رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

135

د. عبدالله بندر العتيبي

أي نظام إقليمي نريد؟

08 سبتمبر 2026 , 02:00ص

لا يكفي أن نسأل من سينتصر في أزمات الشرق الأوسط الراهنة، بل يجب أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية: أي نظام إقليمي سيولد من هذه الفوضى؟ فالمنطقة لا تحتاج إلى استبدال قوة مهيمنة بأخرى، ولا إلى إدارة مؤقتة للصراع، بل إلى نظام يخدم جميع دولها وشعوبها، ويقوم على ثلاثة أسس مترابطة: احترام السيادة، ووضع القانون الدولي في صلب العلاقات الإقليمية، وإنهاء ازدواجية المعايير. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتفوق طرف على بقية الأطراف، وإنما بوجود قواعد مشتركة تقيد سلوك الجميع، وتمنح الدول، مهما تفاوتت أحجامها وقدراتها، ضمانات متساوية للأمن والاستقلال.

الأساس الأول هو السيادة. لقد أصبح انتهاك سيادة الدول في الشرق الأوسط ممارسة متكررة، حتى بات الاستثناء هو احترام الحدود لا اختراقها. فإسرائيل تنفذ هجمات متواصلة داخل أراضي دول أخرى، وإيران بدورها استخدمت القوة ضد دول في المنطقة، بينما تتحول أراضي دول ثالثة إلى ساحات لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات. وخطورة ذلك لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تكمن في تطبيع فكرة أن القوة تمنح صاحبها الحق في تجاوز الحدود متى شاء. وعندما تصبح سيادة الدول قابلة للتفاوض، يفقد النظام الإقليمي معناه، وتتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للأقوى. لذلك لا يمكن قبول أي تصور أمني يمنح دولة حق حماية أمنها عبر اختراق سيادة جيرانها أو تعريض شعوبهم للخطر؛ فالأمن الإقليمي وحدة مترابطة، وما يبدأ بانتهاك محدود قد ينتهي بفوضى لا يستطيع أحد التحكم في مسارها أو نتائجها.

أما الأساس الثاني فهو القانون الدولي. لا يمكن بناء استقرار حقيقي إذا استُدعي القانون عند الحاجة، ثم جرى تجاهله عندما يتعارض مع مصالح القوى النافذة. فما يحدث في غزة، من قتل وتجويع وتهجير وتدمير واسع، يكشف حجم الفجوة بين النصوص الدولية والقدرة على إنفاذها. كما أن تهديد حرية الملاحة وتقييدها واستخدام الممرات البحرية أداة للضغط السياسي يضع أمن المنطقة والاقتصاد العالمي تحت رحمة التصعيد. القانون الدولي لا يحقق السلام بمجرد وجوده، بل عندما يُطبق على الجميع دون انتقائية.

وهنا نصل إلى الأساس الثالث: إنهاء ازدواجية المعايير. فقد قاومت إسرائيل الالتزامات والاتفاقات المتعلقة بغزة، وواصلت عملياتها دون محاسبة حقيقية، بينما اكتفى المجتمع الدولي في كثير من الأحيان ببيانات القلق والإدانة. وفي المقابل، تُفرض على دول أخرى عقوبات وضغوط قاسية عند ارتكاب انتهاكات مماثلة أو أقل منها. هذه الانتقائية لا تحمي النظام الدولي، بل تقوضه؛ لأنها تقنع الأطراف بأن القوة، لا الشرعية، هي مصدر الحماية، وأن امتلاك أدوات الردع أكثر أهمية من احترام القواعد. وكما يقال: من أمن العقاب أساء الأدب.

إن النظام الإقليمي الجديد لا ينبغي أن يُبنى على توازن الخوف أو تقسيم مناطق النفوذ، بل على توازن الحقوق والالتزامات. وهذا يتطلب مبدأ بسيطاً وحاسماً: لا دولة فوق القانون، ولا أمن لدولة يُبنى على انعدام أمن جيرانها، ولا سيادة تُحترم انتقائياً. وللمسألة بُعد يتجاوز الشرق الأوسط؛ ففي كل إقليم قوى تسعى إلى الهيمنة، وأخرى تحاول مقاومتها أو التكيف معها. وإذا رسّخ الشرق الأوسط نموذجاً يسمح للأقوى بانتهاك السيادة وتجاوز القانون والإفلات من المحاسبة، فسوف يتحول إلى سابقة تحتذي بها قوى أخرى في أقاليم مختلفة. عندها لن نكون أمام أزمة إقليمية فحسب، بل أمام تفكك تدريجي للنظام الدولي نفسه. المطلوب، إذن، ليس البحث عن مهيمن جديد، بل بناء قواعد تمنع الهيمنة؛ فالنظام الإقليمي المستدام لا يصنعه انتصار طرف، وإنما تصنعه قواعد تحمي الجميع، خصوصاً عندما يملك بعضهم من القوة أكثر مما يملك الآخرون. وهذه ليست دعوة مثالية، بل ضرورة سياسية لضمان ألا تصبح القوة وحدها اللغة التي تتحدث بها دول المنطقة في المستقبل.

مساحة إعلانية