رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انتهت الستون يوماً.. فهل نبدأ التفاوض على التفاوض؟

انتهت مهلة الستين يوماً التي وضعتها مذكرة تفاهم إسلام آباد للوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الاتفاق لم يصل، والحرب لم تعد إلى صورتها الأولى، والتفاوض نفسه أصبح موضع تفاوض. وربما تكون هذه هي النقطة الأهم في المرحلة القادمة. فبدلاً من السؤال: متى يوقع الطرفان الاتفاق؟ قد يصبح السؤال: كم من الوقت سيحتاج الطرفان للاتفاق على كيفية العودة إلى طاولة المفاوضات أصلاً؟ إيران تريد من واشنطن العودة إلى المذكرة والالتزام بما تعتبره تعهدات سابقة، بينما الولايات المتحدة تبدو أقل استعجالاً للعودة إلى المسار الذي بدأ في يونيو. وهكذا قد ننتقل من مهلة الستين يوماً إلى مرحلة جديدة مفتوحة، لا يجري فيها التفاوض على الحل فقط، بل على شروط التفاوض وإطاره وتسلسله ومن يبدأ بتنفيذ ماذا أولاً. بالنسبة إلى إيران، لا ينبغي النظر إلى التفاوض باعتباره مجرد طريق قصير ينتهي باتفاق أو فشل. في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية، يمكن للعملية التفاوضية أن تكون هدفاً سياسياً بحد ذاتها. الجلوس مع الولايات المتحدة، والحديث عبر الوسطاء مع أكبر قوة دولية، وتبادل المقترحات والرسائل، كلها تمنح طهران شيئاً يتجاوز مضمون الاتفاق نفسه: الاعتراف بأنها طرف لا يمكن تجاوزه. إيران تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة إقليمية كبرى تستحق أن تُعامل على هذا الأساس، ولذلك قد يكون استمرار التفاوض أفضل أحياناً من الوصول السريع إلى خاتمته. التفاوض يمنحها الوقت، ويحافظ على قنوات الاتصال، ويؤجل الخيارات العسكرية، ويجعل القوى الكبرى تتعامل معها باعتبارها طرفاً في معادلة دولية، لا مجرد دولة خاضعة للعقوبات والضغط. ولهذا قد نرى جولات تفاوض هدفها الحقيقي الوصول إلى جولة أخرى. أما واشنطن، فيبدو أنها بدأت تنظر إلى الزمن بصورة معاكسة تماماً. إذا كانت طهران تعتقد أن الوقت يساعدها على المناورة، فإن إدارة ترامب تراهن على أن الوقت أصبح يعمل ضد الاقتصاد الإيراني. لذلك يتحول مركز الثقل الأمريكي تدريجياً من الاستنزاف العسكري المكلف إلى الاستنزاف الاقتصادي: عقوبات أشد، تضييق أكبر على صادرات النفط والتمويل، استهداف شبكات الالتفاف على العقوبات، وزيادة كلفة استمرار الوضع الحالي على الداخل الإيراني. المنطق الأمريكي هنا بسيط: لماذا يتم منح إيران تنازلات حالياً إذا كانت ستضطر لقبوله بعد أشهر تحت ضغط اقتصادي أكبر؟ ولذلك قد لا تكون واشنطن في عجلة من أمرها، خصوصاً إذا اعتقدت أن ميزان القوة التفاوضي يتحسن مع مرور الوقت. لكن هناك ساعة أخرى تتحرك في الخلفية: انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر. وكلما اقتربت، أصبحت تكلفة الحرب وأسعار الطاقة والسياسة الخارجية جزءاً أكبر من الحسابات الداخلية الأمريكية. وهذا قد يدفع ترامب إلى تجنب حرب واسعة جديدة، دون أن يعني بالضرورة تقديم تنازلات سريعة لإيران. لذلك قد تكون الأشهر المقبلة مرحلة انتظار تحت الضغط حيث واشنطن تشدد الخناق الاقتصادي وتترك باب الدبلوماسية موارباً، وطهران تحاول الصمود وإطالة العملية التفاوضية حتى تتغير الحسابات السياسية في واشنطن. المفارقة إذن أن الطرفين قد يعودان إلى الطاولة، لكن ليس لأنهما أصبحا أقرب إلى بعضهما. بل لأن كليهما يريد استخدام الطاولة ضد الآخر. إيران تريد تحويل الزمن إلى مساحة للصمود والمساومة، وأمريكا تريد تحويله إلى أداة للاستنزاف. ولذلك فإن انتهاء الستين يوماً قد لا يكون نهاية مذكرة التفاهم، بقدر ما يكون بداية المرحلة الأصعب منها، وهي التفاوض على التفاوض، وانتظار أي الطرفين سيكتشف أولاً أن الوقت لم يعد يعمل لمصلحته.

288

| 17 أغسطس 2026

تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير

ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه التحولات الأخيرة في المنطقة ليس: من هو التحالف الجديد؟ أو من سينضم إليه؟ بل سؤال أكثر جوهرية: هل بدأت دول المنطقة بالفعل الانتقال من استيراد الأمن إلى المشاركة في صناعته؟ الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة ليس حدثاً منفصلاً عن السياق الإقليمي المضطرب. فالاتفاق يقوم على مبدأ أن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث يمثل اعتداء عليها جميعاً، في لحظة شهدت فيها المنطقة حرباً واسعة، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتصاعد تهديدات الوكلاء، وارتفاع الشكوك حول قدرة منظومة الأمن التقليدية على منع الأزمات قبل وقوعها. لكن الخطأ سيكون في قراءة الاتفاق باعتباره محاولة لاستبدال الولايات المتحدة، أو تأسيس ناتو إسلامي جديد. ما يحدث أكثر تعقيداً من ذلك، فالمنطقة لا تنتقل من ضامن أمني إلى ضامن آخر، بل يبدو أنها تتحرك تدريجياً من فكرة الضامن الواحد إلى شبكة من الضمانات المتداخلة. وهذا ما يمكن تسميته بالأمن الشبكي؛ حيث تحتفظ الدول بعلاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، لكنها في الوقت نفسه توسع التعاون الدفاعي الإقليمي، وتبني شراكات ثنائية وثلاثية، وتستثمر في قدراتها العسكرية الذاتية، وتستخدم الدبلوماسية والوساطة كجزء من منظومة الأمن نفسها. هنا يظهر مفهوم آخر مهم هو الاستقلالية الإستراتيجية. وهي لا تعني القطيعة مع الحلفاء، وإنما امتلاك مساحة أوسع لاتخاذ القرار وعدم وضع أمن الدولة بالكامل في يد قوة خارجية واحدة. تجربة السنوات الأخيرة، وما شهدته المنطقة من هجمات وحروب واضطرابات في طرق الطاقة والملاحة، جعلت تنويع الشراكات الأمنية أقرب إلى ضرورة إستراتيجية منه إلى خيار سياسي. لكن صناعة الأمن لا تتم بالسلاح وحده. وهذا ربما هو الجانب الأكثر أهمية في التجربة الإقليمية الحالية. ففي الوقت الذي تتشكل فيه ترتيبات جديدة للردع، تعمل قطر وعُمان وباكستان عبر مسارات مختلفة على إبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة وخفض احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وقد شاركت قطر في دعم مسار الوساطة الذي تقوده باكستان، بينما واصلت عُمان محادثاتها مع إيران بشأن ترتيبات الملاحة في هرمز. بمعنى آخر، المنطقة بدأت تكتشف أن الردع والوساطة ليسا نقيضين. الردع يرفع تكلفة استخدام القوة، والوساطة توفر المخرج السياسي عندما تصبح تلك التكلفة مرتفعة. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر سيبقى في تحويل هذه الترتيبات المتعددة إلى منظومة متكاملة، لا أن تتحول إلى تحالفات متنافسة تزيد من الاستقطاب. فالأمن الإقليمي الحقيقي لا يتحقق بكثرة الاتفاقيات بقدر ما يتحقق بوجود تصور مشترك للتهديد، وآليات واضحة للتنسيق وإدارة الأزمات. لذلك قد يكون أهم تحول أنتجته أزمات هذا العام هو تغير السؤال نفسه. لسنوات طويلة كان السؤال في المنطقة: من سيحمينا؟ أما اليوم، فيبدو أن السؤال يتجه تدريجياً نحو: كيف نستطيع أن نحمي أنفسنا، مع حلفائنا، ومن خلال مؤسساتنا وقدراتنا ودبلوماسيتنا؟ والفرق بين السؤالين هو، في جوهره، الفرق بين استيراد الأمن وصناعته.

237

| 10 أغسطس 2026

الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد، بقدر ما كان انتقالاً مؤقتاً من القوة إلى الدبلوماسية. فالرئيس لم يعلن انتهاء الخيار العسكري، بل منح المفاوضات فرصة للوصول إلى تفاهم سريع بشأن مضيق هرمز والملف النووي. ولذلك، فإن أخطر قراءة للمشهد هي التعامل مع وقف الضربة باعتباره انتصاراً إيرانياً، أو دليلاً على أن واشنطن لم تكن جادة. جدية التهديد لا تُقاس بحدة التصريحات وحدها، بل بما يجري خلفها. فقد واصلت الولايات المتحدة تعزيز بنيتها العملياتية، بما في ذلك نقل طائرات إضافية للتزود بالوقود لدعم عملياتها في الشرق الأوسط. وهذه الطائرات ليست تفصيلاً لوجستياً عابراً؛ فهي من أهم مؤشرات الاستعداد لعمليات جوية بعيدة وممتدة، لأنها تمنح المقاتلات والقاذفات قدرة أكبر على الوصول والبقاء وتكرار الضربات. بمعنى آخر، كانت الدبلوماسية تتحرك بينما بقيت الآلة العسكرية جاهزة. وهناك أيضاً ساعة سياسية تتحرك بسرعة في واشنطن. فمجلس الشيوخ يدخل فترة عمل خارج العاصمة من العاشر من أغسطس حتى الحادي عشر من سبتمبر. صحيح أن غياب المجلس لا يسلب الرئيس قدرته التنفيذية على استخدام القوة، لكنه يضيق نافذة الترتيبات التشريعية والتمويل والرقابة السياسية المنظمة. وبعد ذلك تقترب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وسط احتمال أن يخسر الحزب الجمهوري أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما. وعندها قد يواجه الرئيس رقابة أشد، وتحقيقات أوسع، ومعارك أكثر تعقيداً حول تمويل الحرب وحدود صلاحياته. ولهذا، فإن هامش الحركة المتاح له اليوم قد لا يبقى متاحاً بالشكل نفسه بعد الانتخابات. هذه المعطيات تجعل الدور الذي قامت به دول المنطقة أكثر أهمية. فالدول التي تعرضت منذ اليوم الأول للصواريخ والهجمات الإيرانية لم تدفع نحو تدمير إيران، بل تحركت لمنع ضربة واسعة عليها. لقد ضغطت من أجل منح التفاوض فرصة، ليس دفاعاً عن السلوك الإيراني، وإنما دفاع عن استقرار المنطقة، وأمن الطاقة والملاحة الدولية، ومنع انهيار دولة كبيرة قد تنتج عن فوضاها أخطار تفوق أخطار المواجهة الحالية. وقد جاء تعليق الهجوم بعد اتصالات وضغوط إقليمية حذرت من نتائجه الأمنية والاقتصادية، وأكدت أن فرصة الحل لم تنته بعد. هنا تظهر عقلانية دول المنطقة في مقابل قصر النظر الإيراني. فقد حاولت طهران رفع كلفة الضغط الأمريكي عبر استهداف جيرانها وتهديد منشآتهم وسفنهم، معتقدة أن تحويل الخليج إلى ساحة خطر سيجبر دوله على حماية إيران. لكن دول المنطقة لم تتحرك تحت الابتزاز، بل انطلاقاً من حسابات استراتيجية تدرك أن خطر حرب واسعة في المنطقة يهدد استقرار الإقليم بشكل كبير، رغم السلوكيات الإيرانية العدائية تجاه دول المنطقة. ومع ذلك، لا ينبغي لطهران أن تسيء تفسير ضبط النفس. فالمنطقة لم تُسقط الخيار العسكري، بل أوقفت ساعته مؤقتاً. والتحركات العسكرية الأمريكية لم تتوقف، والنافذة السياسية أمام الرئيس تضيق كلما اقتربت انتخابات نوفمبر. لذلك، فإن المهلة الحالية ليست انتصاراً لإيران، وإنما اختبار لقدرتها على التمييز بين الفرصة والنجاة المؤقتة. لقد قامت المنطقة بما عليها: دافعت عن أمنها، وعن استقرار العالم، وحتى عن بقاء إيران بعيداً عن ضربة قد تغير شكلها لعقود. والآن تقع المسؤولية على طهران؛ فإما أن تستخدم الوقت الذي وفره جيرانها للعودة إلى العقلانية، أو تكتشف أن الدبلوماسية تستطيع تأجيل الحرب، لكنها لا تستطيع إلغاءها إلى الأبد.

372

| 04 أغسطس 2026

من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟

بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في إشعال الحرب بات اليوم الأقل تعرضاً لنيرانها، والأكثر تحصيلاً لمكاسبها. فبينما تتساقط الصواريخ والمسيرات الإيرانية على مطارات ومحطات مياه في دول الخليج، وبينما يدفع العالم فاتورة إغلاق مضيق هرمز، تسجل بورصة تل أبيب مستويات قياسية ويواصل الشيكل صعوده. إسرائيل، ببساطة، هي الرابح الصامت في هذه الحرب. الأرقام لا تجامل. بنك إسرائيل، رغم خفض توقعاته بسبب الحرب، ما زال يتوقع نمواً بنسبة 3.8% هذا العام، وهي نسبة تتفوق بها على معظم الاقتصادات المتقدمة في زمن السلم. الصادرات الدفاعية الإسرائيلية بلغت رقماً قياسياً هو 19.2 مليار دولار في 2025 بزيادة تناهز 30%، إذ تحولت كل جولة قتال إلى عرض تسويقي حي لمنظومات الصواريخ والدفاع الجوي أمام الزبائن. وفي ذروة الحرب أغلقت أكبر صفقتي استثمار أجنبي في تاريخ إسرائيل بقيمة تتجاوز 57 مليار دولار. أما إغلاق هرمز الذي يخنق صادرات الطاقة الخليجية ويربك أسواق آسيا، فلا يمس إسرائيل أصلاً؛ لأن موانئها متوسطية وغازها يتدفق تصديراً نحو مصر بمعدلات قياسية. وعلى المستوى الاستراتيجي، أنجزت الحرب لإسرائيل ما عجزت عنه عقود من سياسات الاحتواء: الضغط من أجل تفكيك شبكة الوكلاء التي شكلت جوهر عقيدة الدفاع المتقدم الإيرانية. فحزب الله الذي حارب إلى جانب إيران دفع الثمن حظراً رسمياً لأنشطته العسكرية من الدولة اللبنانية نفسها، والحوثيون الذين ما زالوا ينفذون عملياتهم ضد السعودية يواجهون حملة متصاعدة من الدولة اليمنية ضدهم، والفصائل العراقية تخضع لحملة حصر السلاح بيد الدولة وتتصرف بمنطق محلي متفكك. هكذا خاضت إيران الحرب، وانكشف مبدأ وحدة الساحات بوصفه ساحات متفرقة، كل منها مشغول ببقائه. والأخطر من ذلك كله معادلة النيران في الطور الراهن. فإيران، التي تتجنب استهداف الأصول البحرية الأمريكية خشية فتح أبواب الجحيم عليها، وتتحاشى توسيع الحرب مع إسرائيل حفاظاً على شعرة التفاوض مع واشنطن، اختارت تصريف ردها في اتجاه ثالث: دول الخليج والأردن. هكذا خرجت الجبهة الداخلية الإسرائيلية عملياً من مرمى الاستهداف، بينما يتحمل مدنيون خليجيون كلفة ردع لم يختاروه، في حرب لم يُستشاروا فيها ولم يعلنوها، وبعضهم في دول هي الأبعد أصلاً عن أي تطبيع مع إسرائيل. هذه المعادلة تقودنا إلى استنتاج مزعج: حين يكون أحد أطراف الحرب رابحاً صافياً من استمرارها بهذا الإيقاع المضبوط، تضعف حوافزه لإنهائها، ويصبح تمديد الصراع لا حسمه هو العقلانية الاستراتيجية من منظوره. فلا ينبغي أن ننتظر ممن يجني عوائد الحرب أن يتطوع بإطفائها. في هذا السياق تأتي زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن. فهي ليست اجتماعاً لتنسيق الضربات فحسب، بل محاولة لتحويل المكاسب العسكرية إلى قواعد للنظام الإقليمي المقبل. وموافقة حكومته، قبيل الزيارة، على إدخال القوة الدولية المرتبطة بترتيبات مجلس السلام إلى أجزاء من غزة تبدو تنازلاً محسوباً لترامب: مرونة محدودة في غزة مقابل دعم أوسع لاستمرار الضغط على إيران، وتشديد ترتيبات لبنان، وتثبيت حرية الحركة الإسرائيلية إقليمياً. غير أن مصالح واشنطن وإسرائيل ليست متطابقة. نتنياهو يريد استثمار لحظة الضعف الإيراني لتوسيع الحرب أو إطالتها حتى يصبح التفوق الإسرائيلي حقيقة سياسية دائمة. أما واشنطن فتريد إيران أضعف، لكنها لا تريد حرباً مفتوحة تستنزف مخزونها العسكري، وترفع أسعار الطاقة، وتربك أولوياتها الآسيوية. ولذلك ستكون الزيارة تفاوضاً حول إيقاع الحرب وحدودها: إسرائيل تدفع نحو تصعيد يعيد تشكيل المنطقة، وواشنطن تميل إلى ضغط مضبوط ينتزع تنازلات من دون انهيار شامل.

267

| 28 يوليو 2026

كيف نعيد أطراف الحرب إلى الطاولة؟

عادت الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل انتهت الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، أم أنها تلتقط أنفاسها فحسب؟ فبعد أسابيع قليلة على توقيع مذكرة التفاهم في السابع عشر من يونيو الماضي، التي رعتها باكستان وسهلتها قطر ودول أخرى، انفجر التصعيد مجدداً في مضيق هرمز، وتبادل الطرفان الضربات والاتهامات بانتهاك المذكرة، حتى أعلن الرئيس الأمريكي أنها انتهت، قبل أن يفتح الباب موارباً أمام استمرار المفاوضات. لذلك، المشهد يبدو قاتماً، لكن التاريخ الدبلوماسي يقول شيئاً آخر: الأطراف المتحاربة تعود إلى الطاولة دائماً، ليس لأنها تريد ذلك، بل لأن كلفة الاستمرار في الحرب تتجاوز في لحظة ما كلفة الجلوس والتفاوض. والسؤال الحقيقي ليس هل تعود؟ بل كيف تعود؟ الخبرة الأولى نستدعيها من اتفاق الجزائر عام 1981، حين أنهت الوساطة الجزائرية أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران بعد 444 يوماً من القطيعة التامة. الدرس هنا أن طرفين لا يستطيعان الحديث مباشرة يحتاجان وسيطاً يثقان به معاً، يحمل الرسائل ويحفظ ماء الوجه ويصوغ الحلول التي لا يستطيع أي طرف اقتراحها علناً. والخبرة الثانية من القناة الخلفية العُمانية بين عامي 2012 و2013، التي مهدت سراً للاتفاق النووي عام 2015. الدرس أن المفاوضات الكبرى تولد بعيداً عن الكاميرات؛ فالتفاوض العلني يتحول إلى مزايدة، بينما تتيح القنوات الهادئة للطرفين اختبار النوايا دون أثمان سياسية داخلية. أما الخبرة الثالثة فمن مذكرة إسلام آباد نفسها. صحيح أنها تعثرت، لكنها أثبتت أن اتفاقاً مرحلياً من نقاط محددة (الملاحة في هرمز، والملف النووي، والعقوبات) قادر على وقف نار مشتعلة خلال أيام. والاتفاقات المرحلية لا تموت بالانتهاكات، بل تُستأنف وتُرمم، كما حدث في حروب كثيرة قبلها. وليس غريباً أن يتفاوض الخصوم والنار مشتعلة؛ فمحادثات باريس بشأن فيتنام استمرت سنوات والقتال على أشده، وهدنة كوريا وُقعت في بانمونجوم بعد عامين من مفاوضات ترافقت مع المعارك. القاعدة التي رسخها التاريخ أن التفاوض والقتال ليسا نقيضين بالضرورة، بل مساران متوازيان يضغط أحدهما على الآخر، حتى ترجح كفة الطاولة حين يدرك الجميع أن البندقية وحدها لا تصنع نهاية. كيف تُترجم هذه الخبرات اليوم؟ اتفاق الجزائر لم ينجح بالرسائل المتبادلة وحدها، بل حين أودع الطرفان التزاماتهما لدى الوسيط نفسه؛ فالأموال الإيرانية المجمدة وُضعت يومها في حساب ضمان بإشراف جزائري لا تُصرف إلا مع التنفيذ. وهذا هو المطلوب الآن: أن تُودع ترتيبات الأصول المجمدة والملاحة في هرمز لدى الوسطاء أنفسهم، فيتحول الوسيط من ناقل رسائل إلى ضامنٍ يملك أدوات التنفيذ. وقناة عُمان لم تُنتج الاتفاق النووي إلا لأنها ظلت تعمل في الظل بينما كان المسار العلني يتعثر، والمطلوب اليوم قناة موازية صامتة بين واشنطن وطهران لا تتوقف مع كل ضربة ولا تخضع لمزايدات الداخل في العاصمتين. أما بانمونجوم فدرسها أن من ينتظر صمتاً كاملاً للمدافع كي يتفاوض لن يتفاوض أبداً. وأما مذكرة التفاهم الأخيرة تعثرت لأنها لم تُجب عن سؤال واحد: ماذا يحدث حين يُخرق بند من بنودها؟ ولذلك فأي تفاهم جديد يجب أن يولد ومعه بروتوكول الخرق: من يحقق في الحادثة، ومن يفصل بين الروايتين، وما الرد المتدرج المتفق عليه سلفاً، قبل أن تتحول كل شرارة في البحر إلى حرب جديدة. ويبقى الأهم: التفاوض ليس مكافأة يمنحها طرف لآخر، بل ضرورة تفرضها موازين الواقع. حين وصف كيسنجر الدبلوماسية بأنها "فن ضبط القوة"، كان يعني أن الجلوس إلى الطاولة ليس ضعفاً، بل إدارة ذكية للقوة ذاتها. والتاريخ من الجزائر إلى مسقط إلى إسلام آباد والدوحة يقول إن الطاولة لا تُلغى، بل تُهجر مؤقتاً ثم يعود إليها الجميع، والحكمة كل الحكمة في تقصير زمن الهجران، لأن كل يوم إضافي بعيداً عنها يُدفع ثمنه في البحر والمدن وأسواق الطاقة.

369

| 21 يوليو 2026

الأمير الوالد.. مؤسس قطر الحديثة

هناك رجال يحكمون أوطاناً، ورجال يصنعونها. والأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، من الطراز الثاني؛ من أولئك الذين لا تُقاس سنوات حكمهم بالتقويم، بل بالمسافة بين ما كنا وما أصبحنا. يتذكر أهل قطر قبل عام ١٩٩٥: بلداً صغيراً على أطراف الخريطة، يعرفه الجيران ويجهله العالم. ثم جاء رجلٌ نظر إلى أعماق البحر فرأى ما لم يره غيره؛ رأى في حقل الشمال ليس غازاً فحسب، بل جسراً نعبر عليه إلى المستقبل. راهن حين تردد الآخرون، فإذا بقطر خلال سنوات تتصدر العالم في تصدير الغاز المسال، وإذا بأبنائها يعيشون في واحدة من أغنى دول الأرض. لكن عظمة الرجل لم تكن في الثروة، بل في السؤال الذي طرحه بعدها: ماذا نصنع بها؟ كان جوابه أن الثروة الحقيقية عقول أبنائنا. فقامت المدينة التعليمية تستقطب أعرق جامعات العالم إلى تراب الدوحة، وصار حلم العلم الذي كان يتطلب سفراً وغربةً على بُعد دقائق من بيوتنا. وكان جوابه أن الكلمة الحرة كرامة، فأطلق قناة الجزيرة لتكسر جدار الصمت العربي، وتحمل «الرأي والرأي الآخر» إلى كل بيت، فعرف العالم أن في هذه الجزيرة الصغيرة صوتاً لا يخاف. وكان جوابه أن قطر لن تكون طرفاً في نزاعات المنطقة، بل جسراً بين المتخاصمين. فكتب الصلح في دستورنا قبل أن يكتبه في سياستنا، وصارت الدوحة بيتاً يلتقي فيه الفرقاء حين تغلق الأبواب في وجوههم؛ من اتفاق لبنان عام ٢٠٠٨ إلى دارفور وما بعدها. علمنا أن الدولة الصغيرة تكبر بأخلاقها ومساعيها، لا بمساحتها. ثم رفع اسمنا حيث لم يصل اسم عربي من قبل. دورة الألعاب الآسيوية، أكاديمية أسباير، ثم اللحظة التي وقف فيها العالم مذهولاً عام ٢٠١٠: قطر تفوز باستضافة كأس العالم، أول مونديال في تاريخ العرب والمسلمين. وفي الثقافة، شيد متحف الفنون الإسلامية ليقول للدنيا إننا أمة حضارة وذاكرة، لا مجرد أبراج وثروات. وامتدت يد قطر البيضاء إلى كل منكوب ومحتاج؛ من إعمار ما هدمته الحروب إلى تعليم ملايين الأطفال المحرومين، فصار العطاء جزءاً من هويتنا الوطنية. ثم جاء درسه الأخير، وكان أبلغها جميعاً. في يونيو ٢٠١٣، وفي ذروة النجاح، سلم الراية طواعية لسمو الشيخ تميم بن حمد، حفظه الله. تنازل عن الحكم وهو في كامل قوته، في منطقة لم تعرف تداول السلطة إلا اضطراراً. قال بفعله ما لم يقله بلسانه: إنني بنيت دولةً لا عرشاً، ومؤسساتٍ لا أمجاداً شخصية. وكم كان مشهد الأب واقفاً خلف ابنه درساً في الوفاء قبل أن يكون درساً في الحكم. نحن جيل محظوظ؛ رأينا الوطن يولد من جديد على يدي رجل واحد آمن بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا. واليوم، حين تهبط طائراتنا في كل عواصم الدنيا، وحين يجلس المتخاصمون على طاولة في الدوحة، وحين يتخرج أبناؤنا من جامعات عالمية، فإننا نقطف ثمار غرسه. سمو الأمير الوالد لم يترك لنا إنجازات فحسب؛ ترك لنا عقيدة وطنية: أن الجغرافيا قدر، لكن المصير قرار. وأن قطر، مهما صغرت مساحتها، تتسع لحلم بحجم العالم. اليوم نودعك والقلوب تعتصر، لكن عزاءنا أن ما بنيته باقٍ فينا وفي أبنائنا وأحفادنا، وأن الراية التي سلّمتها بيدك أمينةٌ في يد من ربّيت. الله يرحمك يا سمو الشيخ حمد، ويجزيك عن قطر وأهلها خير الجزاء، ويحفظ لنا سمو الأمير قائدنا، ويديم على وطننا أمنه وعزه.

165

| 14 يوليو 2026

البروتوكول الدبلوماسي لغة الدول في أوقات الأزمات

ليست كل زيارة رسمية تحمل رسالة سياسية جديدة، وليست كل مصافحة تعني توافقاً، كما أن تقديم واجب العزاء بين الدول لا ينبغي تفسيره باعتباره تحولاً في السياسات أو إعادة تموضع في التحالفات. ففي العلاقات الدولية، توجد لغة موازية للسياسة تُسمى البروتوكول الدبلوماسي؛ وهي لغة تحافظ على الحد الأدنى من الاحترام بين الدول حتى عندما تكون الملفات الخلافية معقدة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم زيارة وفد دولة قطر برئاسة رئيس مجلس الشورى إلى طهران لتقديم واجب العزاء في وفاة المرشد الإيراني. فالزيارة تندرج ضمن الأعراف الدبلوماسية المستقرة التي تحكم العلاقات بين الدول، وتعكس احتراماً للمؤسسات الرسمية والبروتوكولات الدولية أكثر مما تعكس تغييراً في المواقف السياسية أو في طبيعة العلاقات الثنائية. كما أن اختيار رئيس مجلس الشورى لرئاسة الوفد يحمل دلالة إضافية تتجاوز البعد التنفيذي للعلاقات بين الحكومات. فالمجلس يمثل السلطة التشريعية في الدولة، بما يجسده من بعد مؤسسي وشعبي، وهو ما يضفي على الزيارة رسالة مفادها أن العلاقات بين ضفتي الخليج لا تختزل في الخلافات السياسية الآنية، بل تستند أيضاً إلى تاريخ طويل من الروابط الإنسانية والاجتماعية والتجارية التي سبقت نشوء الدولة الوطنية الحديثة. فقد كان الخليج، على امتداد قرون، فضاء للتواصل بين المجتمعات قبل أن يصبح حدوداً فاصلة بين الدول. ولهذا فإن البروتوكول الدبلوماسي ليس شكلاً فارغاً أو مجرد مراسم، بل هو إحدى أدوات الاستقرار في النظام الدولي. فمن خلاله تستمر قنوات التواصل، وتبقى العلاقات الرسمية قائمة حتى في أكثر الفترات توتراً. لذلك نشاهد وفوداً رسمية تشارك في مراسم تنصيب رؤساء، أو تشييع قادة، أو الاحتفال بالأعياد الوطنية، رغم وجود خلافات سياسية أو حتى نزاعات قائمة بين دولها. إن نجاح السياسة الخارجية لا يقاس فقط بقدرتها على إدارة لحظات الاتفاق، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة لحظات الخلاف دون انهيار العلاقات الرسمية. فالدول التي تحافظ على البروتوكولات الدبلوماسية تمتلك عادة مساحة أكبر للحوار عندما تبرز الأزمات، لأن قنوات الاتصال لم تُغلق، ولأن الاحترام المؤسسي ظل قائماً رغم الاختلاف. وهنا تبرز أهمية التمييز بين المواقف السياسية وبين الالتزامات الدبلوماسية. فقد تختلف الدول حول ملفات الأمن أو الاقتصاد أو القضايا الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تستمر في الالتزام بالأعراف التي تنظم العلاقات بين الحكومات. وهذا السلوك لا يعكس ضعفاً في الموقف، بل يعكس نضجاً في إدارة السياسة الخارجية وإدراكاً بأن العلاقات بين الدول لا تُدار بردود الفعل الآنية، وإنما وفق قواعد تراكمت عبر عقود من الممارسة الدبلوماسية. كما أن هذه البروتوكولات تمنح الدولة مصداقية أكبر أمام المجتمع الدولي. فالدولة التي تلتزم بالأعراف الدولية في الظروف العادية والاستثنائية يُنظر إليها باعتبارها شريكاً يمكن الوثوق به، وقادراً على الفصل بين الخلاف السياسي وبين الواجبات الدبلوماسية. وهذه إحدى السمات الأساسية للدبلوماسية الاحترافية التي لا تسمح للأحداث الطارئة بأن تقود السياسة الخارجية بعيداً عن ثوابتها. وفي منطقة تعيش أزمات متلاحقة واستقطابات حادة، تزداد أهمية هذا النهج. فالإبقاء على الحد الأدنى من التواصل والاحترام المؤسسي لا يحل الخلافات وحده، لكنه يمنعها من التحول إلى قطيعة دائمة. كما أن استحضار البعد الشعبي والتاريخي للعلاقات بين شعوب الخليج يذكر بأن الخلافات بين الحكومات لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة بين المجتمعات التي جمعها البحر والتجارة والمصاهرة والتاريخ المشترك عبر قرون. إن قراءة الزيارات الرسمية من خلال هذا المنظور تساعد على تجنب التفسيرات المتسرعة التي تربط كل خطوة بتغيير سياسي كبير. فالدبلوماسية ليست سلسلة من الرسائل الإعلامية، بل منظومة متكاملة من القواعد والأعراف التي تضمن استمرار العلاقات بين الدول مهما اختلفت مواقفها، وتحافظ في الوقت نفسه على الجسور الإنسانية بين الشعوب. ولهذا تبقى البروتوكولات الدبلوماسية أحد أكثر أدوات السياسة الخارجية هدوءاً، لكنها في كثير من الأحيان من أكثرها أهمية في حماية الاستقرار وبناء الثقة على المدى الطويل.

468

| 07 يوليو 2026

العودة إلى هرمز

لم يكن التفاهم الأخير بين واشنطن وطهران نهاية للأزمة بقدر ما كان انتقالاً إلى مرحلة أكثر حساسية، وهي مرحلة تحويل التفاهم السياسي إلى قواعد تنفيذية قابلة للقياس والاختبار. وفي هذه المرحلة تحديداً، عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد، ليس فقط بوصفه ممراً ملاحياً حيوياً، بل باعتباره ورقة ضغط إيرانية تسعى الولايات المتحدة إلى تحييدها أو تقليص فاعليتها. ما يجري اليوم لا يمكن فهمه باعتباره تصعيداً منفصلاً في البحر أو تحركاً دبلوماسياً معزولاً في لبنان، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة ترتيب أوراق ما بعد التفاهم. فالولايات المتحدة تدرك أن أي اتفاق مع إيران سيبقى هشاً إذا ظلت طهران قادرة على استخدام هرمز كورقة ابتزاز استراتيجية كلما تعثرت الملفات الأخرى. لذلك يبدو أن واشنطن تحاول الانتقال من منطق احتواء الأزمة إلى منطق تفكيك أدوات الضغط الإيرانية واحدة تلو الأخرى. في هذا السياق، يبرز المسار اللبناني الإسرائيلي باعتباره جزءاً من المعادلة نفسها. فالدفع نحو إطار اتفاق أو تفاهم لبناني إسرائيلي، برعاية أمريكية، لا يستهدف فقط تهدئة جبهة لبنان، بل يضغط أيضاً على أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة. فكلما جرى وضع حزب الله تحت ضغط داخلي لبناني، سواء من خلال الدولة أو الرأي العام أو المؤسسات، تراجعت قدرة إيران على استخدام لبنان كورقة تفاوضية مقابلة لهرمز والملف النووي. بهذا المعنى، لا تنظر واشنطن إلى لبنان وهرمز كملفين منفصلين، بل كمساحتين مترابطتين في ميزان الضغط والردع. في المقابل، يبدو أن التحركات العسكرية أو الأمنية قرب هرمز تستهدف تقليص قدرة إيران العملية على التحكم بالممرات البحرية أو تعطيل الملاحة. فالرسالة الأمريكية هنا ليست فقط أن حرية الملاحة خط أحمر، بل أن القدرة الإيرانية على تحويل المضيق إلى أداة تفاوضية يجب أن تصبح أقل كلفة على العالم، وأكثر كلفة على طهران نفسها. وهذا هو جوهر سياسة انتزاع الورقة: ليس منع إيران من امتلاك الخطاب حول هرمز، بل تقليص قدرتها على تحويل هذا الخطاب إلى فعل مؤثر. لكن إيران، من جهتها، لا تقف مكتوفة الأيدي. فهي تدرك أن خسارة ورقة هرمز أو إضعافها تعني الدخول في مرحلة تفاوضية أقل توازناً. لذلك تلجأ إلى توسيع مساحة الرد عبر الإقليم، سواء من خلال التصعيد الرمزي أو تحريك الملفات الجانبية أو الضغط على دول الخليج من خلال استهداف البحرين والكويت مؤخراً. هذه ليست بالضرورة رغبة في حرب مفتوحة، بل محاولة لإثبات أن المساس بأوراق إيران سيؤدي إلى اضطراب أوسع في المنطقة. ومن هنا تكتسب الأحاديث عن جلسة محتملة هذا الأسبوع في الدوحة بين واشنطن وطهران حول ملف هرمز أهمية خاصة. فإذا صح انعقاد هذه الجلسة، فإنها تعني أن المضيق لم يعد مجرد عنوان أمني، بل أصبح بنداً تنفيذياً في مرحلة ما بعد التفاهم. والسؤال لم يعد: هل سيتم الاتفاق؟ بل: كيف سيتم تنفيذ الاتفاق دون أن يحتفظ كل طرف بأدوات تعطيله؟ الزاوية الأهم هنا أن هرمز تحول من ورقة أزمة إلى اختبار للاتفاق نفسه. فإذا استطاعت الأطراف وضع قواعد واضحة للملاحة، وعدم استهداف السفن، وآليات تنسيق أو تهدئة، فسيكون ذلك مؤشراً على قدرة التفاهم على الصمود. أما إذا بقي هرمز مساحة رمادية، فإن أي اتفاق سياسي سيظل معرضاً للانهيار عند أول اختبار ميداني. لذلك، فإن العودة إلى هرمز ليست عودة إلى نقطة الصفر، بل انتقال إلى نقطة أكثر تقدماً وخطورة. فبعد أن كان المضيق أداة ضغط للوصول إلى التفاهم، أصبح الآن معياراً لقياس جدية الأطراف في تنفيذ ما تم التفاهم عليه. وفي هذه المرحلة، ستتحدد حدود القوة الإيرانية، وحدود الضغط الأمريكي، ودور دول الخليج في حماية أمنها من أن يتحول مجدداً إلى ساحة تفاوض بين الآخرين.

639

| 29 يونيو 2026

الوساطة بين الصورة والمحتوى والإقليم

عندما ينظر كثيرون إلى المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة قطرية وباكستانية، فإن التركيز ينصب عادة على مضمون الاتفاق المحتمل: البرنامج النووي، العقوبات، الأموال المجمدة، أو أمن الملاحة في الخليج. لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الوسطاء اليوم قد لا يكون متعلقاً بالاتفاق نفسه بقدر ما يتعلق بإدارة ثلاث وساطات متزامنة ومتداخلة في آن واحد: وساطة الصورة، ووساطة المحتوى، ووساطة الإقليم. في المفاوضات التقليدية يكون الخلاف حول المصالح أو البنود أو التنازلات المطلوبة. أما في هذه الجولة، فإن الخلاف يبدأ حتى قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. فقد لفت الانتباه رفض الوفد الإيراني دخول قاعة المفاوضات بحضور وسائل الإعلام، ثم دخوله بعد خروج المصورين. قد يبدو الأمر تفصيلاً بروتوكولياً بسيطاً، لكنه في الواقع يعكس واحدة من أعقد معضلات التفاوض المعاصر: معضلة الصورة. إيران تريد أن تفاوض الولايات المتحدة بشكل مباشر وأن تظهر أنها ند لند أمام القوة الكبرى في العالم، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول صورة المصافحة أو اللقاء إلى مادة سياسية داخلية تُستخدم ضدها باعتبارها تراجعاً أمام الضغوط الأمريكية. في المقابل، تدرك واشنطن أن الصورة نفسها يمكن أن تُقدم للرأي العام الأمريكي باعتبارها دليلاً على نجاح سياسة الضغط والعقوبات. هنا يصبح الخلاف ليس فقط حول ما سيُقال داخل القاعة، بل حول ما سيُرى خارجها. من هذه الزاوية، يصبح الوسيط مطالباً بإدارة الرموز السياسية بقدر إدارته للنصوص السياسية. فالنجاح لا يقاس فقط بما يوقع على الورق، بل أيضاً بطريقة تقديم الاتفاق للجماهير في طهران وواشنطن. وكثيراً ما انهارت تفاهمات محتملة في التاريخ بسبب الخلاف على الصورة أكثر من الخلاف على المضمون. أما الوساطة الثانية فهي وساطة المحتوى، وهي الأكثر تعقيداً من الناحية التفاوضية. فالسؤال المركزي لا يتعلق فقط بما سيقدمه كل طرف، بل بترتيب الخطوات نفسها. هل ترفع العقوبات أولاً؟ أم تأتي التنازلات النووية أولاً؟ هل يتم الإفراج عن الأموال المجمدة قبل تنفيذ الالتزامات الإيرانية أم بعدها؟ هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي أزمة ثقة متراكمة عبر عقود. فإيران تنظر إلى تجارب سابقة وتخشى أن تقدم تنازلات ثم تواجه عقوبات جديدة أو تغيراً في الموقف الأمريكي. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى التجارب نفسها من زاوية مختلفة، إذ تخشى أن يؤدي الإفراج المبكر عن الأموال أو تخفيف الضغوط الاقتصادية إلى تعزيز النفوذ الإيراني الإقليمي قبل الحصول على الضمانات المطلوبة. لهذا السبب لا يقتصر دور الوسطاء على تقريب المواقف، بل يمتد إلى تصميم آليات تنفيذ وضمانات تسمح للطرفين بتجاوز مشكلة الثقة. فالتفاوض هنا لا يدور حول الاتفاق فقط، بل حول كيفية تطبيقه ومن سيتحرك أولاً. لكن التحدي الثالث ربما يكون الأكثر أهمية، وهو وساطة الإقليم. فالمفاوضات لا تجري في فراغ. فملفات مثل أمن الخليج، ومستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية، والملاحة في مضيق هرمز، والعلاقة بين الاتفاق النووي والملفات الإقليمية الأخرى، كلها حاضرة في الخلفية. ومن هنا يمكن فهم أهمية الحراك الدبلوماسي الموازي الذي شهدناه خلال الأيام الماضية، بما في ذلك الاجتماعات الإقليمية التي عُقدت في القاهرة بمشاركة عدد من القوى العربية والإقليمية. فهذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً بأن أي اتفاق أمريكي إيراني لن ينجح إذا بقي اتفاقاً ثنائياً منفصلاً عن البيئة الإقليمية المحيطة به. بمعنى آخر، لا يكفي أن تتفق واشنطن وطهران على الملف النووي إذا بقيت الأسئلة الكبرى المتعلقة بأمن المنطقة دون إجابة واضحة. ولهذا فإن الوساطة القطرية والباكستانية لا تتحرك فقط بين وفدين داخل قاعة واحدة، بل بين مجموعة واسعة من الحسابات والمخاوف الإقليمية المتشابكة. لذلك تكشف هذه الجولة من المفاوضات أن الوساطة الحديثة أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد تقريب وجهات النظر. فالوسيط الناجح اليوم لا يدير خلافاً واحداً، بل يدير عدة مفاوضات متوازية في الوقت نفسه: مفاوضات الصورة، ومفاوضات المحتوى، ومفاوضات الإقليم. وربما يكون النجاح الحقيقي لهذه الوساطة هو قدرتها على جمع هذه المسارات الثلاثة في اتفاق واحد قابل للحياة والاستمرار.

828

| 22 يونيو 2026

الأيام الأخيرة قبل التفاهم: لحظة المفسدين لا لحظة السلام

في الأزمات الكبرى، لا تكون أخطر لحظة دائماً هي لحظة اندلاع الحرب، بل اللحظة التي تسبق نهايتها. فكلما اقتربت الأطراف من توقيع تفاهم، ارتفعت شهية المفسدين، وتضاعفت محاولات إعادة خلط الأوراق، لأن الاتفاق لا يعني فقط وقف التصعيد، بل يعني أيضاً إعادة توزيع المكاسب والخسائر. هنا تصبح الأيام الأخيرة قبل أي تفاهم أمريكي-إيراني محتمل أكثر حساسية من أيام المواجهة نفسها. السبب بسيط: الحرب تمنح الأطراف لغة واضحة مثل القوة، الردع، التهديد، واستعراض القدرة. أما الاتفاق فيفرض سؤالاً أصعب: من تنازل؟ من ربح؟ ومن استطاع تحويل التصعيد إلى مكسب سياسي؟ لذلك لا يخشى بعض اللاعبين استمرار الحرب بقدر ما يخشون اتفاقاً لا يعكس مصالحهم أو لا يمنحهم موقعاً في ترتيبات ما بعد الأزمة. داخل إيران، يبرز الحرس الثوري بوصفه اللاعب الأكثر حساسية تجاه أي تفاهم مع واشنطن. فالمسألة بالنسبة له لا تتعلق بالملف النووي وحده، بل بمجمل بنية النفوذ الإيراني في المنطقة. أي اتفاق يخفف العقوبات أو يوقف الحرب قد يكون مقبولاً من زاوية الدولة الإيرانية، لكنه يصبح إشكالياً إذا تم فهمه على أنه بداية لتقييد أذرع إيران الإقليمية أو تقليص دور الحرس الثوري في صناعة القرار الأمني. لذلك قد لا يعمل الحرس الثوري بالضرورة على إسقاط الاتفاق، لكنه سيحاول فرض شروطه على معناه وحدوده. من هنا نفهم لماذا تزداد أهمية التصعيد المحدود في الأيام الأخيرة. فالضربة أو التهديد أو تحريك إحدى الجبهات لا يكون دائماً إعلاناً للذهاب إلى حرب واسعة، بل قد يكون رسالة تفاوضية: إيران مستعدة للتفاهم، لكنها لن توقع من موقع الضعف. هذه الرسالة تخاطب واشنطن، لكنها تخاطب الداخل الإيراني أيضاً. فالنظام يحتاج إلى اتفاق، لكنه يحتاج أكثر إلى سردية تقول إن الاتفاق جاء نتيجة الصمود لا نتيجة الانكسار. في المقابل، تقف إسرائيل بوصفها المفسد الخارجي الأبرز. فهي لا تنظر إلى أي تفاهم أمريكي-إيراني من زاوية وقف الحرب فقط، بل من زاوية موازين القوى بعد الاتفاق. السؤال الإسرائيلي ليس بشأن توقف إطلاق النار؟ بل: هل ستخرج إيران أضعف فعلاً؟ هل سيُمس نفوذها في لبنان؟ هل ستتراجع قدرتها على إدارة شبكاتها الإقليمية؟ أم أن الاتفاق سيمنحها هدنة تلتقط فيها أنفاسها وتعيد ترتيب أدواتها؟ لهذا تبدو الجبهة اللبنانية شديدة المركزية. لبنان ليس تفصيلاً هامشياً في هذه الأزمة، بل ساحة اختبار لمعنى التفاهم. فإذا انتهت المواجهة الأمريكية-الإيرانية من دون معالجة وزن إيران في لبنان، فقد ترى إسرائيل أن الاتفاق لا يحل المشكلة، بل يؤجلها. ومن هنا قد تلجأ إلى التصعيد أو التهديد أو العمليات المحدودة لرفع كلفة أي تفاهم لا يأخذ حساباتها الأمنية في الاعتبار. إسرائيل لا تريد بالضرورة منع كل اتفاق، لكنها تريد اتفاقاً لا يتحول إلى مظلة لحماية النفوذ الإيراني. أما في واشنطن، فهناك مفسد من نوع مختلف: الداخل الأمريكي. أي رئيس أمريكي يقترب من تفاهم مع إيران يواجه فوراً اتهاماً محتملاً بالضعف أو التنازل أو إعادة إنتاج أخطاء الماضي. الكونغرس، والخصوم السياسيون، والجماعات الضاغطة، واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، كلها قادرة على تحويل الاتفاق من إنجاز دبلوماسي إلى عبء انتخابي. لذلك سيحتاج الرئيس الأمريكي إلى تقديم التفاهم لا كصفقة مع إيران، بل كإجبار لإيران على التراجع. هذه ليست مسألة خطابية، بل شرط سياسي لبقاء الاتفاق داخلياً. هنا تكمن المعضلة الحقيقية لأن الأطراف قد تكون قريبة من التفاهم، لكنها ليست متفقة على معنى التفاهم. واشنطن تريد إنهاء الأزمة وتسويق النجاح. طهران تريد رفع الضغط من دون الظهور بمظهر المهزوم. الحرس الثوري يريد حماية معادلة النفوذ. إسرائيل تريد منع إيران من تحويل الهدنة إلى مكسب استراتيجي. والداخل الأمريكي يريد اتفاقاً يبدو صارماً لا تصالحياً. لذلك فإن الأيام الأخيرة قبل التوقيع ليست مرحلة هدوء، بل مرحلة صراع على الصياغة النهائية، وعلى الصورة، وعلى السردية. في هذه اللحظة تحديداً، قد تصبح الضربة المحدودة أكثر خطورة من الحرب المفتوحة، لأنها قد تُقرأ خطأً أو تدفع طرفاً إلى رد لا يريده أصلاً.

393

| 15 يونيو 2026

واشنطن تفاوض على اتفاق.. طهران وتل أبيب على الشرق الأوسط

ليست الأزمة الحالية مجرد خلاف حول برنامج نووي، ولا يمكن فهمها باعتبارها مساراً تفاوضياً واحداً بين واشنطن وطهران. ما يحدث أقرب إلى وجود مستويين متوازيين من التفاوض: الأول أمريكي-إيراني يدور حول الاتفاق النووي وشكله السياسي، والثاني إيراني-إسرائيلي يدور حول ميزان القوة في الشرق الأوسط، ويتم التعبير عنه لا عبر التصريحات، بل عبر الصواريخ والردع المتبادل. من منظور واشنطن، وخاصة في منطق ترامب، المطلوب هو اتفاق يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً بوصفه أفضل من اتفاق أوباما. هنا لا تكون الأولوية لبناء نظام أمني إقليمي متماسك، ولا لإعادة ترتيب معادلات النفوذ في الشرق الأوسط، بل لإنتاج لحظة سياسية قابلة للإعلان: اتفاق، صورة، خطاب انتصار، ورسالة إلى الداخل الأمريكي بأن الإدارة الحالية استطاعت انتزاع ما عجزت عنه الإدارة السابقة. لذلك تبدو المقاربة الأمريكية ضيقة نسبياً: منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، ضبط التصعيد بما لا يضر الأسواق، وتقديم الصفقة باعتبارها إنجازاً رئاسياً. هذه ليست مقاربة جديدة في السياسة الأمريكية. في حالات أخرى، مثل فنزويلا، تعاملت واشنطن أحياناً مع الأزمات من زاوية هدف سياسي محدد: الضغط على النظام، فرض العقوبات، وتغيير رأس النظام. لكن ما يحدث بعد ذلك داخل الدولة أو في محيطها الإقليمي لا يحتل دائماً المكانة نفسها في الحسابات الأمريكية. المهم هو تحقيق الهدف المباشر، لا بالضرورة بناء توازن مستدام في الإقليم. والمنطق نفسه يمكن رؤيته في الملف الإيراني: واشنطن تريد اتفاقاً مع إيران، لكنها لا تبدو معنية بالقدر نفسه بالسؤال الأعمق: كيف سيكون شكل النظام الإقليمي؟ ومن سيملك اليد العليا بعد الاتفاق؟ هنا تحديداً يختلف حساب إسرائيل وإيران. فبالنسبة لإيران، الاتفاق النووي ليس الملف الوحيد، بل هو جزء من معادلة أوسع تتعلق ببقاء مشروعها الإقليمي. لبنان ليس ساحة هامشية في هذه المعادلة، بل أحد أعمدة النفوذ الإيراني. حزب الله بالنسبة لطهران ليس مجرد حليف، بل ورقة ردع أمام إسرائيل، وأداة تفاوض غير مباشرة مع الولايات المتحدة، ورمز لقدرة إيران على التأثير خارج حدودها. لذلك فإن أي محاولة إسرائيلية لتقليص نفوذ حزب الله أو تغيير قواعد الاشتباك في لبنان تُقرأ في طهران باعتبارها استهدافاً لبنية النفوذ الإيراني نفسها. أما إسرائيل، فهي لا تفاوض إيران على الاتفاق النووي فقط، بل على شكل الشرق الأوسط بعد الاتفاق. من منظور تل أبيب، الخطر ليس فقط أن تخصب إيران اليورانيوم، بل أن تخرج من الاتفاق أقوى سياسياً، وأكثر قدرة على تثبيت نفوذها في لبنان والشرق الأوسط. لهذا تحاول إسرائيل فرض معادلة جديدة: أي اتفاق نووي يجب ألا يتحول إلى اعتراف أمريكي ضمني بمنطقة نفوذ إيرانية. ومن هنا تأتي أهمية التصعيد في لبنان. الضربات، التهديدات، واستهداف البنى المرتبطة بحزب الله ليست فقط عمليات عسكرية، بل رسائل تفاوضية تقول إن إسرائيل لن تقبل أن يكون لبنان منطقة محمية إيرانياً. لذلك يمكن القول إن واشنطن تتفاوض بالكلمات، بينما تتفاوض إسرائيل وإيران بالنار المحسوبة. إطلاق إيران صواريخ باتجاه إسرائيل بعد ضربات إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية تؤكد أن لبنان أصبح مركزاً لاختبار الخطوط الحمراء بين الطرفين، لا مجرد جبهة جانبية. كما أن دعوة ترامب إلى ضبط التصعيد تكشف أن واشنطن تخشى أن تفسد الحسابات الإقليمية مشروع الاتفاق الذي تريده. المشكلة إذن أن كل طرف يفاوض على شيء مختلف. أمريكا تريد اتفاقاً نووياً قابلاً للبيع سياسياً. إيران تريد الحفاظ على نفوذها الإقليمي مع تقليل كلفة العقوبات. إسرائيل تريد منع إيران من تحويل الاتفاق إلى شرعية استراتيجية لمشروعها الإقليمي. وبين هذه الحسابات الثلاثة تقع المنطقة العربية، لا كطرف يحدد قواعد اللعبة دائماً، بل كساحة تُختبر عليها حدود القوة والردع.

732

| 08 يونيو 2026

الوساطة وهندسة الكرامة

في كل طاولة تفاوض، يبدو القائد وكأنه يجلس وحده أمام خصمه، لكنه في الحقيقة لا يفاوض منفرداً. فخلف كل مقعد تفاوضي يقف جمهوران لا يغيبان عن الحساب: جمهور داخلي يراقب، ويحاسب، ويقيس قوة القيادة بميزان المكاسب والتنازلات؛ وجمهور خارجي من دول وحلفاء وخصوم وأسواق وإعلام، يختبر صدقية الدولة، ويحدد إن كانت شريكاً يمكن الوثوق به، أم طرفاً يمكن الضغط عليه. لذلك، فإن المعركة في التفاوض لا تدور حول بنود الاتفاق فقط، بل حول الصورة التي ستبقى بعد انتهاء الأزمة. هنا تكمن معضلة التفاوض، فالقائد لا يبحث فقط عن تسوية تحقق مصلحة بلاده، بل عن تسوية يستطيع الدفاع عنها أمام شعبه. ما يبدو في نظر الوسطاء حلاً عقلانياً، قد يراه الداخل تنازلاً غير مقبول. وما يمنح الدولة قبولاً دولياً، قد يُفسر محلياً بوصفه خضوعاً للضغط. وفي المقابل، قد تمنح الصلابة القائد شعبية مؤقتة في الداخل، لكنها قد تغلق أبواب الحل في الخارج، وتدفع الأزمة نحو مزيد من التصعيد. لهذا لم تعد التنازلات في السياسة مجرد أرقام أو بنود أو ترتيبات أمنية. التنازل أصبح مسألة رمزية تمس الهيبة والكرامة وصورة الدولة. والقائد يعرف أن صورته السياسية قد تكون أحياناً أهم من المكسب المادي المباشر؛ لأن المكاسب تُشرح للخبراء، أما الصورة فتصل فوراً إلى الجمهور. ومن هنا تصبح اللغة جزءاً من الاتفاق، وطريقة الإعلان عنه جزءاً من مضمونه، وترتيب الخطوات بين الأطراف أحياناً أهم من الخطوات نفسها. وقد زادت البيئة الإعلامية الحديثة من تعقيد هذه المعادلة. في الماضي، كانت المفاوضات تجري في غرف مغلقة، حيث يملك الدبلوماسيون هامشاً واسعاً للمناورة، ثم يخرجون إلى العلن بعد صياغة التسوية بعناية. أما اليوم، فكل تصريح يُحلل فوراً، وكل تسريب يتحول إلى موقف، وكل تعبير على وجه القائد يصبح مادة للتأويل السياسي. لقد أصبح التفاوض يجري تحت ضوء كاشف لا يرحم، وكلما زاد الضوء، ضاقت مساحة المناورة. وهنا يقع العبء الأكبر على الوسيط، فمهمته لم تعد مقتصرة على تقريب وجهات النظر أو صياغة حل وسط بين المطالب المتعارضة، بل أصبحت تشمل هندسة مخرج سياسي يحفظ ماء وجه الأطراف. الوسيط الناجح هو من يستطيع أن يمنح كل طرف رواية قابلة للتسويق: رواية تسمح للقائد بأن يعود إلى جمهوره قائلاً إنه لم يتراجع بل منع الأسوأ، لم يتنازل بل انتزع ضمانات، لم يخضع بل فرض اعترافاً بموقعه ومصالحه. ومن يتأمل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة اليوم يلمس هذه المعضلة بوضوح. فالأطراف ترفع سقف خطابها في العلن، ثم تبحث في السر عن مخارج لا تظهرها في موقع الضعف. هناك ملفات أمنية واقتصادية وإستراتيجية مهمة، لكن خلفها جميعاً سؤال أكثر حساسية: كيف يمكن لكل طرف أن يقبل بالتسوية دون أن يبدو مهزوماً؟ هذه هي العقدة الحقيقية التي تجعل مهمة الوسطاء شديدة الصعوبة. فهم لا يتعاملون فقط مع مطالب سياسية، بل مع مخاوف نفسية، وحسابات داخلية، وضغط إعلامي، ورغبة كل طرف في صياغة سردية نصر خاصة به. وفي هذا السياق، تبدو أهمية دول المنطقة، وفي مقدمتها باكستان وقطر، في قدرتهم على فهم هذا البعد الدقيق من التفاوض. فالوساطة الناجحة لا تقوم على فرض الحلول، بل على توفير مساحة آمنة للأطراف كي تتراجع دون انكسار، وتتنازل دون إذلال، وتقبل بالتسوية دون أن تخسر صورتها أمام جمهورها. إنها دبلوماسية تدرك أن الدول لا تتحرك بالمصالح وحدها، بل بالكرامة والهيبة والخوف من الحكم العام أيضاً.

348

| 01 يونيو 2026

الإبعاد الإداري في القانون القطري
الإبعاد الإداري في القانون القطري

لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...

14304

| 17 أغسطس 2026

حماية المستهلك
حماية المستهلك

فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...

4992

| 17 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟
بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...

3270

| 16 أغسطس 2026

حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة
حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...

1980

| 16 أغسطس 2026

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر
خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...

1881

| 19 أغسطس 2026

موافقة المريض على العملية  لا تعفي الطبيب من المسؤولية
موافقة المريض على العملية لا تعفي الطبيب من المسؤولية

لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...

1548

| 15 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟
بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟

قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...

1422

| 18 أغسطس 2026

ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله
ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله

رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...

1188

| 20 أغسطس 2026

قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!
قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!

من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...

1143

| 17 أغسطس 2026

الغلاء يبدأ من الإيجار!
الغلاء يبدأ من الإيجار!

الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...

1077

| 20 أغسطس 2026

دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية
دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية

اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...

1071

| 20 أغسطس 2026

حصان طروادة
حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...

744

| 19 أغسطس 2026

أخبار محلية