رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صدر في الربع الأخير من عام 2022 عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، كتاب بعنوان " تشكل الهوية في قطر: دراسة تاريخية خلال الفترة ( 1868- 1913 ) " للكاتبين الدكتور محمد عبدالله الزعارير أستاذ مادة تاريخ قطر والخليج العربي كلية الآداب والعلوم جامعة قطر، والأستاذة ميسر مروان حسن سليمان المحاضرة في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر والباحثة في مركز دراسات الخليج.
والدكتور الزعارير أصدر كتابا جديرا بالقراءة صادرا عن دار النشر آنفة الذكر تحت عنوان "المؤرخون وكتابة التاريخ في الجزيرة العربية في القرنين الثاني والثالث عشر هجري" عام 2018 وفي هذا الكتاب انفرد الدكتور الزعارير بدراسة كيف تناول مؤرخو الحجاز كتابة التاريخ في تلك الفترة كما تناول بالتحليل الجيد مؤرخي نجد وتناولهم أحداث ووقائع التاريخ في ذات الزمان وسيجد القارئ إن أمعن النظر بعناية في منهج مدرسة مؤرخي الحجاز ونجد مواقف الاختلاف والتوافق.
ويذهب أستاذنا الزعارير بعيدا ويتناول بالشرح والتحليل مواقف المورخين العمانيين (الاباضية) واليمنيين (الزيدية) من كتابة التاريخ ولا جدال عندي بأن القارئ المهتم بمعرفة التاريخ في جزيرة العرب سيجد علما متأصلا وثقافة في معرفة كيف كتب التاريخ في هذه البيئة العربية الصافية عبر مناهج وطرق لم يعهدها إلا قلة قليلة من كتاب التاريخ.
أعود إلى "كتاب الهوية في قطر" نجد الدكتور الزعارير وشريكته الأستاذة ميسر راحا يبحثان عن معالم الهوية القطرية على شواطئ إمارة /دولة قطر وعلى شطآن الرياض "جمع روضة" ومن خلال مرتفعات ومنخفضات كثبانه وجدّا في البحث في صفحات التاريخ القديم والمعاصر والوثائق، لعلهما يجدان ما يروي عطشهما بحثا عن الهوية.
إنها محاولة لإعادة قراءة التاريخ بغية التجديد والتطوير والمضي نحو المستقبل في أبسط صورة وأعمق فكرة. وهي متسقة ومتزامنة في موضوعها وطريقة تناولها مع الاهتمام الكبير الذي توليه المؤسسات التعليمية والعلمية والإعلامية في قطر بموضوع الهوية بهدف تعزيزها وتعميقها لدى الشباب لرفدهم بمزيد من المعرفة والوعي بهويتهم العربية والإسلامية وتأصيلها في نفوسهم وتزويدهم بالمؤثرات الرئيسة التي أسهمت في تشكُّلها والمحافظة عليها عبر الزمن لتكون محفزا لهم لمواصلة مسيرة البناء والتقدم والازدهار والانفتاح على العالم وثقافاته مع التمسك بالقيم العليا التي تقوم عليها الهوية.
إن فكرة البحث في موضوع الهوية في قطر عند المؤلف وشريكته أتت من خلاله تجربتهما في تدريس مقرر تاريخ قطر، ودراسات خليجية للأستاذة ميسر ووجدا عندهما دافعا قويا محركا لتوعية الشباب في العوامل ذات التأثير الكبير في تشكل الهوية وتوضيح علاقة الجغرافيا والتاريخ والإنسان والحكم في تشكل الهوية والمحافظة عليها. كما عزز اختصاص الدكتور الزعارير بالتاريخ الحديث للمنطقة وبلدانها وشغفه بتوظيف التاريخ في فهم وتحليل العوامل التي أسهمت في تشكل الهوية يتكامل ذلك مع جهد الأستاذة ميسر التي صدر لها حديثا كتاب بعنوان دراسات خليجية: مراجعة في التاريخ والدولة والمجتمع، بالاشتراك مع الدكتور محمد صالح المسفر عن دار الشرق نوفمبر 2022.
لقد كان لقلة الدراسات التي تناولت دور التاريخ والجغرافيا والإنسان في تشكل الهوية دور أساسي ومحوري مُحَفّز لدراسة الموضوع خاصة وأن موضوع الهوية طُرِح بأشكال وصور عديدة ركزت في معظمها على الهوية المعاصرة من حيث كونها هوية وطنية فحسب، دون التركيز بالدراسة والتحليل على دور التاريخ والجغرافيا والحكم في تشكُّلها. وبناء على ذلك، تمثل هذه الدراسة محاولة من الباحثين للتركيز على العوامل الأكثر تأثيرا في تشكُّل الهوية والحفاظ عليها، وإبراز الدور التاريخي لمرحلة التأسيس في تعزيز الشخصية والاستقلالية والسيادة حتى أصبح هذا أحد أبرز ملامح الهوية في قطر.
تكشف الدراسة عن التطورات التاريخية العميقة التي شهدتها قطر منذ ظهور الإمارة عام 1868م والتي أسهمت بشكل كبير في تبلور شخصيتها العربية والإسلامية كونها دولة حديثة وازَنَت بين الأصالة والمعاصرة والانفتاح على العالم مع المحافظة على القيم الأصيلة التي ترسخت على أيدي رجال قادوا حركة البناء على ركائز متينة تقوم على التمسك بالهوية العربية والإسلامية التي ظهرت في مواقف مؤسسي الإمارة منذ البدايات. وقد لفتت قطر أنظار العالم بالتطور الذي تشهده الآن، والذي ما كان يمكن أن يكون وفق الضوابط الحالية لولا الأسس التي وضعها الأجداد، وتمسك بها الآباء، وحافظ عليها الأبناء. هذه الركائز وتلك الأسس التي تناقلتها الأجيال الثلاثة صنعت إنجازات صارت مصدر فخر واعتزاز لأبناء البلاد، ومبعث عز وافتخار لكل عربي مسلم يتطلع إلى تجارب عربية إسلامية ناجحة في التطور والتقدم والازدهار.
تكونت الدراسة من مقدمة ثم سؤال رئيس تقوم عليه الدراسة وهو "ما هي العوامل الرئيسة الثابتة والمتحركة التي أدت إلى تشكُّل الهوية في قطر قبل وخلال فترة ظهور الإمارة 1868-1913؟"، بعد ذلك تناولت الدراسة الإطار النظري للهوية والذي اشتمل على تعريف بالدراسات السابقة والتعريف بمصطلح الهوية وعناصرها ومستوياتها، ثم تتبعت الدراسة في سياق تاريخي تشكُّل الهوية العربية الإسلامية في قطر بدءا بتناول هوية المكان ضمن الامتداد الجغرافي وكيف أثر على تشكُّل الهوية العربية عبر العصور ثم عرضت تحليلا معمقا لأهمية التاريخ ودوره في تشكل الهوية، وكذلك دور النظام السياسي في تعزيزها والمحافظة عليها وتأصيلها وتحليل هذا الدور بشكل معمق اعتمادا على المواقف السياسية تجاه القضايا المتشابكة على مستوى العلاقة مع الجوار والعلاقة مع القوى الخارجية، كما تم التركيز هنا على تأصيل الهوية في نفوس الشباب من خلال عدة محاور منها؛ المؤثرات التاريخية قبل تأسيس الإمارة، دور المنطقة وأهميتها في نشر الإسلام، النظام السياسي (بدايات تشكل الإمارة السياسية)، ودور الهوية في التأثير على القرار السياسي في التعامل مع القوى الخارجية واختيار الحلفاء.
كما ركزت على تحليل الإنسان (السكان) باعتباره محورا رئيسا في تشكل الهوية والتأثير العميق فيها وتم تتبع ذلك عبر العصور للكشف عن امتدادات وجوده في عمق الزمن من خلال تتبع الهجرات السكانية التي تمتد عبر العصور، والتكوين السكاني الذي استقر عليه المجتمع من خلال التركيز على مكون القبيلة، واللغة والعادات والتقاليد والثقافة.
واشتملت الدراسة أيضا على سبل تعزيز الهوية وتمكين بقائها واستمراريتها وصمودها في وجه التحديات والصعاب من خلال وسائل عدة ذات تأثير كبير وهي التعليم، المساجد، الكتاتيب، القضاء، الثقافة، العادات والتقاليد، الهوية العمرانية.
لقد توصل الكاتبان إلى نتائج كان من أبرزها أن مظاهر الهوية العربية وملامح تشكلها في قطر تمتد في جذور التاريخ أرضا وسكانا، كما أن الموقع الجغرافي لقطر أسهم بشكل كبير في الحفاظ على عروبة أرضها وسكانها وانتمائها الحضاري وثقافتها الإسلامية عبر التاريخ، ونفسه الموقع جعل من أرضها مستقرا آمنا للقبائل التي اتجهت لتأسيس تكوينات سياسية في سواحل الخليج، وله كان الأثر الكبير في مرحلة الصراع والتنافس بين البريطانيين والعثمانيين والذي أدى إلى أن تأخذ قطر طريقها نحو الابتعاد عن القوتين المتنافستين على المنطقة وتنحو نحو الاستقلال.
كما كانت الروابط العميقة والمتينة التي جمعت بين القبائل القطرية هي إحدى السمات الرئيسة المتعلقة بهوية المجتمع القطري والانسجام والتماسك الذي كان ولا يزال سائدا بين أفراد المجتمع القطري ومثَّل في الماضي كما هو اليوم سدا منيعا أمام أية أخطار خارجية
وكشفت الدراسة عن الحاجة الملحة والمتجددة لإعادة قراءة الأحداث التاريخية وتحليلها بما يعزز قيم الهوية العربية والإسلامية، وضرورة الاعتماد على المنظور التاريخي في تطوير وبناء وصياغة البراهين الفكرية والتصورات بشكل واضح ودقيق ومناسب بما يخدم نشر الوعي بين الشباب بالعوامل والجذور المتعلقة بذلك.
كما أكدت الدراسة على الدور الذي حققته أسرة آل ثاني في تعزيز الاستقلالية والسيادة في قطر من خلال مواقف سياسية وعلاقات متوازنة مع قوى الجوار والقوى الدولية الخارجية المتمركزة في المنطقة، وجعلت موضوع السيادة والاستقلالية أحد السمات الرئيسة لهوية قطر منذ نشأة الإمارة وحتى الآن.
الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيون ودعاة الانفصال
شُغِل الإنسان العربي الغيور بحال أمته الذي يسير من سيئ إلى أسوأ. في أقصى بلاد المغرب العربي ثبّتت... اقرأ المزيد
1287
| 03 يونيو 2025
بركان سياسي أوروبي يثور ضد إسرائيل والعرب يتفرجون !
تتسع دوائر الرفض العالمي لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد في قطاع... اقرأ المزيد
1335
| 27 مايو 2025
سورية الشرع والعراق السوداني وفلسطين محمود عباس
سورية الجديدة بقيادة الشرع ورفاقه ما برحت تواجه عواصف داخلية وخارجية واقليمية وهي صامدة تعمل ليل نهار من... اقرأ المزيد
2157
| 29 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3321
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1245
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1092
| 06 أكتوبر 2026