رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

408

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

بحيرة آرال وفساد الإنسان

08 مارس 2026 , 04:55ص

في قلب آسيا الوسطى، وبينما كانت الخرائط القديمة تفخر بمساحات زرقاء شاسعة تُصنَّف كرابع أكبر بحيرة في العالم، يقف اليوم شاهد عيانٍ صامت على واحدة من أبشع الجرائم البيئية التي ارتكبتها يد الإنسان: بحر آرال. لم يكن جفاف هذا البحر قضاءً وقدراً، بل كان «اغتيالاً مع سبق الإصرار والترصد» تحت مسمى «التنمية والمشاريع الكبرى».

بدأت الحكاية في ستينيات القرن الماضي، حين قرر مهندسو الاتحاد السوفيتي تحويل مسار نهري «آمو داريا» و»سير داريا» لري حقول القطن في الصحاري القاحلة. كانت الفكرة تبدو عبقرية على الورق؛ تحويل الذهب الأبيض إلى عملة صعبة. لكن الثمن كان باهظاً إلى حد الجنون. لقد استبدل الإنسان نظاماً بيئياً متكاملاً، كان يؤمن الغذاء والمناخ المعتدل للملايين، بقميص قطني زائل.

إن العبرة التي تجمعنا «بآرال» تتجاوز حدود الجغرافيا. إنها تذكير صارخ بأن الطبيعة ليست مورداً قابلاً للاستنزاف اللامتناهي، بل هي شريك إذا ما غُدر به، كان انتقامه صامتاً ومميتاً. اليوم، في المكان الذي كانت ترسو فيه السفن المحملة بالأسماك، تقبع هياكل معدنية صدئة في وسط صحراء ملحية تُسمى «آرالكوم». هذه السفن الجاثمة في الرمل ليست مجرد حطام، بل هي شواهد قبور لغرور الإنسان الذي ظن أنه أقوى من توازن الأرض.

إن فساد الإنسان هنا لم يتجلَّ في الرشاوى أو المحسوبية فحسب، بل في الفساد الفكري الذي يقدّم الربح السريع والقصير الأمد على ديمومة الحياة. لقد تسبب جفاف «آرال» في عواصف ملحية سامة تفتك برئات السكان، ودمّر اقتصاداً محلياً كاملاً، وغيّر مناخ المنطقة ليصبح أكثر قسوة.

إن ما حدث «لآرال» هو صرخة تحذير لكل من يعتقد أن التحكم في الطبيعة هو قمة النجاح. الحقيقة أننا لا نملك الأرض، بل نحن أمانة لديها. وإذا لم نتعلم من مقبرة السفن هذه، فإننا سنستمر في حفر قبورنا بأيدينا، مدفوعين بجشع يرتدي قناع التطوير.

وفي سياق الحديث عن التحديات الوجودية التي تواجه المنطقة، لا يمكن إغفال التحذيرات التي أطلقها معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء  خلال لقاءات إعلامية بارزة، منها ما نُقل عبر حوارات مع صحفيين دوليين مثل «تشارلي روز» أو في منتديات السياسة الخارجية، حيث سُلط الضوء على مفاعل بوشهر كقنبلة موقوتة تهدد أمن الخليج. تكمن الخطورة، كما أوضح معاليه، في القرب الجغرافي للمفاعل من سواحل الخليج، مما يجعل أي تسرب إشعاعي -سواء كان نتاج خطأ بشري أو كارثة طبيعية- تهديداً مباشراً لمصادر تحلية المياه التي تعتمد عليها دول المنطقة كلياً. إن الفساد الحقيقي هنا يتمثل في تغليب الأجندات السياسية على معايير السلامة البيئية المشتركة؛ فالتلوث لا يعترف بالحدود، وكارثة بوشهر -إن وقعت- ستكون بمثابة «آرال» جديدة لكن بنكهة نووية، تقضي على سبل الحياة في مياهنا وتجعل من الخليج منطقة غير قابلة للسكن، مما يستوجب شفافية دولية وضمانات صارمة لحماية هذا الشريان الحيوي.

في الختام، تتجلى الحكمة الحقيقية في النموذج القيادي لدول مجلس التعاون الخليجي، والتي أدركت مبكراً أن مواجهة المخاطر الوجودية-سواء كانت بيئية كاندثار البحار أو نووية كتهديدات المفاعلات الجوارية-تتطلب حكامةً شاملة ترتكز على وحدة المصير. حيث أثبتت دول الخليج رصانة استثنائية في توحيد خطابها الدبلوماسي، مطالبةً بضمانات دولية وشفافية مطلقة لحماية أمنها القومي، معتبرة أن استقرار المنطقة كل لا يتجزأ. أما اقتصادياً، فقد استثمرت هذه الدول مليارات الدولارات في تنويع مصادر الطاقة والأمن الغذائي وتحلية المياه بتقنيات مستدامة، لتأمين مستقبل أجيالها بعيداً عن تقلبات الأزمات الجيوسياسية.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن نجاحات الحكمة الخليجية في تعزيز الوعي الشعبي والتماسك الداخلي، مؤكدة أن المواطن هو حجر الزاوية في مواجهة الأزمات. إن هذه الوحدة الخليجية ليست مجرد تحالف عابر، بل هي سدٌ منيع ضد فساد التخطيط الخارجي، ورؤية حكيمة توازن بين طموح التنمية وضرورة البقاء، لتظل منطقة الخليج واحة أمان في عالم تتقاذفه أمواج التهور واللامبالاة البيئية من حولنا. اللهم احفظ المدافعين المرابطين عن وطننا وسائر بلاد المسلمين.

مساحة إعلانية