رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تذكرت مشهد وضع فيه خروشوف حذاءه فوق منبر الأمم المتحدة وطرق به المنبر متوعدا أمريكا عام 1960، وحديثا لنتنياهو في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يشرح لهم ما تقبله إسرائيل من إيران وما لا تقبله والجمعية العامة على رأسها الطير، وكأنه يضع حذاءه فوق المنبر، وكأن إسرائيل هي القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم مطلقة الإرادة في فعل ما تشاء وقتما تشاء وحيثما تريد، والأمثلة بلا حدود ودون أي رد فعل من عالم أكلت القطط ألسنتهم وطحنت أمريكا إراداتهم، وتمثلت الرئيس المنتخب وكأنه يضع نعل حذائه في وجه كل قوى المجتمع المصري، متناسيا أن نعل حذائه يحمل من الثقوب ما لا حصر له، وأنه ملطخ بدماء شباب وثورة، وإن فتح الباب أمام حديث الأحذية لا رادع له، وإن الشعب قام بإزاحة رئيس سابق في مواجهة قوات أمنه التي عجزت عن الصمود أمام إرادة الشعب، ولم يكن الشعب قد استخدم أحذيته بعد.
الإخوان ليسوا ذئاب المجتمع وغيرهم من الحملان، ولكن الحقيقة أن مصر ورثت بعد الثورة الشعبية، قطيعا من الأحزاب والجماعات والنخب السياسية، أقل ما يوصف به أنه غريب عن ثورة الشعب، وأن السبب الحقيقي لوجودهم هو الفراغ الذي نجم عن ذهاب الحزب الحاكم السابق، وعدم وجود تنظيم للثورة يتحمل مسؤولية أهدافها ويملك رؤية لتحقيقها ويحشد قوى المجتمع وراء هذه الأهداف.
لم يكن المجلس العسكري هو راعي هذا القطيع، ولكن الحقيقة أن أمريكا هي الراعي، وأمريكا تبيع القطعان التي ترعى عندما يحين وقت ذبحها.
هذا القطيع استشرى في بدن مصر الدولة كفيروس الإيدز الذي يقضي على المناعة الذاتية للجسم البشري، بعد أن استحوذت عناصره الحديث باسم الثورة والديمقراطية والبكاء على الدم المسفوك فوق الإسفلت، سواء تحت رايات دينية أو رايات غير دينية.
أحذية وقطعان وفراغ يملؤه غير المهيئين له والموقف يتداعى والكل يلهث، والأفق ملبد بغيمة الذكرى الثانية للخامس والعشرين من يناير، والحوارات على برامج التلفزيون صارت كحالات الاجترار ولا تحمل جديدا، والمشاهدون يجرون إلى برامج تحول ألفاظا نابية متداولة في الشارع إلى كلمات مقبول أن تقال على مسامع الملايين، والسخرية من الذات صارت مبعث الضحك وكأن حالة الهوس بلغت مداها.
الإخوان والجماعات الإسلامية قضت عمرها في الظلام وتحمل فوق كتفها أوزار القتل في تاريخها، والتعامل مع الأجهزة داخليا وخارجيا، فتخبطت وانكشف وجهها الحقيقي وما تضمره تجاه وطن وأمة واتضح أمامها عدم قدرتها على هدم الهوية المصرية ولكنها هدمت أسماء كانت تمثل داخل المجتمع نوعا من الانحياز ضد السلطة السابقة عندما انحرفت بهم كما جرى مع البشري والغرياني ومجموعة القضاة المستقلين، بل إنها تجاوزت كل ذلك وتجرأت على إحداث فتنة داخل الدين الإسلامي ذاته، وتتوعد وتكذب، وكما سرقت الثورة، سرقت الدستور، وكما أشعلت وأججت الفتنة بين الشعب والجيش، ها هي تنادي بحق ليهود مصريين أن يعودوا لمصر متهمة جمال عبدالناصر الذي حاولوا اغتياله عام 1954أنه طردهم من مصر على غير الحقيقة والوقائع التاريخية، وفي الوقت ذاته يجري وأد حقيقة الخطر الكامن في إسرائيل، بل بلغ الأمر حسب خبر عاجل من سيناء أن الإخوان والجماعات الإسلامية تحرض مشايخ سيناء على الجيش المصري، وتجاوز الأمر كل هذا إلى تحريض من عناصر إسلامية ضد عدد من الأسماء التي تنتسب إلى شباب التحرير ويصاب أحدهم بطلق من الخرطوش ينتشر بوجهه ورقبته وكاد أن يصيب المخ، ومازال تحت العلاج وآخر بثلاث طعنات في البطن وتم علاجه، هل هي نقلة جديدة بعد مواجهات 5 ديسمبر أمام الاتحادية عندما هاجمت جماعات من الإخوان المعتصمين هناك وتقتل 10 من المعتصمين، أم أنه انفلات وليس مخططا؟ وسواء أنه عمل منظم أو هو انفلات فإن تحقيقات الاتحادية تعرضت لمحاولة الإجهاض من النائب العام الجديد الذي عينه الرئيس المنتخب. ورغم كل ذلك فإن الإخوان ومن معهم ليسوا بالذئاب، بل هم ضمن قطيع الراعي الأمريكي.
الإخوان ومن معهم ليسوا بالأقوياء وليس وراءهم من يدعمهم، ولا أدل على ذلك غير حرق مقارهم ووقائع الإسكندرية والمحلة الكبرى عندما كانوا يلوذون بالفرار أمام جماهير غاضبة، وهم أيضا لا يملكون قوة تتمثل في القدرة على إدارة دولة، والغريب أن الراعي الأمريكي ينصحهم بعدم الاعتماد على الأغلبية التي تحققها الصناديق فهي حتى اللحظة لم تحدث توازنا لصالحهم، بل رغم الأغلبية منذ استفتاء 19 مارس حتى استفتاء الدستور، فإنهم فقدوا القبول السياسي والاجتماعي بين الشعب.
ومن يقف في مواجهتهم، يفتقد أيضا ظهيرا شعبيا، بل انكشف أمام الشعب وعناصر الثورة، واختار ذات لعبة الصناديق، وهو لا يملك أدواتها، بل واكتفى بالأسماء والعداء للإخوان والتيارات المتحالفة معهم كمبرر للبقاء، فخسر قيمة أن يطرح رؤية ليس امتناعا عن ذلك، ولكن لأن ذواتهم البشرية عششت كما العنكبوت داخل العقول وصارت شخوصهم والسلطة والصندوق هي الوطن.
الكل يسهم في اغتيال الوطن... ولا أستثني منهم أحدا.
المشهد يحفل بصور تستدعي الرثاء..
1. لا أستطيع الحصول على نسخة كاملة للدستور الذي جرى الاستفتاء عليه.
2. أن قانون الانتخابات الجديد تجري صياغته بين وزارة العدل وبين مجلس الشورى الإخوانيين، وسيتم إقراره، ونحن ننتظر حكم الدستورية بشأن مدى صحة مجلس الشورى يوم الثلاثاء 15 يناير.
3. أن التناطح بين الإخوان وحلفائهم وبين الأزهر والقضاء والإعلام مستمر وبكل الإصرار والخروج على المألوف.
4. أن أعضاء النيابة في مصر يواجهون تعيين النائب العام ويصفونه بأنه تعد على السلطة القضائية التي توجب أن يختار المجلس الأعلى للقضاء النائب العام، والرئيس المنتخب مستمر في عناده، وهاتوا آخر ما عندكم!!
5. أن عناصر في الإعلام بدأت مؤخرا بناء جبهة في مواجهة الاعتداء على حرية الصحافة والإعلام.
6. أن يخرج مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية والذي أصبح بديلا لوزير الخارجية، ومعه رئيس جهاز المخابرات إلى دولة الإمارات العربية، لبحث أمر القبض على 11 مصريا اتهموا بتكوين خلية إخوانية، بينما هناك ما يزيد على 300 مصري لم يجدوا من يبحث أمرهم هناك.
7. أن اقتراح العريان بشأن اليهود المصريين الذين خرجوا من مصر وحقهم في العودة، لم يكن من بنات أفكاره، ولكنه رد على مطالبة نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في أكتوبر الماضي بحل أزمة 850 ألف من اللاجئين اليهود في إسرائيل والذين أخرجهم العرب من بلادهم، وحقهم في العودة والتعويض، وتذكرت استجابة بيجن للسادات.
8. أن دعوة تصم الآذان بإصدار صكوك أعلنوا أنها إسلامية، ترهن أصول الدولة، ومازال الأزهر يرفضها.
ليس هناك طريق سهل أو مختصر للوصول إلى القوة الثالثة التي تعبر عن إرادة الشعب في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، ولكن وجود القوة الثالثة صار ضرورة لإنقاذ الوطن من الاغتيال، فهل يخرج من 25 يناير القادم بداية جديدة للقوة الثالثة.
قالت مهندسة شابة بحكمة فاقت حكمة المسنين والنخبة والساسة:
لو كان للثورة قائد أدرك أهدافها وامتلك الإرادة التي تعبر عنها، وحقق ما نصبو إليه، لنجح خلال العامين الماضيين أن ينجز إنجازا رائعا، ولكن الإنجاز المادي فوق الأرض كان سيفقدنا حالة اليقظة الشعبية...
وأكملت: الآن تنكشف الحقائق أمام الشعب، نعم نحن ندفع ثمنا متكررا لما كنا نطالب به، ويضيع منا زمن نحن أحوج ما نكون إليه، ولكن هذا ثمن مضاف ليبقى الشعب في حالة اليقظة ويقبض على أمره بيده ويحول دون إعادة بناء جدار الخوف،
حقيقة هو جيل يثق في نفسه ويرى أن البناء الشعبي لأهدافه وتحقيقها هو سبيل الاستقرار، هذا جيل لا يهزم، جيل رأى أنه لا فارق بين من قفز للسلطة ومن يقف معارضا لها.
جيل يبحث عن البديل، ولا يجد فيما هو مطروح عليه بديلا.
جيل يعيد صياغة ذاته وما حوله ويرفض القائد الفرد، ويطالب بالرؤية الواضحة لتحقيق الوجود قبل الحديث عن الأسماء.
جيل روى واحد منهم، عن ابنه وعمره 13 عاما قال لأبيه: أنا لا أخاف من شيخ بدقن أو شيخ ببندقية!! فكيف وهذا حال الأحفاد أن يكون حال آبائهم؟
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
649
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
549
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1113
| 06 أكتوبر 2026