رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.. "قل هو الله أحد*الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد" .
فبلاد الحرمين الشريفين جزيرة العرب، حصن التوحيد ومهبط الوحي والقرآن المجيد ومثوى سيد الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وسلم- قيض لها الله من عباده الموحدين من رجال القبائل من أحزنهم ما آلت إليه جزيرتهم من التشرذم والتفرق، وما دخل على عقيدة التوحيد من الضلالات والبدع، بعد صفاء السريرة ونقاء العقيدة على يد نبي الأمة وصحابته الكرام -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- فهبت أسود الجزيرة من آل سعود هبة الغيورين على دينهم وأرضهم، جامعين حولهم الغيورين من أمثالهم من أهل الدين والخير والصلاح من أهلها فكان لهم ما أرادوا بفضل الله -عز وجل-، وتلاحمت قوة السياسة والعزم مع قوة الدين واليقين فكان التحالف بين الأمير محمد بن سعود آل مقرن والشيخ محمد بن عبدالوهاب والتعاهد على حمل الدعوة على عاتقهما والدفاع عنها والدعوة للدين الصحيح الذي جاء به نبي هذه الأمة محمد بن عبدالله -عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام من المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم وأرضاهم- ومحاربة ما علق بهذه الدعوة من البدع والضلالات في جميع أرجاء جزيرة العرب.
لقد كان هذا التحالف فاتحة خير على جزيرة العرب كلها وأهلها قاطبة بمشورة السيدة الفاضلة زوجة الأمير محمد بن سعود حين وفد الشيخ محمد بن عبدالوهاب على الدرعية فقالت قولتها السديدة: (هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة، فاغتنم ماخصك الله به) وكذلك هن نساء العرب والمسلمين ذوات رأي سديد وعقل رشيد، فقبل قولها وتعاون مع الشيخ وأخبره أنه يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده، واستقبله بغاية الإكرام والتبجيل بقوله: (أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة) وهكذا حال الرجال الأقوياء أهل الصلاح والخلق القويم يناصرون من يشابههم لنصرة الدين، فرد عليه الشيخ بقوله: (أنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد وأول مادعا إليه الرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجداً وأقطارها أطبق عليها الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعضا، فأرجو أن تكون ممن يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك) وهكذا كانت كلمة صدق، صدقا الله فيها فصدقهما، وقيض الله لجزيرة العرب هؤلاء الرجال الأفذاد الذين خلصوا الجزيرة ودين الإسلام من البدع والضلالات والشركيات ودعوا للرجوع إلى أصول الدين، وكان الاهتمام الأكبر بأخلاق المسلمين وتصحيح عقيدتهم وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها، وشرعوا في تقويتها وترسيخها حتى سادت الدعوة جزيرة العرب، وقلت المشاكل في مجتمعها، فانعدمت السرقات وحروب الاعتداءات والثارات وشرب الخمور، وساد الأمن والأمان، فأصبحت الطرق أكثر أمنا وأمانا بعد أن كانت مصدر المتاعب للناس في حركتهم وطريقهم للحج، فأمن الناس على أنفسهم وأحوالهم وأعراضهم من قطاع الطرق ونهب القوافل خصوصا قوافل الحجيج .
وقد مكن الله -عز وجل- لهذه الأسرة الكريمة منذ آبائها الأولين حين رفعوا راية التوحيد في الآفاق وحتى مؤسس المملكة العربية السعودية في العصر الحديث الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود -عليه رحمة الله تعالى- الذي وحد البلاد كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها بما آتاه الله من الملك والقدرة والعزم والحكمة وفصل الخطاب، فسقاها أبناؤه مع القرآن الكريم وسنة النبي الكريم ومعرفة تاريخ أمتهم العظيم التي سادت الدنيا بعظمتها وستعود إليه ما دامت تلتزم بوصية نبيها الكريم "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي" وهذا ما قامت عليه بلاد الحرمين الشريفين. فكان قادتها بعد والدهم وحتى الآن بحق رجالا حملوا أمانة الحكم والدعوة بكل جد وعزم وصدق وعمل، فكانت المملكة العربية السعودية التي نص النظام السياسي للحكم في المادة الأولى منه على: أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة، دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم – ولغتها هي اللغة العربية وعاصمتها مدينة الرياض. ونصت المادة الثانية على أن (عيدا الدولة هما عيد الفطر والأضحى وتقويمها هو التقويم الهجري). أما المادة الثالثة فنصت على أن: (يكون علم الدولة كما يلي: لونه أخضر، وعرضه يساوي ثلثي طوله تتوسطه كلمة – لا إله إلا الله محمد رسول الله – تحتها سيف مسلول ولا ينكس العلم أبدا).
فببركة شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله لم ينكس علمها أبدا، وببركته أصبحت المملكة العربية السعودية تاجا على رؤوس الأوطان، وبفضل الله -تعالى- عليها وحكمة وحنكة قادتها وجهود المخلصين من أبنائها أصبحت في مصاف الدول المتقدمة التي يحسب لها ألف حساب عند التعامل معها على المستوى الإقليمي والعربي والإسلامي والعالمي. ولاعجب فهي قلب الأمتين وصمام أمان العالمين وسيدة العالم بلا منازع .
إن المملكة العربية السعودية مصدر عز وافتخار للمسلمين جميعا باعتمادها الشريعة الإسلامية دستورا لها في حكمها، إنها الدولة الوحيدة في العالم التي بقيت محتفظة باعتماد التاريخ الهجري في مجريات أمورها، إنها تحظى بمكانة عالية بين دول العالم قاطبة، نظرا لموقعها الاستراتيجي ومكانتها التاريخية والدينية والحضارية فهي تضم على أرضها الحرمين الشريفين (المكي والمدني) قبلة ومهوى فؤاد المسلمين من كافة بقاع الأرض وتحظى بعلاقات ودية طيبة مع كافة الدول عربيا وعالميا. وهي صمام الأمان للعالم، فبإشارة منها بدعوتها للجهاد سوف تهب الأقطار الإسلامية برمتها معها فهناك أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين ينتظرون منها هذه الإشارة فقط لتلبية "حي على الجهاد"، وحينها سوف يعلم العالم الصليبي الحاقد ومن سانده أي منقلب ينقلبون .
إن مداد القلم لا يكفي لتسجيل مآثر المملكة العربية السعودية الكثيرة ومواقفها الكبيرة والعديدة والعظيمة في العالم أجمع، ولكننا سنقف عند الأمر باهتمامها الكبير والعظيم بالحرمين الشريفين وضيوف الرحمن على مدى الأعوام والسنوات العديدة والتوسعات العديدة وتسخير كافة الموارد البشرية والاقتصادية والصحية والسياسية والخيرية للوافدين على أراضيها من ضيوف الرحمن، وخاصة عند التوسعة الكبيرة للمسجد الحرام في مكة في المنطقة الشمالية للحرم، والتوسعة في المسجد النبوي من الجهة الشرقية، حيث يعد مشروع التوسعة في عهد الملك عبدالله -عليه رحمة الله- درة الأعمال الجليلة التي اضطلع بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمة الله عليه- في خدمة الإسلام والمسلمين وحظي بعنايته ورعايته وإشرافه الشخصي امتنانا لله -عز وجل- الذي شرف هذه الدولة بحمل أمانتها منذ مؤسسها ومن جاء بعده من أبنائه البررة الذين ساروا على النهج الذي رسمه والدهم، نهج المحافظة على عزة الإسلام وتطبيق مبادئه وشريعته وخدمة الحرمين الشريفين دون كلل أو ملل، وسخرت كافة الإمكانيات التي حباها الله -تعالى- لخدمة حجاج بيت الله الحرام وعماره والزائرين كافة فنعموا بفضل من الله بالأمن والأمان لم يمسسهم سوء، لم ينعموا به في أي عهد من العهود السابقة لقيام المملكة العربية السعودية .
لقد بادرت قيادتها بالإنفاق بسخاء والاهتمام بعمارته والوافدين إليه من كل حدب وصوب فاق كل تصور ووصف ابتغاء رضوان الله -عزوجل- وطمعا في مثوبته سبحانه متمثلين قول الله: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، واقتداء بسنة السلف الصالح في الاهتمام بعمارة الحرمين الشريفين الذي بدأ في عصر الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم- حتى عهد الملك عبدالعزيز وأبنائه من بعده -غفر الله لهم وطيب ثراهم- ووفق العاهل الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز – خادم الحرمين الشريفين – رجل المرحلة الحاسمة من تاريخ هذه الأمة العظيمة، الذي حمل الراية من بعدهم نحو الخير في حزم الأمر والعزم على العزة والنصر، وما ذلك على الله بعزيز، خاصة بعد أن كشفت الأمم الضالة عن أنيابها، وأبدت سوء نياتها نحو العرب والمسلمين، وسقطت ورقة التوت التي كانت تستر شيئا من عوراتها، وقلبت ظهر المجن على من ادعت أنهم حلفاؤها، وسنت ألسنتها للنيل من مكانة المملكة، وكيل الاتهامات لها، ولا شك أنهم يقصدون العرب كافة والمسلمين قاطبة، فقد قالوها صراحة : "إنها حرب صليبية"، وصدق كبيرهم الذي شن الحروب علينا، وقتل الحرث والنسل، وقتل العباد ودمر البلاد، وعاث في الأرض ظلما وعدوانا، وصدق الله العزيز العليم في وصفهم: "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون*اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون*لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون" الآيات 8-10التوبة، وكان موقف الملك سلمان بن عبدالعزيز -رعاه الله وحفظه- ونوابه بحزم وقوة ضد هذا الصلف العدواني معتمدين على الله عز وجل متمثلين قوله سبحانه "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل(173)، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176)" آل عمران، وكان رد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير على الاتهامات في اللقاء الصحفي بمثابة الصفعة لهم حين فند الاتهامات الموجهة للملكة العربية السعودية بأنها لا تستند إلى دليل بقوله: (نحن نحترم قانونكم وعليكم احترام قوانيننا، وأنتم تنتقدوننا لأننا لا نقوم بدور قيادي وأن الغرب لا يمكن أن يكون شرطي الخليج، ولا يمكن أن يحميه الغرب، وغيرها من الاتهامات في الإعلام البريطاني، حددوا موقفكم بالضبط، تريدوننا أن نتولى القيادة أو أن ندعم فقط، وإذا دعمنا من سيتولى القيادة)، ولكن هيهات هيهات، فقد بدأ عهد الحزم والعزم مع معطيات قضايا الأمة المصيرية، وإن غدا لناظره قريب، وقد كشف الله -سبحانه- لنا نياتهم فقال فيهم "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى* ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير" (120) البقرة، ولا يكتفون بذلك بل ينتقدون المملكة العربية السعودية في لقاءاتهم ومنتدياتهم العالمية للتقليل من شأنها حسدا وحقدا، سبحان الله "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" الآية (54) النساء .
وعندما يأتي أحد الحاقدين والمتشدقين فينتقد المملكة العربية السعودية وينفث بذور الفتنة بينها وبين جيرانها ويقلل من مكانتها العالمية وسط دول العالم أجمع. فإنما يلعب بنار الفتنة التي سوف تحرقه قبل غيره، وقد فعل خيرا وزير الخارجية القطري د. خالد بن محمد العطية، حين لقنهم درسا وألقمهم حجرا في معنى الأخوة بين دول الخليج وشقيقتهم الكبرى المملكة العربية السعودية، وأوضح أن العالم أجمع بحاجة إليها برده الحازم الجازم، حين قال ( أنا لا أوافق تماما، فالمملكة العربية السعودية دعامة العالم الإسلامي وتتمتع بقوة أخلاقية داخل مجلس التعاون الخليجي مع شقيقاتها، والمملكة العربية السعودية ترعى الحرمين الشريفين، ولولا الخطاب المعتدل الذي يصدر عن السعودية اليوم، فهناك مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، علينا أن نثني على السعودية في مسألة إبقاء القطار على مساره الصحيح فيما يتعلق بالحفاظ على الاعتدال في الإسلام، مهما سمعنا هنا وهناك عن مشاعر مضادة، إذا أردتم أن تروا الأمور بوضوح حاولوا أن تنظروا إليها عن كثب، وأن تروا المنافع التي تنتج عن رعاية هذين الحرمين لكل المسلمين في العالم والحفاظ على الاعتدال .
هناك مسلمون في إندونيسيا مرورا بأوروبا وصولا إلى المغرب، إن السعودية تلعب دورا كبيرا جدا في استمرار هذا الاعتدال) انتهى. نعم لقد انتهى عهد الحلم وبدأ عهد الحزم والعزم .
إننا شعوب الخليج والجزيرة العربية رجالا ونساء شيبانا وشبانا كبارا وصغارا ندين لربنا بشهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله، و نحب سلاطيننا وملوكنا وأمراءنا وشيوخنا، فهم منا ونحن منهم، وهم كالشامة البيضاء بين زعماء وقادة العالم أجمع، وهم تيجان على رؤوس الآخرين، ولهم منا الولاء والطاعة والنصرة ما داموا سائرين على منهج الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وتطبيق شريعته، ولن نرضى بغيرهم بديلا. وفقهم الله وسدد خطاهم إلى ما يحبه من رفعة الإسلام وعزة العرب والمسلمين ونصر من الله وفتح قريب "قل يأيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد*ولا أنا عابد ما عبدتم*ولا أنتم عابدون ما أعبد*لكم دينكم ولي دين" وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
33693
| 01 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
5775
| 03 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
4533
| 30 أغسطس 2026