رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاء تحرك المصرف المركزي في الآونة الأخيرة ليلبي مطالب الخبراء والمتابعين والجمهور. فثبات أسعار الفائدة على ما هي عليه قبل وخلال وبعد سنوات الأزمة المالية لم يكن مبررا في ظروف مالية صعبة ومعدلات تضخم تتراجع وفي ظل تراجع قيم الأصول العقارية والأسهم وتراجع التدفقات النقدية وإمكانات الأفراد والشركات على الوفاء. مما أعطى الانطباع أن المصرف المركزي بعيد عن المتغيرات في الأسواق والقطاع المالي. فالمصارف والشركات والأفراد عانوا من الأزمة المالية. حيث تراجعت قيمة المحافظ العقارات والأسهم وقيمة الإيجارات لدى المصارف. مما حدا بالدولة للتدخل لدعم القطاع المصرفي من خلال ثلاث خطوات. رأس المال ومحفظة العقارات ومحفظة الأسهم، ولكن ظل الأفراد يعانون من أسعار الفائدة التي ظلت على حالها خلال السنوات الماضية مع تراجع أسعار الفائدة في العالم وعلى الدولار بشكل خاص لارتباط الريال به، ويأتي خفض أسعار الفائدة الأخير ليوفر على الأفراد والقطاع الخاص جزءا لا بأس به من الأقساط الشهرية. وفي بعض القروض قد يصل الوفر إلى 30 أو 40 في المائة من قيمة الأقساط الشهرية في حال استطاع الأفراد والشركات من إعادة هيكلة الديون بدفع الديون القائمة والحصول على قروض بأسعار الفائدة المخفضة. وبما أن المصرف قد أقدم على خفض أسعار الفائدة فلابد أن يحرص على ألا تمنع المصارف المقترضين من إعادة هيكلة ديونهم، وعدم استغلال المصارف هذه الفرصة ويحمّلوا المقترضين عمولات ورسوم كما يحلوا لهم، وكان التعميم سيكون مكتملا لو أن التعميم وضع حدودا وهوامش لفرض العمولات والرسوم من قبل المصارف، وما هي الحالات التي يمكن للمصارف من فرض رسوم وعمولات عليها. ولكن في الوقت الحالي ليس هناك رادع للمصارف من تحميل المقترضين وكيف ما شاءوا عمولات ورسوم هم من يقوموا بتحديدها ودون أي مساءلة أو رقابه من قبل المصرف المركزي. أو أي جهة أخرى لحماية المستهلك. مما قد يلغي الهدف من وراء خفض أسعار الفائدة وهو التخفيف عن كاهل المقترضين من أفراد ومؤسسات.
هذه المرة جاء التعميم واضحا في كيفية حساب الفوائد. ولم يترك للمصارف هامش للمناورة على حساب الجمهور بل حدد سقف تلتزم به الجهات المعنية. وكان الأجدر أن يترك المصرف المركزي للمصارف هامش أكبر. ولكن علمتنا التجربة مع المصارف المحلية أنها ستستغل ذلك لإثقال كاهل المستهلك بهوامش لا التزام فيها بأي معيار. وبعقود إذعان لا تسمح للمستهلك بأبسط الحقوق فالمصرف يحدد المهمش والعمولات والرسوم كيف يشاء ومتى شاء. ودون أدنى مراعاة لأوضاع الجمهور أو الأوضاع الاقتصادية أو المالية في الدولة. فيواجه المقترض من جانب سد منيع من قبل المصارف ومن جانب آخر تراجع في قوته الشرائية بسبب معدلات التضخم العالية، والتي لا تراعي في تحديد المرتبات معدلات التضخم، ولا تربط بشكل تحفظ على الأفراد القوة الشرائية والتي تتراجع بمقدار التضخم، فهو بين فكي رحى، التضخم يضعف قدرته الشرائية والديون والأقساط لا تتراجع. ولذلك كان لابد من تحديد المهمش وحماية الجمهور، ولكن يتبقى جانب من العملية لم يحدد وهو الرسوم والعمولات، والتي في بعض الأحيان يتم استغلالها لحد يجعل منها مضافة لأسعار الفائدة أمرا لا يطاق. هذه الرسوم والعمولات التي تجنيها المصارف حسب هواها، ودون مراعاة لأبسط حقوق المعاملة مع المقترضين، تسن من قبل المصارف ولابد للعملاء من القبول، ولذلك نطالب أن يكمل المصرف المركزي ما بدأ ويقوم بتحديد العمولات ومتى تجبى وكيفية جبايتها. فبعض المصارف أصبح مدمنا العمولات والرسوم. فأي حركة أو إجراء طلب عمولة وفي بعض الأحيان يتم تكرار العمولة مما سبق يتضح مدى الحاجة أولا لتفعيل دور إدارة حماية المستهلك في المصرف المركزي. والحاجة لهيئة مستقلة لحماية المستهلك. وفي هذا الصدد نرى أن من واجب المصرف وبالتواصل مع المصارف وضع عقود نموذجيه تحمي المقرض والمقترض ولا تدع مجالا للعشوائية في بنود عقود الاقتراض. وتنظم عمليات التمويل وتخلق بيئة تسودها الثقة والاستقرار وتزيل الضبابية والممارسات الاجحافية بحق الجمهور والأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة.
خفض أسعار الفائدة هي الإجابة الأمثل على المطالبات المستمرة بإنشاء صندوق لشراء الديون المتعسرة أو للدفع بدل المقترضين أو سداد الديون المعدومة. صندوق كهذا يعني خلق منزلق أخلاقي يصعب تفسيره أو تجاوز آثاره السلبية. فقد دأبت الدولة والأجهزة الحكومية والمسؤولين والخبراء وأجهزة الإعلام على توضيح أهمية الالتزام في حال الاقتراض وعدم التبذير. والاقتراض في أوجه مقبولة بعيدة عن الاقتراض الاستهلاكي. ووضع موازنة وحساب التدفقات النقدية والخ. ثم ومن خلال صندوق كهذا وعمليا تقول الدولة إن كل من اقترض ستقوم الدولة بسداد ديونه المتعسرة. فالرسالة هنا هي أن كل من لم يقترض يخسر حيث إنه لا يحصل على المبالغ التي سيتم تغطيتها من قبل الدولة. فيكرم من لم يلتزم ويعاقب من التزم وفي هذا رسالة واضحة. المرة القادمة الكل سيقترض عسى أن تقوم الدولة بتغطية ديونه. أما في حالة خفض أسعار الفائدة فالكل مستفيد لأن من التزم يستطيع الاستفادة من خفض أسعار الفائدة. في حال الصندوق فالمستفيد الاكبر هي المصارف. فستكون قادره على استرداد كامل الديون. مع أن المصارف هي الجهة المسؤولة وعادة ما تخصص احتياطيات تغطي فيها احتمال التعسر وجرت العادة أن تكوّن المصارف ما بين 2و3 %. والمصارف هي المسؤولة عن تحديد الجدارة الائتمانية للمقترض وهي من يتحمل التبعات. وقيام الدولة بتغطية الديون المتعسرة سيكون كحزمة دعم أخرى للبنوك والتي كما سبق ذكره حصولها على ثلاث حزم دعم بعد الأزمة. وهي الآن تملك الكثير من السيولة. والآن وبعد إنشاء مركز قطر للمعلومات الائتمانية ستكون المصارف قادرة على إدارة المخاطر لديها بشكل أكبر دقة وإلمام بظروف طالبي القروض.
خفض أسعار الفائدة أثار تساؤلات أكثر مما أجاب. فماذا بعد خفض أسعار الفائدة هل سيتبعه خفض آخر؟ وهل هناك مستوى لأسعار الفائدة مستهدف؟ أم هل هذا متطلب للوحدة النقدية؟ أم هل يعني هذا أن المصرف المركزي لا يرى أي تهديد من ارتفاع معدلات التضخم في المستقبل القريب؟ وهل في حال ارتفعت معدلات التضخم سيتجنب رفع أسعار الفائدة ويعتمد رفع الاحتياطي القانوني بدله؟ لأن معاودة رفع أسعار الفائدة سيربك السوق والأفراد وقد تبدو خطوة خفض أسعار الفائدة أنها جاءت ارتجاليه، ولذلك فإن اعتماد الاحتياطي القانوني سيكون الأفضل. حيث يدعم احتياطيات المصارف ويحجّم من السيولة ويضّيق على إمكانية تصاعد معدلات التضخم في المستقبل دون إقحام المقترضين في تذبذب الأسعار. أو زج السوق المحلي في حسابات غير مأمونة النتائج.
التوكل على الله
نسمع كثيرا عمن لا يخطط تخطيطا دقيقا قبل الإقدام على موضوع معين، مع وجود نواقص في دراسته أو... اقرأ المزيد
108
| 10 أبريل 2026
الطاقة الشمسية المنزلية في قطر.. عائد المواطن
مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تبرز الطاقة الشمسية المنزلية كأحد الحلول الذكية لتقليل استهلاك الكهرباء وتحقيق... اقرأ المزيد
207
| 10 أبريل 2026
الطامة الكبرى
نعيش اليوم مرحلة مؤلمة ومقلقة في ظل ما شهدته المنطقة من تصاعد في الاعتداءات والانتهاكات، التي طالت الأبرياء... اقرأ المزيد
294
| 10 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
10593
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3192
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1545
| 06 أبريل 2026