رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أذكر أنني في أول زيارة لي للشام في يونيو من العام 1991 وقعت في غرامها فور أن وطأت قدماي أرضها وما كتبته في الزميلة الراية آنذاك شاهد على هذا الغرام الذي بدأ بالقراءة والمتابعة وانتهى برؤية العين المجردة وهو ما منحه التوهج لعشقي لها والذي ما زال يرافقني حتى اللحظة وأظنه أنه لن يغادرني .
بيد أن سوريا الوطن الشعب ليست هي سوريا النظام وإن كنت لم أختلف معه قبل تفجر ثورة الشعب قبل ثمانية أشهر بسبب توجهاته القومية ووجوده على خط المواجهة الأول مع الكيان الصهيوني وقيادته لتيار المقاومة أو بالأحرى الممانعة على مدى العقود الأخيرة وإن لم يشارك على نحو مباشر في أي مواجهة مع الكيان وبالذات في مرتفعات الجولان التي ما زالت خاضعة للاحتلال منذ يونيو في العام 1967
ومن ثم فإن الخلاف مع النظام - لاسيما نظام بشار الأسد - لا يعني مناهضة سوريا المكان والمكانة الشعب والوطن وهو ما يعني أنها تتربع في قلوب أبناء العروبة جيمعا وأظن أن ذلك هو السر في الحرص عليها من قبل أشقائها العرب واندفاعهم في حميمية لمساعدة الحكم على التخلص من ورطته التي أدخل نفسه فيها منذ إعلانه المواجهة مع شعبه الذي ثار مثله مثل شعوب المنطقة مطالبا بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية عبر تظاهرات سلمية اجتاحت مختلف المدن لكن بشار وبطانته رأوا أن ذلك لا يبنغي فليس من حق الشعب أن يطالب وإنما عليه أن يتلقى هبات الحكم ويتنفس من هوائه ولا يخرج أبدا عن النص المحدد له من قبل بشار وزبانيته من أشقاء وأصهار ورجال أعمال يمسكون بمفاصل الوطن ورقاب العباد وليس ثمة ما يمنع من خروج نفر يمارسون غواية.
الهتاف للزعيم الذي لم يعد شابا بعد أن أصابته لعنة السلطة والاستمساك بها بل القبض عليها بالحديد والنار.
لقد حدد الأشقاء العرب مبكرا جملة من الخطوات التسي رأوا أنها تمثل إنقاذا لسوريا من براثن السقوط فى هاوية الفوضى والاحتراب الداخلى وطلبوا عبر مبادرة أقرت فى اجتماع وزاري طارئ في شهر أكتوبر الماضى وتوجه الأمين العام للجامعة العربية إلى دمشق وقابل بشار الذي قدم له وعودا باتجاه حلحلة الأزمة لكن سرعان ما لفظ الواقع هذه الوعود واستمر النظام مطلقا قوات الجيش المعدة في الأساس لمواجهة الكيان وتحرير الأرض المحتلة ومعها قوات الأمن في مواجهة مع المتظاهرين السلميين فسقط الآلاف شهداء وجرحى ومقعدين فضلا عن الدمار الذي لحق بمنازلهم وممتلكاتهم وإصابة الوطن بحالة من الكآبة والاحتقان والبلادة وكرات النار التي لاتكف عن ملاحقة الأرض والعباد.
ومع ذلك فإن العرب لم يسكنهم القنوط فقرروا تشكيل لجنة وزارية برئاسة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وتضم في عضويته وزراء خارجية مصر والسودان والجزائر والسودان وسلطنة عمان وتوجهت بعد فترة عناد وتحفظ إلى دمشق - يوم الأربعاء قبل الماضي - وخرج رئيس اللجنة ليقدم البشارة بأن ثمة أجواء ودية وصريحة سادت اللقاء مع الرئيس بشار وهو ما منح بعض الأمل فى مقاربة سورية لطروحات ومحددات المبادرة التي حملتها اللجنة والتي سرعان ما استكملت مداخلاتها بالدوحة يوم الأحد قبل الماضي .
وجاء مساء الأربعاء الماضي محملا بعبير موافقة سورية على خطة العمل العربية التي تتضمن أربعة بنود رئيسية هي : وقف العنف ضد المحتجين وسحب الآليات العسكرية من الشوارع والإفراج عن المعتقلين والبدء في الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني بين الحكومة ومكونات المعارضة السورية وسادت القاهرة في ذلك المساء الذي اتسم بطقس لطيف مناخات من التفاؤل الرسمي بيد أنه على المستوى الشعبي خاصة من قبل المعتصمين من أبناء الجالية السورية على الرصيف الملاصق لمبنى الجامعة كان الطقس ملبدا بالغيوم وسحب الغضب الذي ارتفعت صيحاته بعد الانتهاء من القاء بيان الاجتماع الوزراى منددة بما أسمته بصمت الجامعة العربية تجاه جرائم بشار ومطالبتها بإقصائه عن السلطة وإغلاق باب الحوار معه فلم يعم ثمة جدوى من الحوار ولكن يمكن التفاوض مع نظامه لتسليم السلطة وبحث ترتيبات رحيلهز
صحيح أن ثمة أنباء وردت من دمشق عن بدء الجيش السوري في الاستعداد للانسحاب من المدن والبلدات وأن هناك خطة متدرجة للإفراج عن المسلحين لكن المعضلة تكمن في أن ثمة انعدام ثقة في طروحات النظام التى يمكن اعتبارها - وفق رؤية دوائر معارضة ومحللين سياسيين – محاولة لكسب الوقت ونوعا من المناورة الالتفافية واستجابة مؤقتة للضغوط العربية والإقليمية والدولية لكن جوهر استراتيجية النظام يظل كما هو بعيدا عن أي مقاربة للتبديل والتغيير وهنا تتجلى ملامح الخطر لأن الخطة العربية غير قابلة ل "اللف والدوران "والتعبير للشيخ حمد بن جاسم الذي دعا إلى التطبيق الجاد والفوري لبنودها وذلك ليس من باب الأوامر -كما يقول – وإنما من منظور الحرص على استقرار سوريا وشعبها.
وأظن أن هذه الخطة بعناصرها التى قوبلت بالارتياح العربي فضلا عن الارتياح الاقليمى والدولي وهو ما جسدته سلسلة البيانات من مختلف الدول الكبرى والمؤثرة بما في ذلك روسيا والصين اللتان تقدمان الإسناد السياسي واللوجستي لدمشق تمثل الفرصة الأخيرة أمام بشار ورجاله والذين بات عليهم أن يضعوا فى حساباتهم أن معادلة الاستبداد والقمع والاستمرار فى السلطة لم تعد قابلة للتمدد زمينا أو القبول بها شعبيا فالشعوب العربية بدأت في تذوق طعم الربيع المدهش والممتع بعد أن ظلت تتذوق على مدى عقود حكم النار, فما الذي يدفعها إلى القبول به وما الذي يمنعها من الاستمرار في المواجهة مع النظام حتى لو أدى الأمر إلى حمل السلاح وإعلان القتال والمقاومة مثلما حدث مع نظام العقيد القذافي في ليبيا فانتهى به الأمر إلى القتل والسحل تنفيسا لغضب وقهر أكثر من أربعة عقود .
فهل يدرك بشار ورجاله من زمرة السلطة الجنهمية في سوريا والمعروف عنها قساوة القلب أن تطبيق الخطة العربية هو إنقاذ له من حبل مشنقة الشعب والتاريخ معا ؟ فبوسعه أن يستوعب دروس مبارك وبن علي والقذافي ويسارع إلى التصالح مع شعبه من خلال القيام بإصلاحات جوهرية تطال هيكلية النظام الذي كرسه والده حافظ الأسد بما يحقق انتقالا سلميا للسلطة عبر آلية الاقتراع المباشر وتحت رقابة القضاء والعالم وفتح أبواب الحرية والعدالة الاجتماعية الحقيقية.
إنني لا أتمنى لبشار مصيرا مماثلا للقذافي فهو أكثر ذكاء منه لكن ما أخشى عليه هو وقوعه تحت فخ التقارير التي تؤكد له أنه ليس مبارك أو بن على أو القذافى وان سوريا ليست مصر أو تونس او ليبيا فقد ثبت أن من يردد مثل الأقاويل لا يدرك إرادة الشعوب وقدراتها وإمكاناتها التي تستمدها من الخالق الأعظم الله سبحانه وتعالى والذي لا يبخل عليها بالعون والإسناد العلني والخفى مثلما مع حدث مع شعوب مصر وتونس وليبيا والتي انتصرت على مستنقعات حكم فاسدة وأشد استبدادا وقدرة على امتلاك القمع من نظام بشار .
ما أخلص إليه ,أنه على بشار أن يتجاوب مع عقلانية الطرح العربي ولا يصير رهينة لأصوات داخل الحلقة الضيقة المحيطة به وتظهره بأنه مختلف عن غيره من الحكام , ليتعامل فحسب مع الحقائق التي تواجهه ,وفي مقدمتها أن ثمة شعبا انخرط في الثورة وقدم الشهداء ولن يوقفه إلا التسليم بمطالبه التي تصب في إعادة المياه إلى بردي وتتويج الشام على عروش الجمال والغبطة والسكن والحرية في أمة استيقظت فيها صحوة لن تكف عن معانقة البشر والأوطان.
السطر الأخير:
هو البحر يسكنني أم أسكنه
مقيم في الوجدان أم قابض على الروح
استعدت في حضرته براءتي القديمة
جروحي المسافرات
عنفوان عشقى
نوارسه اللائي يرسمن البهجة المستدامة
وجهى الذي غابت ملامحه
فاستنار في غمضة عين
بانت أشواقه
اندثر وجعه
لم يعد جوع بالسواحل
استيقظت زرقاء اليمامة
اجتاحتنى نذر القيامة
غاب البكاء عن صباحاتى
صار الياقوت بهجة لمساءاتي
elazab1@gmail.com
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
437
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
310
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026