رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن ثمة مجالٌ للتاريخ سوى أن يولد الربيعُ العربي، نؤكد هذه المقولة في ذكرى قدوم الربيع المذكور لأن كل دروس التاريخ والاجتماع البشري تؤكدها من أكثر من مدخل.
وإذ تكثر التفسيرات عن أسباب قدوم هذا الربيع، وتشيع فيها التفسيرات التآمرية، ينسى أصحاب هذه المقولات أن الواقع العربي السابق لهذا التاريخ كان يحمل في طياته كثيراً من المؤشرات التي توحي بحتمية حصول ما حصل. فسنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري لا تحابي أحداً، وهي من القوة بحيث لا يمكن إعاقتها بأي قوة، أمنية كانت أو سياسية أو مالية.
لا يحتاج الأمر إلى قراءة الغيب، وإنما يكفي الاستقراء المنهجي لتلك السنن والقوانين، والنظر في الواقع العربي وإمكانية تطبيقه عليها. ولتأكيد تلك القاعدة فقط، ننقل فيما يلي جملة اقتباسات من مقالات نشرها كاتب هذه الكلمات على مدى أكثر من عشر سنوات ماضية فيها ما يشير إلى ما هو قادم، وإلى ما أصبح أمراً واقعاً في نهاية المطاف.
ففي مقال بعنوان (لماذا نخاف من الإصلاح) جاءت الفقرة التالية: "والبعض يخشى من الإصلاح خوفاً من أن يكون طريقاً للفوضى، وقلب الأمور رأساً على عقب.. والحقيقة أن ذلك ليس من الضرورة بمكان على الإطلاق. لأن من الممكن جداً الوصول إلى عقدٍ اجتماعي وسياسي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الثقافة السياسية العربية، وخصوصية النظام السياسي العربي، وخصوصية العلاقة التاريخية والمعاصرة بين الحاكم والمحكوم في البيئة العربية، وخصوصية ومميزات هياكل وأطر العلاقة بينهما، وهي كلُّها خصوصيات لم يعد بالإمكان تجاهلها إذا أردنا حقاً أن نخرج من المأزق المستحكم الذي يمكن ملاحظته في كثير من البلاد العربية".
وفي مقال آخر بعنوان (هل اقتربت نهاية زمن الاستحقاق العربي) ورد هذا الكلام: "إلا أن التغييرات الجذرية التي بدأت تتفاعل على الساحة العالمية ثقافياً واقتصادياً وسياسياً منذ بداية التسعينيات الميلادية تراكمت مع بداية الألفية الجديدة، بشكلٍ بدأ فيه النظام السياسي العربي يفقد الأدوات الأساسية التي كانت تمكنه من الحفاظ على تماسكه. فمع سقوط زمن الأيديولوجيات التي كانت تضفي بعض مشروعيةٍ هنا وهناك، ومع تغير خرائط التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية في كثير من أنحاء العالم، ومع تزايد مدِّ ثورة الإعلام والاتصالات التي اكتسحت العالم فكشفت المستور وسمحت بالممنوع وعرَّفت بالمجهول، ومع شيوع موضة الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، وما رافقها من انحسار موضة الحكم بواسطة الأمن والمخابرات والبوليس السري، ومع تـغوّل العولمة الاقتصادية وازدياد جشع الشركات متعددة الجنسيات للأسواق البكر والأيادي العاملة والمواد الخام الرخيصة، صار من الصعوبة بمكان الحفاظ على تلك القشرة التي تحدثنا عنها، والحفاظ على ما تحتها، في معزلٍ عن جميع هذه التطورات الحاسمة التي غيرت بشكل استثنائي حياة الإنسان على وجه الكرة الأرضية".
أما المقال بعنوان (علاقة المعارضة بالسلطة) فقد انتهى بالفقرة التالية:"لابد من صياغة معادلة جديدة للعلاقة بين السلطة والمعارضة في العالم العربي.. بغض النظر عن طريقة الإخراج.. ففي معزلٍ عن ذلك الاتفاق سيظل الحوار حوار طرشان. ومابين فقدان الثقة بالآخر والاعتماد على الأوهام، لن تكون النتيجة سوى المزيد من الحسابات الخاطئة، بكل ما يترتب عليها من كوارث وإخفاقات".
ثم كان مقال (التغيير من أجل الاستقرار) والذي جاء فيه: "إن التغيير في العالم العربي مطلوبٌ اليوم، ومطلوبٌ بشدّة، في كل مجال وعلى كل صعيد. وليس هذا فقط قناعةً شخصيةً من كاتب هذه الكلمات، وإنما هو نداءٌ سمعتُهُ، ورغبةٌ كانت تُعبّر عن نفسها بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، في كل اللقاءات التي أسعفني الحظ بالوجود فيها، سواء على المستوى الخاص أو العام، والتي جَمَعَت في مجموعها أطيافاً متنوعةً من شرائح النخبة سياسيين وصحفيين ورجال أعمال وأكاديميين ومثقفين وعلماء في الدين والشريعة.. الأمر الذي يعني أن التغيير المطلوب والمنتظر يتعلق بشكلٍ أو بآخر بالسياسة والإعلام والاقتصاد والتعليم والثقافة والدين.. هذا فضلاً عن كثيرٍ من مظاهر الشكوى والتذمر السائدة بين عامة الناس خارج دوائر تلك النخبة، والتي تكتمل من خلال الوعي بدلالاتها دائرة الإجماع على الحاجة للتغيير في واقعنا العربي المعاصر. وهذا كلُّه إن كان يعني شيئاً، فإنما يعني أنه لم يعد هناك مجالٌ اليوم للخوف من التغيير، أو للنظر إليه على أنه قد يُهدّدُ الاستقرار، وهو يعني أن الأوان قد آن للإقدام على التغيير دون حذرٍ مُبالغٍ فيه، بعيداً عن الحسابات التقليدية، لأنه أصبح المدخل الأكيد، وربما الوحيد، إلى ذلك الاستقرار".
وفي مقال (التنمية والمشروعية ومستقبل العالم العربي) جاء الختام كما يلي: "خلاصة القول معروفة، فعملية التنمية العربية الحقيقية تكاد تُراوح في مكانها، ووجهة الاقتصاد العربي على المدى المتوسط والبعيد لا تبشّر بالخير. لهذا، آن الأوان للتفكير بشكلٍ استراتيجي فيما يمكن أن ينتج عن تلك الخلاصة في المجالات الاجتماعية والسياسية والأمنية في العالم العربي بشكل عام، وعلى صعيد المشروعية السياسية تحديداً. نحن نتحدث هنا عن قوانين للاجتماع البشري لا يمكن التعامل معها بالتأجيل والتسويف والتجاهل. لا توجد حلول وسط لهذه القضية، ولابدّ من واقعيةٍ شديدة في تفكير النخبة، تؤدي إلى تنازلاتٍ تقوم بها، وتحفظ الجميع من السقوط في الهاوية. أما من يهمس في الآذان بغير ذلك، فإنما يبحثُ عن مصلحةٍ فردية آنيةٍ له، وليس له علاقةٌ من قريب أو بعيد لا بمصلحة العرب، ولا بمصلحة النظام العربي، ولا حتى بمصلحة من له مصالح إستراتيجية في بلاد العرب".
أما مقال (زمن سقوط المحرمات) فقد بدء بالفقرة التالية: "تتساقط المُحرَّمات في الواقع العربي واحدةً تلو أخرى، يحزن البعض ويفرح آخرون ويختار البعض الثالث موقف الإنكار، ولكن المحرمات تظل تتساقط كأوراق الشجر في خريفٍ شديد الرياح". وانتهى بما يلي: "ومع سبتمبر الأول في الألفية الجديدة تحطمت جميع الموازنات والترتيبات وتغيرت كل الحسابات دخل العرب الواقع العالمي المعقّد من بوابة سبتمبر بنفس سرعة الطائرات التي اقتحمت الأبراج، وبدأ العالم بالمقابل يدخل في كل ذرةٍ من نسيج العالم العربي. وفجأة، تداخلت القضايا، تشابكت المصالح، تنوعت الاهتمامات، تناقضت الأولويات.
ومرة أخرى، جاءت النتيجة منسجمةً مع مقدمتها، تسارعت وتيرة انهيار المنظومة القديمة من كل ناحية، أضحى كل مسكوت عنه مجالا للنقد والتحليل والمراجعة بل وللاتهام والهجوم، لم يعد هناك حصانة من أي نوع لا سياسياً ولا دينياً ولا اجتماعياً. بقي البعض يؤمن بمراجع أيديولوجية أو سياسية، شخصية أو نظرية. ولكن عقلية (المرجعية) بدأت تتآكل بشكل ظاهر. لم تعد هناك جهة أو جماعة أو حزب أو فرد فوق نقدٍ يأتي من طرف من الأطراف. وفي حين كان يمكن كتابة مجلد عن (المسلّمات) في العالم العربي من سنوات، لم تبق هناك فكرة لا تقبل النقاش أو الجدل أو التشكيك في الزمن الراهن. إن لم يكن في الواقع ففي الصحف. وإن لم يكن في الصحف والمجلات فمن خلال رسائل الهواتف النقالة، وإلا فعلى الفضائيات، وإن لم يكن عليها فعلى الإنترنت. وهكذا دواليك. والذي لا يعرف هذه الحقائق بالشواهد والأمثلة لا يعرف شيئا عن الواقع العربي المعاصر. باختصار، بدأت رحلة سقوط المحرمات وأصبح صعباً أن تتوقف على المدى المنظور".
ليس السؤال إذاً: لماذا جاء الربيع العربي؟ بل قد يكون: لماذا جاء متأخراً؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4515
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4062
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2124
| 05 مايو 2026