رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

858

م. حسن الراشد

مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

14 مارس 2026 , 04:53ص

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح ورقة استراتيجية في معادلات الأمن الجيوسياسي العالمي، وبات أمن الطاقة جزءاً لا يتجزأ من أمن الدول واستقرار اقتصاداتها. وما التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج إلا دليل على هشاشة طرق الإمداد التقليدية، حيث تنعكس الأزمات فوراً على أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية، بما يؤكد أن أمن تدفق الغاز الطبيعي لم يعد خياراً اقتصادياً بل ضرورة استراتيجية.

 وفي قلب هذه المعادلة، يقف الغاز القطري بوصفه أحد أهم ركائز الطاقة عالمياً، حيث استطاعت دولة قطر أن تتحول إلى لاعب رئيسي بفضل وفرة إنتاجها، وانخفاض تكاليفه، وبنيتها الاستراتيجية والتشغيلية المتكاملة لسلسلة إمداد الغاز، ما جعل العديد من الدول الصناعية تعتمد عليه لضمان أمنها الطاقوي.

 غير أن هذه القوة ترتبط بمعادلة لوجستية حساسة؛ إذ يعتمد جزء كبير من الصادرات على المرور عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، والذي يمر عبره نحو 25% من تجارة الطاقة العالمية. وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على حركة ناقلات النفط والغاز، التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي.

وفي مثل هذه الحالات، يتم إعلان "القوة القاهرة”، وهي حالة قانونية استثنائية تعفي من الالتزامات التعاقدية نتيجة ظروف خارجة عن السيطرة. وهي لا تعني توقف الإنتاج بقدر ما تعني تعطل وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية بسبب اضطراب الممرات البحرية الحيوية وسلاسل الإمداد الدولية.

 هنا تبرز أهمية خطوط الأنابيب كخيار أكثر استقراراً، إذ توفر استمرارية في تدفق الإمدادات وتكاليف نقل أقل نسبياً، كما يصعب تعطيلها سياسياً نتيجة تشابك المصالح الاقتصادية بين الدول المرتبطة بها. فالأنابيب ليست مجرد قنوات نقل، بل هي "ارتباط عضوي” يحول دول العبور إلى شركاء استراتيجيين مستفيدين من استدامة التدفق، مما يخلق شبكة من المصالح المتبادلة تجعل من حماية الخط مصلحة وطنية عليا لكل الأطراف، ويقلل من احتمالات الابتزاز السياسي. غير أن هذا الخيار يظل مرتبطاً بجغرافيا ومسافة محددة وأسواق معينة.

 ويعد مشروع "دولفين للطاقة” (Dolphin Energy) مثالاً إقليمياً ناجحاً على جدوى نقل الغاز عبر خطوط الأنابيب العابرة للحدود؛ حيث يتم تصدير الغاز القطري مباشرة عبر شبكة أنابيب إلى دولة الإمارات وسلطنة عُمان، مؤكداً الدور الاستراتيجي للبنية التحتية للأنابيب في تعزيز أمن الإمدادات واستقرار تدفق الطاقة حتى في احلك الظروف.

في المقابل، يتميز الغاز الطبيعي المسال (LNG) بمرونة تجارية كبيرة، إذ يمكن توجيهه إلى أي وجهة عالمية حسب الطلب والأسعار عبر الناقلات، غير أن هذه المرونة تبقى محفوفة بمخاطر النقل البحري والتوترات الجيوسياسية، ما يفرض ضرورة إيجاد معادلة توازن بين استمرارية التدفق عبر الأنابيب ومرونة الغاز المسال.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تنويع وسائل التصدير، خاصة لدى الدول الريعية المعتمدة على النفط والغاز، حيث يشكل التكامل بين خطوط الأنابيب والنقل البحري ضمانة استراتيجية لاستدامة الصادرات والإيرادات، باعتبارهما خيارين متكاملين لا بديل لأحدهما عن الآخر.

وقد أثبتت التجارب العالمية أهمية تنويع المسارات، كما في تجربة خطوط الغاز الروسية إلى أوروبا، التي منحت موسكو نفوذاً استراتيجياً قبل أن تكشف حرب أوكرانيا مخاطر الاعتماد على مسار واحد، ما دفع الدول إلى البحث عن بدائل وتنويع مصادر الطاقة وطرق نقلها.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير ممرات برية للغاز القطري يمثل خياراً استراتيجياً مستداماً، لتعزيز استقرار الإمدادات العالمية، وتقليل الاعتماد على المضائق البحرية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي. وتؤكد هذه المعادلة أن الجغرافيا ما تزال عاملاً حاكماً في الاقتصاد، وأن تنويع طرق التصدير يمثل الضمان الحقيقي لاستدامة تدفق الطاقة، وتقليل المخاطر السياسية، وتعزيز ثقة المستهلكين في استقرار الإمدادات والالتزام طويل الأمد بالتوريد.

 وفي ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، يظل الغاز الطبيعي المصدر الأكثر واقعية وموثوقية، نظراً لدوره في استقرار منظومات الطاقة وقدرته العالية على تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء والصناعات المختلفة وثورات التكنولوجيا الحديثة. وهو ما يجعل من الصعب على مصادر الطاقة المتجددة، رغم نموها المتسارع، أن تزيحه عن مكانته المحورية في مزيج الطاقة العالمي خلال العقود القادمة.

وعليه، فإن مستقبل الغاز القطري لا يكمن في الاعتماد على مسار واحد، بل في تنويع طرق التصدير عبر شبكة متكاملة تجمع بين مرونة الغاز المسال واستقرار الأنابيب، بما يعزز مكانة قطر كمورد طاقة موثوق عالمياً.

ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل الأنابيب البرية حلاً واقعياً في ظل التعقيدات السياسية المزمنة وأزمة الثقة المستمرة بين بعض الدول العربية، والخلافات والنزاعات القائمة، وهي تحديات جيوسياسية ملموسة يدركها المواطن العربي جيداً، ولا يمكن القفز فوقها عند تخطيط أي مشروع استراتيجي، بل تفرض التعامل معها بواقعية وبراغماتية، خشية أن تتحول التوترات السياسية مستقبلاً إلى سبب في تعطيل هذه المشاريع أو حتى إلغائها بعد الاتفاق عليها.

 ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل فكرة الأنابيب البرية أو البحرية إلى واقع عملي شرقاً أم غرباً؟ أم أنها ستظل حلماً استراتيجياً وطنياً مؤجلاً يداعب خيال "العبد لله” كاتب هذه السطور؟

مساحة إعلانية