رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

Dr.hamad_55hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

483

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

حينما يصبح التدخل «حقاً» والانكفاء حصانة

22 يونيو 2026 , 11:31م

تعد ظاهرة "الازدواجية في المعايير" إحدى أعقد المشكلات التي تواجه النسيج الاجتماعي والفكري المعاصر، وتتجلى بوضوح في ميل بعض الأفراد إلى ممارسة دور "المراقب المُطلق" على حياة الآخرين، وتفكيك قراراتهم، وإصدار أحكام قطعية على نواياهم، وكأنهم يمتلكون حقاً حصرياً في صياغة الحقيقة الأخلاقية والاجتماعية.

تضخم الأنا وتجاوز "الملاعب": إن هؤلاء يمارسون سلوكاً تناقضياً صارخاً؛ فهم يتسللون بجرأة إلى "ملاعب الآخرين" – في إشارة إلى خصوصياتهم ومساحات حياتهم الفردية – يحللون خياراتهم، ويشرحون دوافعهم، وربما يحاكمون مواقفهم بمعايير لا يرضونها لأنفسهم. إنهم يبنون حول ذواتهم "سياجاً سيادياً" يصعب اختراقه، ويحيطون حياتهم الخاصة بهالة من القداسة التي تُصنّف أي استفسار عنها كنوع من "التعدي غير المقبول".

هذه المفارقة تضعنا أمام نوع من الاستعلاء النفسي، حيث يُنظر إلى حياة الآخرين ككتاب مفتوح مباح للمطالعة والنقد، بينما تُغلق أبواب حياتهم بمتاريس الصمت والسرية، فإذا ما حاول الآخرون استرداد حقهم في السؤال أو المناقشة، قوبلوا بردود فعل تتراوح بين الرفض القاطع، والاستياء، وأحياناً الهجوم الدفاعي الذي يصور السائل كمتطفل، متناسين أن الحقوق في الحوار لا تتجزأ.

الازدواجية: من الفرد إلى الفكر، لا يقف أثر هذه الظاهرة عند حدود العلاقات الشخصية الضيقة، بل يمتد ليلقي بظلاله الكثيفة على المشهد الفكري والسياسي. فهناك من يعتنق فكرة "الحقيقة الوحيدة"، مقتنعاً بأن رؤيته للواقع هي التفسير المرجعي الذي لا يقبل الجدل. وفي هذا السياق، تتحول الآراء المخالفة إلى "خطيئة" فكرية، ويُقابل أصحابها بالاستعلاء أو الازدراء.

إن غياب "التواضع الفكري" يدفع بالبعض إلى ممارسة الإقصاء، لا من خلال نفي الآخر فحسب، بل من خلال تجريده من مشروعيته في التفكير أو التحليل، مما يولد مجتمعات تعاني من تآكل جسور الثقة والمصداقية.

سطوة المنصات الرقمية ومأزق المعايير: لقد جاءت منصات التواصل الرقمي لتكشف عن عمق هذه الازدواجية؛ فعلى الرغم من أنها أتاحت فضاءً غير مسبوق لحرية التعبير، إلا أنها أصبحت مرآة كاشفة للنوايا؛ إذ نرى بوضوح كيف يطالب البعض بحرية التعبير كحق مقدس لهم، بينما يمارسون الرقابة الصارمة على الآخرين.

إننا نعيش في عصر يرفض فيه الكثيرون النقد عندما يطول أفكارهم أو دوائرهم الضيقة، لكنهم يفرطون في ممارسته ضد الآخرين تحت ذريعة "النقد العام" أو "الرأي الصريح". هذا التناقض الرقمي ليس سوى انعكاس لغياب الضبط الأخلاقي للذات، حيث يُستخدم الفضاء المفتوح كأداة لتصفية الحسابات الفكرية بدلاً من كونه جسراً للحوار التشاركي.

نحو وعيٍ مُتزن: التواضع الفكري كضرورة اجتماعية، إن الحوار الحقيقي ليس ساحة لفرض الهيمنة الفكرية، ولا هو وسيلة لإثبات تفوق الرؤية الخاصة، بل هو عملية معرفية تبادلية تستند إلى الاعتراف باختلاف التجارب البشرية وتعددية القناعات.

1. المساواة في الحقوق: أن يمنح الآخرين حق السؤال كما يمنحه لنفسه، وأن يدرك أن حرية التعبير مبدأ شمولي لا يتجزأ.

2. احترام المسافات: أن يدرك أن الاحترام المتبادل يبدأ من تقدير ملاعب الآخرين وعدم اقتحامها بغير إذن، تماماً كما يرفض هو اقتحام خصوصياته.

3. فصل الاختلاف عن العداء: أن يستوعب أن احترام الرأي الآخر لا يستلزم بالضرورة تبنيه، بل يستلزم الإقرار بمشروعية وجوده في المشهد.

إن المجتمعات الأكثر توازناً ورقياً ليست تلك التي يتحدث أفرادها بصوت واحد أو ينصهرون في قالب فكري موحد، بل هي المجتمعات التي تتسع للاختلاف، وتؤسس لحوار يقوم على الإنصاف، وتعتبر التواضع الفكري صمام أمان يحفظ للحوار معناه، وللإنسان كرامته ومكانته.

نسأل الله العلي القدير أن ينفعنا بما علمنا، وأن يلهمنا الرشد في القول والعمل، ويفتح بصيرتنا لنرى الحقائق بعيون الإنصاف لا بعيون الأهواء.

اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً.

اقرأ المزيد

متى ترحل؟ متى ترحل؟

يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم... اقرأ المزيد

516

| 01 يوليو 2026

هل طالنا التبلد !؟ هل طالنا التبلد !؟

للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر،... اقرأ المزيد

162

| 30 يونيو 2026

حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب

نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين... اقرأ المزيد

213

| 30 يونيو 2026

مساحة إعلانية