رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي وليد الجاسم

hanadi7711@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

963

هنادي وليد الجاسم

العزلة ترميم للروح

20 نوفمبر 2025 , 03:24ص

في عالم يتسارع كل يوم، يصبح الوقوف للحظة فعل مقاومة، وتغدو العزلة المؤقتة بعد الصدمات ضرورة نفسية أكثر منها رفاهية. تؤكد الدراسات الحديثة أن الانسحاب الهادئ والعزلة عقب المواقف المؤلمة يمنح الدماغ فرصة لإعادة ضبط توازنه وتنظيم العواطف المتكدسة، بينما يؤدي الحديث المفرط عن الألم إلى إعادة تنشيط مراكز التوتر وإطالة زمن المعاناة، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ معالجة الصدمة بشكل زائد – Over-processing trauma. وفي دراسة أخرى، توصّل الباحثون إلى أن السكون الواعي والابتعاد عن التبرير المتكرر للآخرين يفعّلان أنظمة التنظيم الذاتي في الجسد، فيبدأ العقل في وضع الاستشفاء الطبيعي دون تدخل أو ضغط وأنه فن من فنون تهدئة الذات. 

ويتقاطع العلم هنا مع الوهج الروحي، إذ يبرز السياق القرآني صورة عميقة للسكينة في لحظة إنسانية بالغة القسوة: لحظة مريم عليها السلام بعد مخاض الألم، حين قيل لها:

﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾.

هنا لا يُطلب منها المواجهة، ولا شرح ما لا يمكن شرحه، ولا الوقوف أمام ضجيج الناس، بل يُطلب منها الصمت كعبادة، وكحماية، وكمرحلة نقاهة للقلب.

ثم يأتي توجيه آخر: ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ﴾.

فالآية بأكملها تُدرّب نفسياً على: فن تهدئة الذات بعد الصدمة، حين تتراكم عليك الأقدار الخارجة عن إرادتك!

تذكّر أننا مأمورون أن نأكل ونشرب ثم نقوم ونواجه الناس، لأن الله أمرنا في البداية بتهدئة النفس داخليا والمحافظة على رباطة الجأش حتى بأصعب الظروف ومن ثم مواجهة العالم الخارجي. 

ويفسر علماء الدين ذلك بعمق فيقول ابن عاشور: في هذه الآية إشارة إلى أن الهدوء بعد الشدة من تمام شكر النعمة، ويقول القرطبي: أمرها الله بالأكل والشرب والقرّة ليكون ذلك تثبيتًا لقلبها بعد الاضطراب وألم المخاض وهي وحيدة تحت جذع النخلة. 

وكأن الله سبحانه وتعالي يقول لها ولنا جميعًا: الحياة لا تتوقف عند الألم، ولا تنتهي عند صدمة. تحرّكي، عودي، تنفّسي، كُلي، واشربي، فالشقاء الحقيقي هو أن ينهار الإنسان داخليًا بينما ما يزال قلبه قادرًا على النهوض. 

وقس على ذلك المواقف والصدمات النفسية التي تستلزم منا الثبات والهدوء للتوازن والشفاء، فاستعادة الهدوء ليست ضعفًا، بل اختيار واعٍ للطمأنينة على حساب الصراع الذي لا جدوى منه. 

خاطرة،،،

أحيانًا لا نحتاج إلى بطل يأتي ليشفينا، ولا إلى كلمات كبيرة تعيد ترتيب فوضانا، أحيانًا نحتاج فقط إلى لحظات صمت وهدوء ونتعلم من القرآن الكريم في سورة مريم، أن القلب الذي نجا من الصدمة يستحق أن يعود للواقع خطوة خطوة ولو ببطء، فكل شيء سيعود لطبيعته فمهما طالت ظلمة الليل لابد من شروق الشمس ووضوح النهار. 

مساحة إعلانية