رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت القضية الفلسطينية بأزمات ارتبطت بتواريخ منذ مطالع القرن الماضي وصولا إلى الانقسام بين غزة والضفة ومرورا بحروب واجتياحات ومعاهدات واتفاقات ولكنها جميعا كانت تحمل في ثناياها أملا بالتحرك وقدرة القائمين على المشروع الوطني الفلسطيني رؤية صائبة في نظر أصحابها وخاطئة أو منحرفة في نظر خصومهم.. أما اليوم فالمشروع الوطني الفلسطيني كله متأزم من مقاومة وتسوية ونظريات ووقائع على الأرض.. أزمة لم يمر بمثلها من قبل؛ فالانقسام بين فتح وحماس وفقدان فرص كثيرة للتصالح يحتحته، وانغلاق مشروع التسوية وتحكمات الاحتلال بالسلطة والجمود الذي يلف غزة بالحصار وعدم القدرة على المبادأة يخنقه، والإرهاق الاقتصادي والبطالة والإعواز الذي يعيشه الناس يرهقه، والتهويد الذي يجري جريا في الدم واللحم الفلسطيني الحي ثم الاستيطان الذي بات يهدد الحياة العادية والنشاط اليومي للشعب الفلسطيني يفتته.. بالتالي فقد صار من المحرمات الدينية والمنكرات السياسية والموبقات الأخلاقية أن يقبل أحد بهذا الحال عن مجاملة لأحد أو عن خوف منه أو عن تقديم مصالحة الخاصة على اعتبارات الوطنية والتاريخ والأمة والقضية.
في كل الأحوال من الضروري تقرير جملة الحقائق الآتية لوضع الأمور في نصابها من البحث والنظر وهي مما لا يكاد يختلف عليها اثنان عدلان عاقلان عارفان بالحالة الفلسطينية ونوع وحيثيات أزمة المشروع الوطني التحرري.. وأقول:
حقيقة أنه ومع كل الاحترام للقيادة الرسمية للسلطة والشعب الفلسطيني بذاتها واعتباراتها وما تمثله فليس من حقها أن تستمر في مشروع ثبتت خطورته.. وها نحن أمام الجدار وجها لوجه.. فيما هي لا تزال تصر وبدون منطق على أنها قائدة المرحلة وأن مشروعها هو الأمل الموعود واللواء المعقود وأن لا تحرير ولا استقلال بدونها؛ فإن تساءلنا عن خططها وهوامشها وأدواتها ووسائلها وإمكاناتها (بالطبع سوى تسيير الحياة اليومية الجزئية لأهل الضفة) فلا نجد إلا لغة إنشائية ركيكة وجملة عبارات مكررة وانتظار ما يتفضل به العدو.. أما العمل السياسي لديها فمقطوع عن القوة الحقوقية والإعلامية وعن اللغة الدبلوماسية وعن العلاقات العامة وعن القوة الاقتصادية والعسكرية والمجتمعية عموما.. وهل يُقبل في عقل أو في دين أو في واقع أن تسعى ثورة للتحرير فيما هي تتعاون مع العدو أمنيا وتكتفي من العمل السياسي بتسوية ميتة ومفاوضات عقيمة وتنازلات مجانية وترجيات مهينة.
وحقيقة أن العدو الصهيوني عندما قبل بالسلطة وأدخل من أدخل من الثوار لفلسطين! لم يفعل ذلك ليقيم لهم كينونة سياسية أو دولة وطنية (هذه حقيقة أثبتتها تملصاته المستمرة من الالتزامات، وأثبتها التواطؤ الأمريكي معه، ويثبتها الواقع).. وعليه فتفكيك السلطة إذا تحتم – وأرى أنه تحتم - يجب أن ينظر إليه على أنه خطوة معاكسة للاستراتيجية الصهيونية.. ويجب أن يصير مطلبا فلسطينيا وطنيا يعني الانطلاق فورا إلى تفجير كل الإمكانات الفلسطينية في وجه الاحتلال ويعني إلقاء كرة اللهب الثوري في وجهه ووجه عملائه من الأنظمة المتصهينة وفي وجه الأمم المتحدة والرباعية المتواطئة معه.. ولابد من إلغاء كل الالتزامات والاعترافات والاعتمادات التي اكتسبها العدو من وجود السلطة سرا أو علنا.
وحقيقة أن القضية الفلسطينية بامتدادها القومي والديني والفكري وبأبعادها السياسية والتاريخية والأمنية وبماضيها وحاضرها ومستقبلها هي أكبر من كل الأشخاص والأحزاب والاتجاهات، وعليه فلتذهب إلى قعر جهنم كل الخلافات والمصالح والمحاور الشخصية والحزبية والاتجاهية التي تعطل التحرير أو تتقدم عليه فضلا عن أن تغتاله أو تخونه، فلا تجوز المقايضة بين المكاسب الوطنية العامة والتاريخية بأية مكتسبات أو عوائد شخصية كما لا يجوز أن تبنى المواقف على أساس الخوف الشخصي لأي كان ومن أي كان.. وهو – للأسف – أخطر ما تعاني منه قيادة الشعب الفلسطيني الحالية التي تتحرك تحت الخوف من مصير كمصير عرفات أو الطمع في السلامة والغنيمة لأنفسهم وذويهم وحزبهم.
وحقيقة أن المستقبل وخياراته تنبنى عضويا وتلقائيا على الحاضر وعلى الماضي كتجارب ومحصلات، وللشعب الفلسطيني تجارب في السياسات والحركات والقيادات والإنجازات ويجب البناء عليها ولا يجوز تجاهلها.. وعليه فليس يصح تجاهل المقاومة ونجاحاتها وإنجازاتها وهي التي كنست الاحتلال من غزة ولاحقت العدو في عقر ما كان يعتبره بيته وعرينه ودحرت جيوشه وأسرت جنوده ثم حررت الأسرى الذين لم يكن من أمل لتحريرهم بغير ذلك.. هذه المقاومة يجب احترامها وتقديسها وتجاهل التفاصيل الصغيرة من الملاحظات الموضوعية أو غير الموضوعية التي تؤخذ عليها.
وحقيقة أن السلطة لا تملك الكثير من أدوات الحسم وهي تحت الاحتلال وفي ظل انشغال البعض العربي بهمومه الداخلية أو تشاغلهم بها ولكنها بالتأكيد تستطيع أن تفعل شيئا ما بما للقضية من وجاهة لدى شعوبنا ولدى الرأي العام الدولي وبما يعضدها من قرارات دولية وثوابت إنسانية وأخلاقية وبما تمثله هذه السلطة بالنسبة للشعب الفلسطيني، وما يجب أن تكونه من رافعة لكل الحالة الثورية في المنطقة وبما يخدمها من قانون ومؤسسات دولية.. ولنا أن نتخيل حال الكيان لو أن السلطة والفصائل على قلب رجل واحد ولو أنهم يعملون في الممكن المتفق عليه في حين تشتعل المنطقة بالثورات وتتغير فيها الولاءات وفي حين يعطل العدو كل السبل ويمارس كل أنواع الابتزاز والاستفزاز.. إنها إذن الانتفاضة الثالثة وعندها سنجد العدو هو الذي يتلطى على أبواب الوساطات للخروج من الأزمة.. هذا لا أقوله لإلقاء اللائمة على طرف دون الآخر ولا نسيانا للظرف الشائع الذي تعمل تحته السلطة ولا دفاعا عن خصوم السلطة الذين عليهم أن يقدموا الأسباب وربما هم يقدمونها أو معظمها؛ ولكن كما قلت ضمن الممكن ولأنها السلطة ولأن القضية هي القضية الفلسطينية.
وحقيقة أن الاختلافات الفلسطينية داخل السلطة أو بينها وبين أي من الفصائل كحماس وغيرها إنما هي اختلافات وتباينات طبيعية مهما كانت العناوين التي تقع تحتها وبالأخص ما يتعلق منها بالخيارات الكبرى ( مفهوم الدين، وحدود الوطن، ومناهج الإصلاح، وأمور السلم والحرب) وقد وجد أمثال هذه الاختلافات في كل الثورات التي لم تنقسم ولم يخوّن بعضها بعضا.. فلا يصح ولا يليق أن تصير سببا للانقسام والقطيعة، بقدر ما لا يصح ولا يجوز تناولها بفردية ولا أن يتكلم فيها من هب ودب ولا أن ترجم بسفاهات الرأي وسقيمات الفهم بحجة اختلاف وجهات النظر ؛ ولكن تتناول بمسؤولية جادة ووطنية صادقة واحترافية عالية وبعمومية شاملة فهذه الخيارات الكبرى وأضدادها ليست وجهات نظر.
آخر القول: المشروع الفلسطيني التحرري كله مأزوم من تسوية ومقاومة، ولا يجوز أن يظل الشعب الفلسطيني ساكنا متقبلا كل ما يقع عليه من غبن واستضعاف وتخريب مهما كانت وطنية القائمين على أمره؛ فالوطن يقتطع وإمكانيات إقامة دولة مستقلة تتلاشى والعالم العربي والإسلامي مشغول كل بهمومه الداخلية وجبهة الممانعة يعتريها ما نرى من الطائفية والانفكاك وربما ستأخذ وقتا لتعود للسكة.. فليس بعد هذا مجاملات ولا مناورات وعلى الشعب الفلسطيني وقواه الحية من فصائل ومستقلين ونخب وعامة أن يتحركوا في الهوامش الممكنة وصولا لما يظن أنه مستحيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026