رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يكذبون.. يتمنعون.. يناورون.. يخادعون.. قل ما شئت في توصيف ما يجري الآن ضد ليبيا في أروقة الدول الغربية وربما الإقليمية أيضا. ذلك أن الحقيقة المؤكدة، أن كل التصريحات والزيارات والمؤتمرات الصحفية والاجتماعات ليست إلا ألاعيب تمهيدية وعملية مخططة لتشكيل غطاء مزيف،لإنفاذ قرار قد اتخذ بالتدخل العسكري الغربي في ليبيا، بقيادة فرنسا تحديدا، لكن وفق ذات الصيغة التي اعتمدت في تدخلها العسكري في مالي وإفريقيا الوسطى، أي تحت غطاء من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وفي الحالة الليبية تضاف الجامعة العربية في المقدمة.
كل ما نراه ونسمعه ليس إلا تكرارا لألاعيب خداع الرأي العام وعمليات التهيئة السياسية والدبلوماسية والإعلامية والنفسية، لإظهار التدخل العسكري وكأنه تلبية لمطلب قدمه الشعب الليبي، وليس إلا مناورات واتصالات وألاعيب تجري بين الدول الطامعة في ثروة ليبيا للوصول إلى اتفاق واضح فيما بينهم بشأن اقتسام الغنيمة قبل إنفاذ قرار القصف، وتحديدا بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة! ويمكن القول بأننا نشهد محاولة ترتيب عمليات التدخل والأوضاع التالية للقصف بين الدول الغربية، ودول جوار ليبيا.
نحن أمام نفس السيناريو الذي رأيناه كثيرا، نقل الملف للجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، والادعاء بأن طلب التدخل لن يوجه إلا للأشقاء العرب –والكل يعلم أن الجامعة العربية لا تملك القوة ولا القدرة ولا ترغب وهي ليست إلا مؤسسة ملحقة بدوائر القرار الغربي والإقليمي ومثلها الاتحاد الإفريقي-ومن بعد يجري نقل الملف إلى القرار الدولي في مجلس الأمن أو تجري عملية مخططة لـ"زحلقة" القرار – وهذا هو المتوقع أكثر- بادعاء الحاجة لقرار عاجل مستعجل بالتدخل تحت عنوان "حادث كبير يجري في ليبيا" أو في جوارها ويتهم الثوار الليبيين بالمسؤولية عنه. وربما تجد فرنسا في عملية قتل الصحفيين والشرطة الفرنسية، مبررا يمكن استخدامه لتبرير التدخل، في تكرار لما جرى عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.
والحاصل،إن جماعة برلمان طبرق، ومن يدعمها أو يساندها أو يقف وراءها أو من تمثله على صعيد المصالح الدولية والإقليمية في داخل ليبيا، قد انتهوا، إلى تقدير بأن العمليات العسكرية لحفتر-وفق هذا النمط من التدخل الخفي للخارج - لم يعد بإمكانها تحقيق أهدافهم الانقلابية على الثورة وأن كفة ميزان الصراع باتت تميل بشكل متصاعد ويوما بعد يوم، لمصلحة الثوار، وأنه لا حل ممكن لتحقيق أهداف الثورة المضادة إلا بتدخل عسكري خارجي مباشر يغير التوازنات على الأرض.
لذا بدأ برلمان طبرق وحكومته إدارة خططهم وفق هذا القرار، فجرت عملية كاريكاتورية رقى بها اللواء خليفة حفتر في رتبته العسكرية وأصبح من بعد قائدا لجيشهم، في إشارة إلى استعداد أعلى للتعاون مع الغزو والاحتلال القادم بسبب طبيعة الصلات والعلاقات الدولية لحفتر، خاصة مع الولايات المتحدة. وفي الاتجاه الآخر بدأ هؤلاء حملة علاقات عامة سياسية ودبلوماسية وإعلامية، فكانت الزيارة للجامعة العربية واجتماع المندوبين –في جلسة طارئة-والتصريحات التي خرج بها رئيس برلمان طبرق ليطلقها عن قبول تدخل الأشقاء ورفض التدخل الخارجي أو الغربي. تلك النغمة سبقتها فرنسا بإطلاق تصريحات من وزير دفاعها وحلفائها في دول الساحل والصحراء، حول الإرهابيين في ليبيا وضرورة التدخل العسكري الأممي والإفريقي باعتبار الأوضاع في ليبيا تهدد الاستقرار في داخل دول الجوار، وذهب الرئيس الفرنسي في اتجاه محدد بطريقة مخططة – وإن كانت مكشوفة للمتابعين-حين تحدث عن استبعاد الحل العسكري وضرورة الحوار السياسي، وكما هو معلوم فإن استبعاد التدخل أمر يفتح الباب له، إذ الرئيس الفرنسي لم يتحدث عن رفض التدخل بل استبعاده، بما يفتح الطريق للتدخل عبر استخدام "سلاح الوقت" الذي يجعل ما هو مستبعد، ضروريا في وقت لاحق.
وهكذا فالأمور تشي باتخاذ قرار التدخل، وما يجري هو عملية إعداد وتهيئة سياسية وإعلامية، متوازية مع الترتيبات العسكرية المطلوبة لتحقيق هذا التدخل. ولاشك أن هناك من هو في وضع التردد، من أن يأتي التدخل بنتيجة معاكسة تماما لما خطط له من أهداف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1299
| 08 يناير 2026
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1215
| 14 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1161
| 07 يناير 2026