رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

330

د. قيس عبد العزيز الدوري

خمسة قوانين عالمية سبقتها الحكمة القرآنية

09 أكتوبر 2026 , 12:00ص

كثيرًا ما تنتشر في عالم الإدارة والتنمية البشرية مجموعة من القوانين التي صاغها مفكرون وكتّاب معاصرون، وأصبحت تتداول بوصفها قواعد لفهم الإنسان والحياة والعمل؛ من قانون مورفي، إلى كيدلين وجيلبرت وويلسون وفوكَلاند. لكن اللافت أن عددًا من المعاني التي تعبّر عنها هذه القوانين نجد له أصولًا أو نظائر قوية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قبل أن تصاغ في العصر الحديث بهذه المصطلحات. وهنا لا نقول إن هذه القوانين الحديثة مأخوذة من القرآن والسنة، فهذا يحتاج إلى دليل تاريخي، وإنما نقول إن الحكمة الإسلامية سبقت إلى تقرير مبادئ إنسانية تتقاطع معها في المعنى. أولًا: قانون مورفي… لا تجعل الخوف يصنع مستقبلك ينسب إلى قانون مورفي القول إن الإنسان حين يظل خائفًا من حدوث أمر سيئ، فإنه قد يصبح أكثر انشغالًا به وتوقعًا له. والإسلام لا ينكر الخوف الطبيعي، لكنه يرفض أن يتحول الخوف إلى قوة تقود الإنسان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ آل عمران: 175. وفي السنة النبوية نجد التوجيه إلى ترك التشاؤم، وإلى التفاؤل الحسن. قال رسول الله ﷺ: «ويعجبني الفأل الصالح». قيل: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الحسنة». رواه البخاري ومسلم. وهنا ينبغي تصحيح عبارة شائعة جدًا: «تفاءلوا بالخير تجدوه» ليست حديثًا ثابتًا عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، وإن كان معنى التفاؤل ثابتًا بأحاديث صحيحة. وكذلك جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي». متفق عليه. فالمؤمن لا يبني حياته على توقع المصائب، وإنما يحسن الظن بالله، ويأخذ بالأسباب، ويستعد للمستقبل دون أن يعيش أسيرًا للخوف. ثانيًا: قانون كيدلين… سمِّ المشكلة تعرف طريق الحل من أشهر صياغات هذا القانون: إذا استطعت أن تكتب المشكلة بوضوح وتحددها، فقد قطعت نصف الطريق نحو حلها. وهذا المعنى قريب من المنهج القرآني في التعامل مع الجهل والمشكلات؛ فالله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ النحل: 43. فأول الطريق إلى العلاج هو معرفة المشكلة، وتشخيصها، ثم سؤال أهل الاختصاص. كما جعل القرآن الشورى منهجًا في صناعة القرار: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ الشورى: 38. 

ثالثًا: قانون جيلبرت… إذا حملت المسؤولية فابحث عن أفضل طريق يقول هذا القانون إن الإنسان عندما يتولى مهمة، تصبح مسؤوليته أن يبحث عن أفضل الطرق للوصول إلى النتيجة المطلوبة. وهنا نجد قاعدة عظيمة في القرآن: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ النجم: 39-40. كما يقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». متفق عليه. فالمسؤولية في الإسلام ليست لقبًا ولا منصبًا؛ إنها أمانة وسعي ومحاسبة.

 رابعًا: قانون ويلسون… المعرفة رأس المال الذي لا ينفد يربط هذا القانون بين إعطاء الأولوية للمعرفة والذكاء وبين استمرار النجاح والتدفق المالي. والقرآن جعل للعلم منزلة عظيمة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: 11. لكن المثال القرآني الأكثر وضوحًا يأتي من قصة يوسف عليه السلام، عندما قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يوسف: 55. لقد جمع يوسف عليه السلام بين الأمانة والكفاءة والعلم والإدارة. وكأن الآية تقول لنا إن إدارة الثروة لا تقوم على المال وحده، وإنما على الإنسان الذي يمتلك العلم والقدرة والأمانة. 

خامسًا: قانون فوكَلاند… لا تتخذ قرارًا قبل أن تنضج الرؤية أما القانون الخامس فيدور حول عدم اتخاذ القرار إذا لم يكن الإنسان مضطرًا إليه، وهو معنى يلتقي مع مبدأ قرآني عظيم في التروي والمشاورة قبل العزم. قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ آل عمران: 159. والتأمل في الآية يكشف منهجًا متكاملًا: مشاورة → تفكير → عزم → توكل → تنفيذ. وهذا من أرقى مناهج صناعة القرار؛ فلا اندفاع بلا تفكير، ولا تردد بلا نهاية، وإنما مشورة ثم عزم ثم توكل على الله. الحكمة ليست جديدة إن تأملنا هذه القوانين الخمسة نجد أن الحضارة الحديثة قد تصوغ بعض التجارب الإنسانية في صورة «قوانين» ومبادئ إدارية، لكن القرآن الكريم والسنة النبوية قدما للإنسان منذ قرون طويلة منظومة متكاملة من التفاؤل، والعلم، والشورى، والمسؤولية، وحسن الظن بالله، والعمل بالأسباب. والفارق أن المنظومة الإسلامية لا تنظر إلى الإنسان باعتباره آلة للنجاح المادي فقط، وإنما باعتباره إنسانًا مسؤولًا عن علمه وعمله وقراره وأثره في الحياة. ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس: من سبق: القانون الحديث أم الحكمة القديمة؟ بل: كم من الحكم التي نبحث عنها اليوم بأسماء جديدة، كانت أمامنا منذ قرون في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لكننا لم نتوقف طويلًا عندها؟ فالقرآن لا يقدم لنا قوانين للإدارة والاقتصاد فحسب، بل يقدم منهجًا لبناء الإنسان الذي يستطيع أن يدير نفسه، ثم أسرته، ثم مجتمعه، ثم مؤسساته، على أساس من العلم والمسؤولية والبصيرة. وهذه هي الحكمة التي لا تبلى بتغير الزمن.

مساحة إعلانية