُستعار، وأن الوجع لا يُفهم على حقيقته إلا ممن ذاقه وعاش تفاصيله. نحن نعيش اليوم في عصر تتدفق فيه النصائح والعبارات التحفيزية بلا حدود، وتَعِدُنا كتب تطوير الذات أحيانًا بحياة أكثر سعادة ونجاحًا من خلال وصفات جاهزة وقواعد عامة. غير أن الحياة، بطبيعتها المعقدة، ترفض أن تُختزل في معادلات بسيطة، لأن الإنسان ليس مشروعًا ميكانيكيًا يمكن إصلاحه بدليل إرشادي، بل كائن تتشكل حكمته من خلال ما يمر به من تجارب ومواقف وتقلبات. ولعلّ أكثر ما تكشفه لنا الحياة أن بعض الدروس لا يمكن تلقينها، بل لا بد من معايشتها. فكم من نصيحة سمعناها عن الصبر فلم ندرك معناها الحقيقي إلا حين وقفنا أمام ابتلاءٍ هزّ يقيننا، وكم قرأنا عن قيمة الفقد حتى غاب عنا شخص عزيز، فعرفنا أن الكلمات لم تكن سوى ظلال للحقيقة، أما الحقيقة ذاتها فكانت تنتظرنا في ميدان التجربة. في كثير من المحطات الفاصلة، نكتشف أن التجربة الشخصية كانت أصدق من آلاف العبارات التي قيلت لنا. وليس ذلك لأن النصائح عديمة الفائدة، بل لأنها تشبه وصف الطريق على الخريطة، بينما يظل السير في الطريق نفسه تجربة مختلفة تمامًا. فبين المعرفة والوعي مسافة لا يقطعها إلا الاحتكاك المباشر بالحياة، وبين الفهم النظري والإدراك الحقيقي رحلة لا تختصرها الكلمات. ولعلّ من أعظم تلك المحطات حين يتعرض الإنسان لخيبة أو خسارة كان يظن أنه لن ينهض بعدها. عندها تتكسر التصورات القديمة، وتتساقط الأوهام التي بناها عن نفسه وعن الحياة، ويبدأ في بناء إنسان جديد أكثر نضجًا واتزانًا. هناك فقط يدرك المرء أن الألم لم يكن عدوًا له، بل معلّم صامت يعيد تشكيل رؤيته لنفسه وللناس وللدنيا. ولعلّ التاريخ الإنساني كله شاهد على أن أعظم التحولات لم تولد من الراحة، بل من المعاناة. فالأمم تتعلم من أزماتها، والإنسان يعيد اكتشاف ذاته كلما اجتاز محنة ظن أنها نهاية الطريق. لذلك لم يكن الألم في يوم من الأيام مجرد عقوبة تفرضها الحياة على أصحابها، بل كان في كثير من الأحيان أحد أهم أدواتها في صناعة الوعي، وصقل الشخصية، وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هنا، فإن قيمة التجربة لا تكمن في حجم ما تمنحه من معارف فحسب، بل فيما تتركه من أثر في النفس. فهناك أشياء نعرفها بعقولنا، وأشياء أخرى لا ندركها إلا بعد أن تمس قلوبنا وتعيد تشكيل أعماقنا. ولهذا تبقى بعض الحقائق بعيدة عنا مهما قرأنا عنها، حتى يأتي يوم نعيشها فنفهمها كما لم نفهمها من قبل. إن الحكمة الحقيقية لا تُمنح جاهزة، ولا تُشترى من صفحات الكتب، ولا تُورث من أفواه الناصحين، بل تُولد في كثير من الأحيان من رحم المعاناة، وتنمو مع الصبر، وتترسخ مع التجربة. ولهذا كان بعض الألم، على قسوته، بابًا إلى معرفة أعمق بالنفس والحياة. اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلّمنا ما ينفعنا وزدنا علما
558
| 13 يونيو 2026
لا يختلف اثنان على أن الإنسان يولد في بيئة تشكّل وعيه الأول، وتغرس فيه منظومة من القيم والمبادئ التي تصبح لاحقًا مرجعيته في فهم الحياة والتعامل مع الآخرين. وهذه القيم لا تنشأ من فراغ، بل تُبنى عبر الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، وتتجذر في الوجدان منذ سنوات الطفولة الأولى. وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، كانت هذه القيم مستمدة في جوهرها من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الذي وضع للإنسان إطارًا أخلاقيًا متكاملًا يضبط سلوكه، ويهذب علاقاته، ويصون المجتمع من التفكك والانحراف. لقد شكّلت القيم الإسلامية عبر عقود طويلة السياج الحامي لمجتمعاتنا، فكانت الأمانة خلقًا أصيلًا، والصدق سمةً متوقعة، والاحترام قاعدةً في التعامل، والتكافل قيمةً لا تحتاج إلى تنظير أو تذكير. وكان الفرد ينشأ وهو يدرك حدوده وواجباته تجاه أسرته ومجتمعه، ويعلم أن سمعته وسلوكه جزء من صورة الجماعة التي ينتمي إليها. غير أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها التحول الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن اكتشاف النفط وما تبعه من طفرة تنموية متسارعة، أحدثت تغيرات عميقة في أنماط الحياة والبنية الاجتماعية. ولا يمكن إنكار ما حملته هذه الطفرة من تقدم مادي وتنموي انعكس على مستوى المعيشة والبنية التحتية والتعليم والخدمات، إلا أن أي تحول سريع غالبًا ما يصاحبه تغير ثقافي واجتماعي قد يترك أثره على منظومة القيم إن لم يكن هناك وعي كافٍ وإدارة متوازنة لهذا التحول. فقد انتقل المجتمع في فترة زمنية وجيزة من نمط بسيط ومتقارب في العلاقات والاحتياجات، إلى نمط أكثر تعقيدًا وانفتاحًا وتنافسًا. ومع الانفتاح الإعلامي والثقافي، وتعدد مصادر التأثير، بدأت منظومات فكرية وسلوكية جديدة تتسلل إلى المجتمع، بعضها إيجابي ومفيد، وبعضها الآخر يحمل تصورات تتعارض مع هوية المجتمع ومرتكزاته الأخلاقية. والمشكلة لا تكمن في الانفتاح بحد ذاته، فالحضارات لا تتقدم بالانغلاق، وإنما في ضعف القدرة على التمييز بين ما ينبغي أخذه وما يجب الحذر منه. فحين يضعف الوعي، ويحدث فراغ قيمي أو تربوي، يصبح المجتمع أكثر قابلية لتلقي الأفكار والسلوكيات دون تمحيص أو نقد. ومن هنا نشأت حالة من الاضطراب القيمي التي نلمس آثارها اليوم في كثير من الممارسات اليومية؛ حيث لم تعد بعض المبادئ التي كانت تُعد من المسلّمات تحظى بالمكانة ذاتها في النفوس. وأصبحنا نلاحظ تراجعًا في بعض مظاهر الاحترام، وضعفًا في الالتزام بالأمانة، وتراجعًا في قيمة الصدق والإخلاص في بعض البيئات والعلاقات. لقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع الحياة بمنطق نفعي بحت، فتغدو المصلحة الشخصية مقدمة على الاعتبارات الأخلاقية، ويُبرَّر السلوك الخاطئ ما دام يحقق مكسبًا أو منفعة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن انهيار القيم لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بتطبيع الخطأ، ثم تبريره، ثم اعتياده، حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي. فما معنى أن يتحول التعامل بين الناس من الثقة إلى الحذر؟ وما معنى أن يصبح الوفاء نادرًا، والصدق محل اختبار، والاحترام قيمة مشروطة لا ثابتة؟ وأين ذهبت تلك الروح الاجتماعية التي كان فيها الكبير يحتضن الصغير، ويحترم الصغير الكبير، ويتداعى المجتمع عند الشدائد وكأنه جسد واحد؟ إن الحديث عن تراجع القيم ليس دعوة للتشاؤم، ولا تجنيًا على المجتمع، فمجتمعاتنا لا تزال عامرة بالخير، ومليئة بالنماذج المشرّفة من الرجال والنساء الذين يتمسكون بمبادئهم ويجسدون أفضل صور الأخلاق والإنسانية. لكن الاعتراف بوجود خلل هو الخطوة الأولى نحو معالجته، أما تجاهله فلن يوقف آثاره. إن مسؤولية استعادة القيم مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، حين تعود التربية إلى موقعها الحقيقي بوصفها بناءً للشخصية لا مجرد توفير للاحتياجات. وتمر عبر المدرسة التي ينبغي أن تكون مؤسسة لصناعة الإنسان لا مجرد فضاء للتلقين الأكاديمي. وتمتد إلى الإعلام، والمؤسسات الثقافية، والخطاب العام، وكل من يملك قدرة على التأثير في وعي الأجيال. كما أن استعادة القيم لا تعني العودة إلى الماضي بمعناه الجامد، وإنما تعني التمسك بالثوابت الأخلاقية مع القدرة على التفاعل الواعي مع متغيرات العصر. فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي يرفض التغيير مطلقًا، بل الذي يملك مناعة داخلية تجعله ينتقي ما يناسبه دون أن يفقد هويته. لقد علّمنا ديننا أن صلاح المجتمعات مرتبط بقدرتها على التناصح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل فقدنا القيم؟ بل: كيف نعيد إحياءها في أنفسنا ومحيطنا؟ كيف نجعل الاحترام سلوكًا يوميًا لا شعارًا؟ وكيف نربي أبناءنا على الأمانة والصدق والإخلاص في زمن تتعدد فيه المؤثرات وتتشابك فيه الرسائل؟ إن القيم ليست ترفًا اجتماعيًا، بل هي العمود الفقري لأي مجتمع يريد البقاء متماسكًا وقادرًا على مواجهة التحديات. وحين تضعف القيم، يضعف معها البناء كله مهما بدا قويًا من الخارج. اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا.
336
| 20 مايو 2026
في الحياة الإنسانية مشاهد كثيرة تمر بنا دون أن تترك أثرًا يُذكر، كأنها لم تكن. وفي المقابل، هناك مواقف عابرة في ظاهرها، لكنها تظل مستقرة في الذاكرة، نستعيدها كلما مررنا بموقف مشابه أو التقينا بشخصية تذكرنا بها. وليس بالضرورة أن تكون هذه المواقف عظيمة في حجمها، بل قد تكون بسيطة جدًا، إلا أن ما تحمله من دلالات ومعانٍ يجعلها أكبر من لحظتها العابرة. ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذهني، موقف حدث في أحد الاجتماعات الرسمية قبل سنوات طويلة، حين كنت أشارك في اجتماع يضم عددًا من المسؤولين ورؤساء الوفود. كان الاجتماع برئاسة مسؤول رفيع المستوى، يتولى إدارة الحوار وتوزيع فرص الحديث بين المشاركين. وكما يحدث في كثير من الاجتماعات، برز أحد الحضور بشكل لافت؛ كان متحدثًا لبقًا، سريع البديهة، حاضر الذهن، يمتلك قدرة واضحة على صياغة الأفكار وإدارة النقاش. وكلما طرح موضوع، وجد رئيس الاجتماع نفسه يعود إليه ويمنحه الكلمة مرة أخرى، لما يراه فيه من قدرة على إثراء الحوار. في البداية بدا الأمر طبيعيًا، فالمجالس تميل غالبًا إلى من يجيد التعبير ويملك أدوات الإقناع. لكن مع تكرار المشهد، بدأت علامات الضيق تظهر على بعض الحاضرين، خصوصًا أولئك الذين كانت لديهم آراء مخالفة أو مداخلات يرغبون في طرحها. وفجأة، لم يتمالك أحد رؤساء الوفود نفسه، فقال بنبرة جمعت بين المزاح والاعتراض: "لماذا تعطى الكلمة دائمًا لأسامة؟ ليت اسمي أسامة حتى أحظى بفرصة مماثلة!" ضحك الحضور، ومضى الاجتماع، لكن تلك العبارة بقيت عالقة في ذهني أكثر من كثير من تفاصيل الاجتماع نفسه. كانت جملة عفوية، لكنها تختصر جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ففي كثير من الأحيان، لا يحصل الناس على الفرص بالتساوي، ليس بالضرورة بسبب الظلم المتعمد، بل لأن بعض الشخصيات تفرض حضورها بقوة الحديث، وجاذبية الأسلوب، والقدرة على لفت الانتباه. إن الإنسان بطبيعته يميل إلى من يملأ الفراغ، ويقدم الأفكار بثقة، ويتحدث بوضوح، حتى وإن لم يكن دائمًا الأكثر عمقًا أو خبرة. وعلى النقيض، قد يوجد في المكان نفسه أشخاص يملكون علمًا أوسع، أو رؤية أكثر نضجًا، أو نية أكثر إخلاصًا، لكنهم لا يجيدون تسويق أنفسهم، ولا يملكون مهارة اقتناص اللحظة. وهنا تكمن المفارقة. فالمجتمعات كثيرًا ما تمنح الثقة لمن يُحسن القول قبل أن تختبر الفعل. بل إن بعض الناس يمتلكون قدرة استثنائية على تشكيل الانطباعات، حتى يصبح حضورهم طاغيًا على غيرهم، وكأنهم الخيار الطبيعي في كل موقف. وفي الموروث الشعبي يقال: "خذوهم بالصوت"، وهي عبارة تختصر واقعًا اجتماعيًا معروفًا؛ فليس كل مرتفع الصوت قوي الحجة، وليس كل كثير الكلام عميق الفكرة. غير أن حسن العرض قد يمنح صاحبه أحيانًا ما لا تمنحه الكفاءة وحدها. ولا يعني هذا التقليل من شأن البلاغة أو مهارة الحديث، فالكلمة قوة حقيقية، والقدرة على التعبير نعمة عظيمة. كم من شخص يتحدث كثيرًا لكنه قليل الإنجاز، وكم من آخر قليل الكلام لكنه عظيم الأثر. وهناك من يفضلون العمل بصمت، لا يجيدون الترويج لأنفسهم، ولا يزاحمون على المنصات، لكن نتائجهم تتحدث عنهم ببلاغة تفوق الكلمات. وفي بيئات العمل والإدارة والحياة العامة، يقع كثيرون في فخ الاعتماد المفرط على شخص واحد؛ فيصبح هو المستشار الدائم، والمتحدث المعتمد، وصاحب الرأي المقدم على غيره. ومع الوقت، يتحول إلى عدسة وحيدة يرى القائد من خلالها المشهد، رغم أن الحقيقة غالبًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا من أن تختزل في منظور واحد. العدالة في المجالس، كما في الحياة، لا تعني فقط إتاحة الفرصة للأكثر حضورًا، بل تعني أيضًا الالتفات إلى الأصوات الهادئة، ومنح المساحة لمن لا يطلبها بإلحاح. فليست الحكمة حكرًا على أصحاب الأصوات المرتفعة، وليست الكفاءة مرهونة بمهارة الحديث. وربما كانت تلك العبارة الساخرة: "ليت اسمي أسامة" أكثر من مجرد دعابة؛ لقد كانت تعبيرًا صادقًا عن شعور إنساني يتكرر في أماكن كثيرة: شعور من يرى الفرص تمر أمامه، لا لأنه أقل كفاءة، بل لأنه أقل ضجيجًا. وهكذا تعلمنا الحياة درسًا مهمًا: لا تنخدع دائمًا بمن يجيد الحديث، ولا تهمل من يجيد الفعل. فالقول يلفت الانتباه، أما الفعل فهو الذي يصنع الأثر ويبقى اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.
417
| 07 مايو 2026
إنّ "كفر النعمة" وجحود الفضل ليس بظاهرة وليدة اليوم، بل هو خصلة ذميمة رافقت المسيرة الإنسانية عبر العصور، وسجلت في صفحات التاريخ حوادث يضيق الحصر عن ذكرها. ورغم أن القصد ليس إشاعة التشاؤم، إلا أن استحضار هذه السلوكيات يصبح واجباً أخلاقياً ووطنياً حين يتصل الأمر بأمن الأوطان واستقرار المجتمعات، فكما أن في الدنيا أخلاقاً سامية تجعل الإنسان قدوة يُحتذى بها، فإن في مقابله طبائع بشرية متباينة، واختلافات جذرية تظهر جلياً حين ينجلي غبار الأزمات. الخليج العربي.. نسيجٌ من الود والاحتواء لطالما كانت منطقة الخليج العربي واحة استقرار ومقصداً لطالبي العيش الكريم من شتى بقاع الأرض. استقبلت هذه الأرض المعطاء "كوكتيلاً" من البشر، صهرتهم في بوتقتها، وتفاعلت معهم بودٍّ قلّ نظيره، حتى غدا المقيمون فيها جزءاً لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي، يحظون بالرعاية والاهتمام والتقدير جنباً إلى جنب مع المواطنين. لكن، وكما يقال في المأثور: "الحلو ما يكمل"، فالشدائد هي المختبر الحقيقي للمعادن، وفي النوائب يتجلى الصادق من الكاذب، وكما قال الشاعر: غداً ينكشف الغبارُ.. أفرسٌ تحتك أم حمارُ لقد كشفت الأحداث المتلاحقة التي مرت بها دول مجلس التعاون عن فئات تعيش بين ظهرانينا، تنعمت بخيرات هذه الأرض وأمنت في ظلها، لكنها عند أول بادرة أذى أو تهديد يمس المنطقة، أظهرت حالة من "التشفي" المقيت. هؤلاء الذين كنا نحسبهم يداً تعين وسنداً يشد الأزر، تحولت ألسنتهم إلى نبال مسمومة، وكأن هذه الأرض لم تقدم لهم يوماً طيبةً وإخاءً، بل إن المرء ليعجب حين يرى هذا الجحود، في حين أننا كأبناء للمنطقة لا نجد من المعاملة في الخارج ربع ما يجدونه هم بيننا من حفاوة وإكرام. منطق الثروة وعقدة "البداوة" لقد وضع هؤلاء الشامتون أنفسهم في مأزق أخلاقي، محاولين تبرير حقدهم بمنطق مغلوط، وهو ما فنده الراحل الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- إبان أزمة الكويت، حين رد على الذين يزعمون أن "هؤلاء البدو" لا يستحقون تلك الثروات، متسائلاً بمرارة: أين كنتم حين كان هؤلاء البدو يصارعون الجوع والفاقة؟ وهو المعنى ذاته الذي جسده الأمير خالد الفيصل في قصيدته الخالدة "حنا العرب"، حين قال واصفاً نظرة الجاحدين المتقلبة قبل وبعد اكتفاء الأرض بخيراتها: كانت فينا البداوه سَبوبه.. وبعد النفط جيتونا عرب وأنساب هذا التكالب الذي نشهده اليوم، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج أحقاد دفينة من القريب والبعيد على حد سواء. وإن كان من بين من عاشوا معنا من أخلص النية وأصبح جزءاً لا يتجزأ من تراب هذا الوطن، فأهلاً به وبطهر نيته، أما الحاقدون الذين "بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر"، فهؤلاء يعانون من إشكاليات نفسية وانعدام في القيم الإنسانية، لا يضرون إلا أنفسهم. أبواق الفتنة وجحود الأبناء والمؤلم حقاً، ليس جحود الغريب فحسب، بل تلك الفئة القليلة من "أبناء الجلدة" الذين تنكروا لفضل أوطانهم عليهم، واستحالوا أبواقاً مسمومة تبث آراءً شاذة في وسائل الإعلام. هؤلاء الذين يدسون السم في الدسم تحت مسميات "الإستراتيجية" و"التحليل"، ينطبق عليهم قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} إنهم كالصلّ، ملمسهم ناعم لكن سمّهم زؤام، كما قال الشاعر: إِنَّ الثَّعابينَ إِن لانَت مَلامِسُها... عِندَ التَّقَلُّبِ في أَنيابِها العَطَبُ كلمة أخيرة.. الأيام دول إلى كل من احتواه هذا الوطن ومنحه المكانة والنعمة: احفظ لهذا الكيان حقّه، واعلم أن الابتلاء سنة كونيّة، والزمن كفيل بفرز من حفظ النعمة ممن كفر بها، سواء أكانوا أفراداً أم دولاً دُعمت وسُندت في عثراتها ثم تنكرت. إلى المتشدقين والواهمين: إنكم ترون السقوط بعيداً ونراه قريباً، فالدول سجال، و"تلك الأيام نداولها بين الناس"، ومن يتشفى اليوم بمصابنا سيسقيه الزمان من ذات الكأس التي شربنا منها، فما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، والأمور كما شاهدتها دولٌ: "من سرّه زمنٌ.. ساءته أزمانُ". أتمنى ألا يفسر كلامي هذا ضد دولة أو شعب معين. حفظ الله أوطاننا من كيد الكائدين وجحود الحاقدين.
318
| 26 أبريل 2026
مع إشراقة الألفية الجديدة، عقدتُ العزم على السفر بَرّاً إلى المملكة العربية السعودية لأداء مناسك العمرة، وكان يرافقني سائقان. وكعادة المسافرين في ذلك الطريق، توقفنا في مدينة «الأحساء» للتزود بالوقود قبل أن نواصل المسير. هناك، وعند محطة الوقود، اقتربت مني سيدة مسنة بدا عليها ضيق الحال، فسألتني عوناً يسيراً. وبلا تردد، مددتُ لها يدي بما جاد به النصيب؛ كان مبلغاً متواضعاً بمعايير الدنيا، لكنه عند الله عظيم. ثم انطلقنا نكمل رحلتنا. بعد مغادرتنا الرياض، كنتُ أجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، والليل قد أرخى سدوله. فجأة، تراءت لنا شاحنة ضخمة تمضي أمامنا، وحين شرعنا في تجاوزها، انحرف قائدها بشكل مفاجئ وخطير، مسبباً ارتباكاً كاد أن يودي بنا. كنا على شفا حفرة من اصطدام مروع، لولا أن تداركتنا رحمة الله؛ إذ أمسكتُ بمقود السيارة بسرعة خاطفة، لننجو من ارتطام محقق في اللحظة الأخيرة. ولم ينتهِ الخطر عند هذا الحد، فقد كادت سيارة خلفنا أن تصطدم بنا، لكن الرعاية الإلهية كانت لنا حِصناً ودرعاً. حين استعدنا هدوءنا، استحضرتُ في ذهني ذلك الموقف البسيط عند محطة الوقود، وتلك الصدقة العابرة. شعرتُ في أعماق قلبي أن ذلك المعروف كان سبباً—بعد رحمة الله—في نجاتنا من هلاك محقق. وتكرر المشهد في رحلة العودة؛ حيث صادفتُ امرأة أخرى في محطة وقود فمددتُ لها يد العون. وفي ليلة مظلمة على أحد الطرق السريعة، واجهنا موقفاً يحبس الأنفاس: سيارة قادمة نحونا بسرعة جنونية في الاتجاه المعاكس! حاولتُ تنبيه السائق بإشارات ضوئية ليعود إلى رشده، لكن دون جدوى. ولم يجدِ نفعاً سوى الانحراف الحاد بالسيارة خارج الطريق المعبد إلى أرض لا نعلم تضاريسها. وبفضل الله وحده، نجونا من كارثة محققة، بينما مرّ السائق الآخر وكأنه غائب عن الوعي أو في حالٍ غير طبيعية، غير مدرك لحجم الخطر الذي تسبب فيه. توقفنا مرة أخرى، وقلوبنا تلهج بالشكر والتدبر، مستذكرين تلك العطاءات الصغيرة.. بسيطةٌ في مظهرها، لكنها جليلة في أثرها. منذ ذلك الحين، تعمّق يقيني بشيء واحد: صنائع المعروف لا تضيع أبداً. إن أصغر الصدقات قد تدفع كبار النقم، وتنجي الإنسان من موارد الهلاك. إنه الدرس الذي أحمله في قلبي حتى اليوم: «أن إغاثة الناس تعود إلينا في صورٍ لا نتوقعها، وأن اللطف الإلهي قد يتجسد في عملٍ صغير، لكنه يحمل أثراً يفوق الوصف».
570
| 20 أبريل 2026
في المشهد السياسي العربي المعاصر، تبرز ظاهرة تستحق التأمل والدراسة العميقة؛ وهي تصاعد نبرة العداء أو ما يمكن تسميته "بالتحامل الممنهج" ضد دول الخليج العربي. هذا العداء لا يقف عند حدود الاختلاف السياسي الطبيعي الذي يطبع العلاقات الدولية، بل يتعداه إلى حالة من الحنق الوجداني الذي يظهر في الخطاب الإعلامي والوسائط الرقمية. فما هي الدوافع الحقيقية وراء هذا الحقد؟ وهل هو وليد اللحظة أم نتاج تراكمات تاريخية ونفسية؟ أولاً: صدمة التحول من "الهامش" إلى "المركز" تاريخياً، استندت القومية العربية الكلاسيكية إلى مراكز ثقل حضارية لسنوات طويلة، كانت هذه العواصم ترى في دول الخليج "أطرافاً" جغرافية هامشية. ومع التبدل الدراماتيكي في موازين القوى نتيجة الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي الخليجي، مقابل التآكل في بنيوية الدول المركزية القديمة، حدث ما يسمى بـ "الانزياح الجيوسياسي". هذا الانزياح خلق حالة من "الإنكار" لدى بعض النخب العربية التي لم تستوعب بعد أن القيادة والريادة والقرار السياسي انتقل من ضفاف الأنهار إلى سواحل الخليج، ليس بقوة المال فحسب، بل بامتلاك الرؤية الإستراتيجية والقدرة على التنفيذ. ثانياً: مغالطة "الريع" وتجاهل "الإدارة" من أكثر مبررات الحقد شيوعاً هو اختزال النجاح الخليجي في "الثروة النفطية". هذا الخطاب التبسيطي يسعى لنزع الشرعية عن المنجز الخليجي وتصويره كمحض صدفة جيولوجية. * الحقيقة الغائبة: يغفل هؤلاء أن دولاً كثيرة في العالم (وفي المنطقة) تمتلك ثروات طبيعية هائلة لكنها تعاني من الفقر والفساد والحروب الأهلية. * الفرق الجوهري: التميز الخليجي يكمن في "الإدارة" لا في "الوفرة" فقط. إن بناء مدن عالمية من الصفر، وتطوير قطاعات الصناعه، والسياحة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، هو ثمرة عمل مؤسسي شاق، وهو ما يثير حفيظة الفاشلين إدارياً الذين يفضلون لوم "الحظ" بدلاً من الاعتراف بذكاء "المنافس". ثالثاً: "الاستعلاء الثقافي" كآلية دفاعية عندما يعجز البعض عن مجاراة التفوق المادي والتقني، يلجأون إلى "الاستعلاء الثقافي". يتم ترويج صور نمطية مشوهة عن المواطن الخليجي، وتصويره كشخص "مستهلك بلا عمق". هذا الخطاب هو في جوهره آلية دفاعية نفسية تهدف لتعويض الشعور بالنقص التنموي. هؤلاء يرفضون الإقرار بأن الخليج اليوم بات وجهة للعلماء، والمبدعين، والمفكرين، وأنه استطاع المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة بشكل تفوّق به على نماذج "الحداثة المشوهة" في أقاليم أخرى. رابعاً: تصدير الأزمات الداخلية وشماعة "الآخر" تستخدم بعض الأنظمة والتيارات السياسية المأزومة (سواء كانت يسارية متطرفة أو حركات أخرى) دول الخليج كشماعة لتعليق إخفاقاتها. * صناعة العدو: من الأسهل دائماً إقناع الجماهير المحبطة بأن سبب فقرهم هو "تآمر الخليج" أو "بخل الخليج"، بدلاً من مصارحتهم بفساد المنظومة المحلية أو فشل الخطط التنموية الوطنية. * الأدلجة: تقتات تيارات معينة على شيطنة النموذج الخليجي المستقر، لأنه يمثل النقيض لمشروعاتها الفوضوية أو الثورية التي لم تجلب للشعوب سوى الدمار. خامساً: القوة الناعمة و"الغيرة الدولية" لم يعد الحقد محصوراً في المحيط الإقليمي، بل امتد لدوائر غربية معينة ترى في الصعود الخليجي تهديداً لهيمنتها الثقافية أو الاقتصادية. * السيادة في القرار: التوجه الخليجي نحو "تعدد الأقطاب" وبناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب أزعج القوى التي اعتادت على لعب دور "الأستاذ" وصاحب الوصاية. * النجاح المبهر: الفعاليات الكبرى (مثل كأس العالم في قطر)، كشفت للعالم صورة مشرقة ومتحضرة، مما حطم القوالب النمطية التي صرف الغرب مليارات الدولارات لترسيخها عن الإنسان العربي. ** خاتمة: الضريبة الحتمية للنجاح إن هذا "الحقد الدفين" ليس في جوهره إلا اعترافاً غير مباشر بالتفوق. فالشجرة المثمرة هي وحدها من تُقذف بالحجارة، ودول الخليج اليوم لا تملك ترف الالتفات للخلف للرد على كل خطاب كراهية. إن الرد الأمثل الذي تنهجه العواصم الخليجية هو "الاستمرار في البناء". وثقة في أنفسنا فالتنمية هي اللغة الوحيدة التي لا يمكن دحضها، والنجاح هو البرهان الذي يسحق كل حملات التشويه. وفي نهاية المطاف، سيكتشف الحاقدون أن طاقة الكراهية التي يستهلكونها لن تبني أوطانهم، بينما طاقة العمل والبناء في الخليج تعيد صياغة مستقبل المنطقة والعالم. اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما
624
| 11 أبريل 2026
في ظل ما تشهده منطقتنا من توترات وصراعات دولية، ندرك جميعًا أن كثيرًا من هذه النزاعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ومع ذلك نجد أنفسنا في قلب تداعياتها، وفي عين العاصفة سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا. لكن ما هو أخطر من تلك الصراعات الخارجية، هو ما بدأ يتسلل إلى داخل البيت العربي من فتن وخلافات، تُغذَّى بالكلمة وتُشعلها الشائعات. لقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من الفتنة، وبيّن خطرها العظيم حين قال: “والفتنة أشد من القتل”. واليوم، نرى مصاديق هذا التحذير ماثلة أمامنا، حين تتحول بعض المنصات إلى أدوات لبث الإحباط، والتشكيك، والطعن في الآخرين، بدل أن تكون جسورًا للتواصل والتآخي. وإن مما يؤلم النفس أن تصدر بعض هذه الأصوات من داخل محيطنا العربي، بل ومن أشخاص كنا نظن أنهم الأقرب فهمًا والأحرص على وحدة الصف. نرى تهجمًا على دول الخليج، وتشكيكًا في إنجازاتها، بل وتشفيًا في أي تحدٍ تواجهه، وكأن روابط الأخوة قد تراجعت أمام نزعات الحسد أو سوء التقدير. لقد مرت دول الخليج بمراحل صعبة في تاريخها، وكانت في يوم من الأيام تعاني شظف العيش وقلة الموارد، إلا أن الله منّ عليها بنعمه، فكان التحدي في حسن استثمار هذه النعم. فجاءت النهضة نتيجة تخطيط وعمل واجتهاد، وسخرت الإمكانات لبناء الإنسان قبل العمران، فكان ما نراه اليوم من تقدم واستقرار. إن ما تحقق لم يكن صدفة، ولا منّة من أحد، بل هو توفيق من الله أولًا، ثم ثمرة إخلاص وجهود متراكمة عبر سنوات طويلة. ومن الطبيعي أن يلفت النجاح الأنظار، لكن غير الطبيعي أن يتحول ذلك إلى تشكيك أو تقليل من الجهود، أو محاولة بث الإحباط بين أبناء المنطقة. الأخطر من ذلك، أن بعض من يقوم بهذا الدور هم ممن يفترض أن يكونوا قدوة في الوعي والمعرفة، لكنهم اختاروا أن يكونوا جزءًا من موجة التشكيك، بدل أن يكونوا صوتًا للعقل والإنصاف. إن المرحلة التي نمر بها تتطلب منا جميعًا أن نرتقي بخطابنا، وأن نتحلى بالمسؤولية في الكلمة والموقف. فإما أن نكون عونًا على البناء، أو نصمت عن الهدم. فالكلمة قد تبني أمة، وقد تهدمها. وفي الختام، نؤكد أن الخير باقٍ في هذه الأمة بإذن الله، وأن وحدة الصف هي صمام الأمان في وجه كل التحديات. فلنجعل بوصلتنا دائمًا نحو الحق والخير، ولنحذر من أن نكون أدوات، ولو عن غير قصد، في إشعال الفتن التي لا تبقي ولا تذر. حفظ الله أوطاننا، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ — سورة القلم (10–13) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ — سورة الحجرات (6) اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا
318
| 01 أبريل 2026
لم يعد الاختلاف في عالمنا مجرّد تباينٍ طبيعي في وجهات النظر، بل تحوّل - في كثير من الحالات - إلى سلاحٍ يُستخدم لتصفية الحسابات، وإقصاء الآخر، وتشويه سمعته. المشكلة لم تعد في اختلاف الآراء، بل في العقلية التي تدير هذا الاختلاف، والتي باتت تميل إلى التصعيد بدل الاحتواء، وإلى الهدم بدل البناء. إن ما نشهده اليوم، على مستوى الأفراد كما على مستوى الدول، يكشف خللًا عميقًا في فهم معنى الاختلاف. فبدل أن يكون مساحة للحوار وتبادل الرؤى، أصبح ساحةً للمشاحنة، وميدانًا لتغذية الكراهية. تُرفع فيه الشعارات، وتُطلق فيه الأحكام، دون التزامٍ بمعايير العدل أو الإنصاف. الأخطر من ذلك، هو هذا التقلّب الحاد في المواقف؛ حيث يتحوّل الإعجاب إلى عداء، والثناء إلى هجوم، عند أول نقطة خلاف. وكأن العلاقات تُبنى على العاطفة لا على المبادئ، وعلى المزاج لا على القيم. في لحظةٍ واحدة، يُمحى كلّ رصيدٍ سابق، ويُستبدل بخطابٍ قاسٍ لا يعترف إلا بلغة الخصومة. هذا السلوك لا يعكس قوةً، بل يكشف هشاشة في الوعي، وغيابًا لثقافة التوازن. وقد لخّصت الحكمة العربية هذه الحالة بدقة “وعينُ الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ، ولكنّ عينَ السخط تُبدي المساويا”. في المقابل، يضع القرآن الكريم معيارًا صارمًا لا يقبل المساومة، حين يقول تعالى: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة: 8). إنها ليست دعوة أخلاقية فحسب، بل قاعدة حاكمة لضبط السلوك في أوقات التوتر، حيث يُختبر صدق القيم لا في الوفاق، بل في الخلاف. ومع تصاعد الحملات الإعلامية، وتضخيم الخلافات، بات من الواضح أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى توظيف الاختلاف لأغراض تتجاوز الحقيقة، وتخدم أجندات قائمة على التأزيم لا التهدئة. وهنا تتجلّى خطورة ما حذّر منه القرآن الكريم: “قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” (آل عمران: 118)، في توصيفٍ دقيقٍ لحالة الانفلات حين تُترك النفوس لأهوائها. إن استمرار هذا النهج يعني مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من التآكل في الثقة، ومزيدًا من الفوضى في الخطاب. ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بإعادة الاعتبار لثقافة الاختلاف بوصفها قيمةً لا ترفًا، وضرورةً لا خيارًا. نحن بحاجة إلى خطابٍ يعترف بالتنوّع دون أن يحوّله إلى صراع، ويحتكم إلى العدل دون أن يخضع للهوى، ويؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية - إلا حين تُفسده العقول الضيّقة. وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نملك شجاعة أن نختلف بعدل… أم سنبقى أسرى ردود الأفعال والانفعالات؟. اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا
492
| 29 مارس 2026
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...
8799
| 17 أغسطس 2026
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً...
7308
| 11 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...
2700
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...
1611
| 16 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...
1572
| 17 أغسطس 2026
من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...
981
| 17 أغسطس 2026
لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...
873
| 15 أغسطس 2026
«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات...
792
| 12 أغسطس 2026
فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...
654
| 17 أغسطس 2026
في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...
609
| 16 أغسطس 2026
تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي...
561
| 15 أغسطس 2026
إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري… شكراً...
522
| 16 أغسطس 2026
مساحة إعلانية