رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد رامز القاري

مساحة إعلانية

مقالات

3

محمد رامز القاري

المقامة الأخوية

09 أكتوبر 2026 , 12:00ص

حدثني زمرُّدُ بن الشمقمقِ، فيما ظلَّ في ذاكرته وما بقي: سأروي لكم يا صحبي وأحبابي، قصةً من ذكريات الشبابِ. بعضها قد صار بالفعلِ، والمبالغاتُ على سبيل الهزلِ. فلا أدَّعي الثقة في الروايةْ، ولكنْ فيما أرويه غاية. والله الموفق في كل حالِ، وبحمد الله نبدأ بالمقالِ.

حدثني رجلٌ وقت الظهيرةْ، وقد كان فرداً من أفراد العشيرةْ. حيث الهموم أثقلتُه، ومن كلِّ مكانٍ أوجعتُه. قال: إني قضيتُ جلَّ عمريْ، وفياً لزيدٍ وبكريْ. نعملُ في مكان سويّا، بعزمٍ وجدٍّ صبحاً وعشيّا. نحنو على بعضٍ في الملمَّاتِ، ونواجه معاً كل ما هو آتِ. كلٌّ منا له مهمَّةْ، وكلُّنا يشاطر الآخرَ همَّهْ. وهكذا مرَّت السنينْ، نتقلَّبُ من حينٍ إلى حينْ. كما هي سنة الله في الخليقةْ، لكننا مختلفون في الطريقةْ. ننفِّذُ أقدار اللهْ، سبحانه ما لنا ربٌّ سواهْ.

وفي يومٍ من أيام الصيفْ، وقد اشتدَّ الخطْبُ بلا وصفٍ ولا كيفْ. أردتُ السعيَ في مناكبها، وأن أواجه أنواعاً من متاعبها. وقد أثقلتنا الهمومُ المالية، وكأننا في أزمةٍ عالمية، وفي ذلك أنشدتُ، شعراً وما وعيتُ: [مجزوء الكامل]

إني أردتُ السعي كي أَروى        سعياً إلى الأعلى بلا عدوى

مثل الغريقِ مع الغريق بدا        للناس يسبحُ دونما جدوى

فابتسمتُ وقلت: ما شاء اللهُ، ولا إله إلاهُ. حفظكمُ الباري، وأكثر لكم في الجنان من الحواري. فإني ما وجدتُ قدحاً ولا ذمَّا، ولا أدري إن كان بعد قولك أمَّا. فقاطَعَني بعريض ابتسامتِهِ، وقال: صدقتَ هناكَ شيءٌ في طيّاتِهِ. أمَّا بعد الوداع والتقبيلِ، والوعدِ بحفظ الودِّ والجميلِ. كلٌّ منَّا سار في دربهِ، كمن تاه ليلاً عن ربهِ. وصار كلُّ صاحبٍ في سبيلهِ، ولم يسألْ زميلٌ عن زميلهِ. إلا في المناسبات الدينية، والمصادفات الجبرية الدنيوية. فقلت: نعم سارِعْ، والله إني لكَ سامع.

فقال لي: يا ابن الأكرمينْ، إن الله خلقنا من صلصالٍ من طينْ. فقلتُ: ويحكَ من أين جئتَ بهذا؟ ومن سألكَ نحن من ماذا؟ فقال: قد اغرورقتْ عينيْ، وتأثرتُ ما بيني وبيني. فاسمعْ خليلي وتابعْ، إن كلامي من قلبي لكَ نابعْ.

فبعدَ اختلاف الزمانِ والمكانِ، وعودة البلاد والأمن والأمانِ. اجتمعنا وما أحلاهُ من لقاءْ، والحمد لله على نعمِهِ جمعاءْ. ولكنْ ليس كاجتماع النُدامى، اللهم لا تجعلنا من النَّدامى. فاجتمعنا كاجتماع الدول العربيةْ، بلا ودٍّ ولا حبٍّ ولا عفويةْ. كلٌّ منا يتحدث بعبارات رسميةْ، كأننا أحزابٌ في اجتماعات حزبيةْ. وهكذا كانت الحدود قد رُسمت، فيا أسفي على أيامٍ من الشفافية اندثرتْ. وبعد أن وجدتُ المسافة بيننا طالتْ، وأن العلاقة ليست كما كانتْ. أصابتني الحيرة في نفسي، هل عليّ من هذا من بأسِ؟! ففكرتُ طويلا ومليَّا، لعلي أخطأتُ وكنت نسيَّا. فتجاهلتُ الأمر وقلت بسري: إن الشيطان يدبِّرُ في السرِّ. سأظلُّ أمدُّ يد الودِّ، لن أقطع حبلاً من وردِ. مَنْ يُنكر عشرتنا نأتيهِ، بلطيف القول ونرضيهِ.

وبعد مرور الأيامْ، والوقتُ يزيد الأوهامْ. اتَّضحَ بأنَّ الأصحابَ، لا رفاقَ ولا أحبابَ. فلم تعد إلا الصُدَفُ تقرِّبنا، والكلام العابر يجمعنا. حتى وجدتُ السلام ثقيلا، وابتعدوا عني قليلاً قليلا. وتغير الوضع والمكان والمكانةْ، ما أبشع شعور الذل والإهانة.

فاكتأبتُ من حديثه الشَّجِنِ، ولعودة الروحِ للبدنِ. قلتُ: هل تملك شعراً يُنسينا، هذي المأساة ويرضينا. نستشهد فيه على ما فيكَ، حتى إن كان رضاً لا يرضيكَ. فقال: نعم عندي، قد أكثرتَ من الوجدِ. كأنهم بهذه الأفعالِ، خطرَ شيءٌ في البالِ: [البحر الطويل]

إذا جمعتنا يا كليبُ مواقفٌ        مصادفةً آليتُ ألَّا أسلِّما

فإن كان عندي حاجةٌ ومصالحٌ    جعلتُ ابتساماتي لعينهِ سلمَّا

فضحكتُ حتى أضحكتُ، وابتدأتُ من حيث انتهيتُ. فقلتُ: من أين جئت بهذا البيتِ، وربي ما سمعتُه في كيتَ ولا كيتِ. وعددتُ له بعضاً من المصادرِ، فلا أذكر هذا من شعرورٍ ولا شاعرِ. فقال لي: أنا استشهد بشعري، إن لم أجد المعنى عند غيري. وأردف قائلاً: [البحر الطويل]

وأبحثُ في الأشعار عن شاهدٍ فإنْ        وجدتُ فأهلاً ثمَّ سهلاً بمخلصي

وإلا شققتُ الحرف حتى تظنَّهُ        شواردَ أعشى أو عبيد بن أبرصِ

وها هي انتهت القصةْ، وفيها شيءٌ من الغصَّةْ. كيف تختفي أعوامُ الصداقةْ، لاختلاف المصالح والعلاقةْ. هذه الدنيا تقلباتٌ في تقلباتْ، فلا صديقٌ مطلقٌ ولا عدوٌ للمماتْ. صديقكَ من أعطاكَ نصيحةْ، لا من كان في حياتك فضيحةْ. من يبتسمُ اليوم بوجهكْ، احذر مِنْ طعنتهِ بظهركْ، ما أسرعَ نسيانَ الإنسانِ للإحسانْ، لكن هل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسانْ؟

لله درُّكَ ما هذا البيانُ والتبيينُ، وهذا الأنينُ والحنينُ، لا فُضَّ فوكَ، ولا عاش حاسدوكَ، فلا تعتبْ وسلِّم الأمور إليهِ، كلُّ شيءٍ بقضاءٍ يدور المرءُ عليهِ. فقلت: [البحر الطويل]

ربأتُ بنفسي أن أظلَّ مُعاتبا            صواحبَ أمسٍ أو أكون مُحاسبا

فلا خير في ودٍّ يجيءُ تكلفاً            ولا في صديقٍ منه ترنو العجائبا

ولا تكذبنْ ما في البريةِ صاحبٌ        ولكنْ بقدر النفع تلقَ المكاسبا

ولا تُخدعنْ عند ابتسامةِ مُلتحٍ        وإن كان شيخ العالَمَين وراهبا

فجلُّ الورى تطفو الخساسة عندها        إذا استلمتْ عند الصباح مناصبا

كتبه : محمد رامز القاري – دمشق ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية