رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي وليد الجاسم

hanadi7711@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

114

هنادي وليد الجاسم

لعنة الوعي المفرط!!

09 يناير 2026 , 12:00ص

أحياناً وفي ظروف كثيرة يبدأ العقل بسرد التفاصيل والعيش بسجنها بدون أن ننتبه، فيبدأ الأمر بنعمة تبدو في ظاهرها قوة استثنائية: وعي مرتفع، قدرة على التحليل والفهم العميق، حساسية عالية للتفاصيل، وذكاء يلتقط ما يفوته الآخرون، لكن هذه النعمة، حين تتجاوز حدّها الطبيعي، تتحوّل بهدوء إلى عبء ثقيل ولعنة ترهق صاحبها وتقيده عن الحياة، العقل لا يهدأ، والتحليل لا يتوقف، وكل موقف بسيط يتحوّل إلى مساحة مفتوحة للاحتمالات، وكل كلمة تُقال تُفكك وتُعاد صياغتها في الذهن مرات لا تنتهي. 

الشخص الواعي أكثر من اللازم لا يعيش اللحظة كما هي، بل يشرحها لنفسه أثناء حدوثها لا يضحك فقط، بل يسأل لماذا ضحك، وما الذي يعنيه هذا الضحك، وكيف فُسِّر من الآخرين، يرى الحياة بدقة عالية جدًا، تفاصيل واضحة لدرجة مؤلمة، بينما يمرّ غيره بالمواقف نفسها بخفة وبساطة، كلمة عابرة قد تلاحقه أيامًا، ونظرة عادية قد تفتح بابًا طويلًا من الشكوك والتفسيرات، ليس لأنه ضعيف، بل لأن عقله يعمل بطاقة تفوق ما يتطلبه الموقف. 

ومع الوقت، يتحوّل هذا الوعي إلى آلة توقع لا ترحم. قبل أي خطوة، يبدأ العقل بعرض سيناريوهات الفشل واحدًا تلو الآخر، خسارة محتملة، إحراج، ندم، عزلة، أو انهيار يعيش الألم كاملًا قبل أن يحدث أي شيء في الواقع، وقد لا يحدث أصلا، وهنا يظهر الشلل التحليلي؛ تفكير مستمر بلا فعل، واستعداد دائم بلا حركة، وخوف من الخطأ أكبر من الرغبة في التجربة. 

كثيرًا ما يقف صاحب الوعي المفرط متسائلًا: كيف ينجح آخرون أقل تفكيرًا وأبسط رؤية؟ والجواب ليس في نقصهم، بل في بساطتهم، هؤلاء لا يرون كل المخاطر، فيتحرّكون لا يحللون كل الاحتمالات، فيخطئون ويتعلمون ويمضون، بينما يقف هو على الشاطئ يحسب سرعة الرياح وعمق الماء وزاوية القفز، يكون غيره قد قفز ووصل إلى الضفة الأخرى، وعيه الزائد يصبح قيده الأكبر، لا لأنه خطأ، بل لأنه لم يُضبط هذا النوع من الوعي، وتحول العلم الزائد إلى خوف وشعور الخوف يشل العقل عن التفكير الصحيح، والوعي الزائد لا يعزل الإنسان عن العالم فقط، بل يعزله عن الناس، فالعلاقات السطحية تصبح مرهقة بالنسبة له، والمجاملات مكشوفة، والابتسامات المصطنعة واضحة أكثر من اللازم وبدلاً من التعايش معها، يفضل أن يعيش وحيداً وسط الزحام، لا لغياب الآخرين، بل لأنه يرى ما وراء الأقنعة ولا يستطيع التفاعل معها بخفة وتجاهل، هو لا يفتقد الناس، بل يفتقد البساطة التي يتعاملون بها.

الخروج من هذا السجن (سجن التفاصيل والوعي) لا يعني التخلي عن الذكاء أو إطفاء العقل، بل تعليمه متى يتوقف أحيانًا لا تحتاج إلى فهم كل شيء لتعيش، ولا إلى تحليل كل موقف لتتقدم، بعض الغموض ضروري، وبعض التجاهل صحي، وبعض البساطة حكمة لا ضعف، الوعي أداة عظيمة، لكنه إن لم يكن في يدك السيطرة عليه أصبح عبئاً عليك، فالحياة لا تُعاش بالعقل وحده، بل بالقلب والحركة والتجربة، وأحيانًا أن تكون أبسط قليلًا لا يعني أن تكون أقل فهمًا، بل أكثر قدرة على العيش. 

خاطرة،،،

هناك مقوله تقول: إذا كان لك ذاكرة قوية وذكريات مريرة، فأنت من أشقى أهل الأرض !!، ففعلاً التجاهل والنسيان نعمة لا تُقدر بثمن. 

مساحة إعلانية