رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عظيمة هي معجزات النبي الكريم سليمان – عليه السلام – والمُلك الذي وهبه الله له، الذي لم ولن يوهب لأحد غيره، كما طلب هو بنفسه ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ). إن قدرته على فهم منطق الطير وتسخير الرياح واستخدامها في تنقلاته، بالإضافة إلى تسخير الجان يعملون له ما يشاء، مستخدمين علمهم وقوتهم وقدراتهم.. كل ذلك ضمن المُلك الذي وهبه الله له. حتى كان المشهد المعجز الذي حيّر العلماء قديماً وحديثاً. مشهد إبراز القوى والقدرات في مجلسه، بين عفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب، حول عرش بلقيس ومن له القدرة على إحضاره سريعاً..
وحول تلك المبارزة أو إبراز مظاهر القوة، يكون حديث اليوم.
المشاهد القرآنية حول الملكة الحكيمة العاقلة بلقيس، ومراحل ظهورها ضمن حياة النبي الكريم سليمان – عليه السلام - تستحق كثير تأمل ودراسة، ابتداءً من مشاهد عرض الدعوة، واختبارات الذكاء وحسن التصرف، مروراً بإظهار القوة والقدرة في مسألة إحضار عرشها، ثم انتهاءً بإعلان إسلامها لله مع سليمان.. كلها مشاهد يمكن أن تُدرّس في علوم الدعوة والنفس والاجتماع والسياسة، بالإضافة إلى بعض جوانب من علوم كونية كالفيزياء.
• أيكم يأتيني بعرشها
بعد أن نقل الهدهد خبر ما كان عليه قوم بلقيس للنبي سليمان - عليه السلام - ثم تكليفه بإلقاء الرسالة السليمانية على عرشها أو موقع جلوسها، أرسلت هدية للنبي سليمان تليق بالملوك، وفي الوقت نفسه تستكشف هدفه. فما لاقت استحساناً منه، وقام بردها، فما آتاه الله من مُلك عظيم، تجعل تلك الهدية، وإن كانت عظيمة الشأن في نظر بلقيس، إلا أنها بلا شأن أو قيمة بجانب مُلكه عليه السلام.
لكنه أدرك أنها ملكة حكيمة عاقلة، لم تعتد بقوتها ولا ترغب في حروب ومنازعات واستعراض قوى، بعد أن وصله خبر عزمها القدوم بنفسها إليه في وفد رفيع المستوى. فأدرك عليه السلام أن مثلها لا يمكن، بل لا يجب أن تبقى على ضلالة وشرك. إنها دون شك لم تصلها رسالة الإسلام التي جاء بها سليمان ومن قبله وبعده الأنبياء إلى خاتم المرسلين، عليهم الصلاة والسلام.
ولكن قبل عرض الدعوة عليها، أرادها النبي سليمان – عليه السلام - أن ترى عظمة مُلكه، الذي منحه صاحب المُلك والكون والأمر كله، المستحق للعبادة وحده لا شريك له. يريد أن يريها أن هدفه من كتابه هو تبليغها رسالة الإيمان، وليس طمعاً في أرضها وملكها.
• مسألة إحضار العـرش
بعد أن وصلته أخبار تحرك بلقيس ووفدها واقترابهم من فلسطين والبيت المقدس، حيث النبي سليمان – عليه السلام – قام وطرح سؤالاً على حضور مجلسه العجيب والمهيب، من الإنس والجان: ( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) ؟
ها هنا قد تتساءل عن السر في رغبة سليمان - عليه السلام - إحضار عرش يزن بالأطنان، من أرض سبأ في اليمن إلى البيت المقدس في فلسطين، وهما على مسافة 3000 كيلو متر تقريباً؟ أو كما قال صاحب الظلال: "ما الذي قصد إليه من استحضار عرشها قبل مجيئها مسلمه مع قومها؟ نرجح - والحديث لسيد قطب رحمه الله - أن هذه كانت وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي تؤيده، لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان بالله، والإذعان لدعوته. حيث عرض عفريت من الجن أن يأتيه به قبل انقضاء جلسته هذه. وكان يجلس للحكم والقضاء من الصبح إلى الظهر فيما يروى. فاستطول سليمان هذه الفترة واستبطأها - فيما يبدو - فإذا ( الذي عنده علم من الكتاب ) يعرض أن يأتي به في غمضة عين، قبل أن يرتد إليه طرفه، دون أن يذكر القرآن اسمه ولا الكتاب الذي عنده علم منه".
لكن عرض العفريت لم يعجب النبي الكريم، وإنما عرض الذي عنده علم من الكتاب، الذي لم يكد ينتهي من تقديم عرضه إلى سليمان حتى كان العرش في المجلس، دون أن ينقص منه شيئاً ( فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.. ) اعتبر ما وقع أمامه - عليه السلام - نوعاً من الابتلاء الذي يُبتلى به الأنبياء الكرام. ابتلاء يهز الأبدان والقلوب هزاً. ابتلاءٌ لا يثبت أمامه سوى الأنبياء الكرام.
• أمور ثلاثة
خلاف القدماء والمعاصرين في هذا المشهد حول أمور ثلاثة. الأول: من هو هذا الذي عنده علمٌ من الكتاب؟ أكان من الجن أم الإنس؟ الثاني: كيف أحضر العرش بضخامته، من مسافة تقطعها الرواحل في شهرين تقريباً؟ الثالث: ما هذا الكتاب الذي كان له نصيب وعلم منه؟
وعلى طريقة القرآن الذي لا يدخل في التفاصيل إن لم تكن للتفاصيل فائدة، لم يرد له اسم أو صفة أو نوع، ولا تبين من يكون أو كيف أحضر العرش بضخامته، وما الكتاب الذي أخذ منه بعض علمه؟ ولكن لا يعني هذا عدم التأمل والتفكر في المشهد. فلقد تبين مثلاً مدى قوة العلم وتفوقه على قوة الجسم والعضلات. العفريت بما أوتي من قوة بدنية وقدرة على التحرك، لم يلفت انتباه النبي سليمان بالقدر الذي قام به من كان عنده علم من الكتاب. إذ أن ذاك المخلوق، سواء كان جنياً أم إنسيا، تفوق على العفريت القوي، بعلم معين مكّنه من نقل عرش بلقيس على مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر، إلى مجلس الحكم حيث النبي سليمان عليه السلام.
لكن مهما قيل عن هذا الكائن، إلا أن بعض العلم الذي كان عنده من الكتاب، ربما يُقصد به علماً معيناً كان توصل إليه في ذلك الزمن، الذي يبدو أنه كان زمناً علمياً وهندسياً أو عمرانياً متفوقاً جداً، أو إن صح التعبير، حضارة متقدمة اشترك في صناعتها إنس وجان.
إن مجتمعاً يتشارك الإنس والجان والحيوان في شؤون كثيرة تحت إمرة وقيادة سليمان – عليه السلام – لا شك أنه قد بلغ مبلغاً عظيماً وعميقاً في شتى أنواع العلوم والفنون والمهارات. وليس في ذلك ما يثير الغرابة، وخاصة لمن يعيشون في زمننا هذا، حيث التقدم العلمي والتقني الهائل.
النبي سليمان – عليه السلام – وبما أنه سأل الله أن يهبه ملكاً لم ولن يكون لأحد بعده، فليس من المستبعد أن الله أفاض عليه من علوم الكون وأسراره الكثير الكثير، وربما كان بدوره ينقل بعض تلك العلوم والفنون والمهارات والأسرار لبعض خواصه أو خواص الخواص من الإنس والجن، لأجل صناعة أو بناء حضارة لم ولن تظهر مثلها أبداً، أو لن يكون الوصول إلى ما وصلت إليه حضارتهم، بالأمر السهل. تلك نقطة أولى.
أما الثانية، فالأرجح بأن هذا الذي كان عنده علم من الكتاب، أقرب لأن يكون من عالم الجن إلى عالم الإنس، باعتبار أن الجن أقدم وجودياً على الأرض من الإنس وبآلاف أو ربما عشرات الآلاف من السنين، وبالتالي هم أقدم حضارة وعلماً من الإنس، وخاصة أن وجودهم تحت إمرة سليمان - عليه السلام - يعلمهم ويوجههم ويسخرهم لخدمته في مجالات عدة، أكسبهم تفوقاً علمياً على من سيأتي من بعدهم وهم الإنس.
• أين العبرة من المشهد ؟
كما ذكرت منذ البداية، أننا لن نخوض عميقاً في ماهية الذي أتى بعرش بلقيس وما حول ذلك الأمر، لأن العبرة الأكبر والأهم من مشهد بلقيس وظهورها في عالم النبي الكريم سليمان - عليه السلام - هو تأمل ذاك الكم الهائل من الحكمة والكياسة عند بلقيس، وكيفية تدبر وتدبير الأمور.
إن ملكة بعظمتها، ما تهورت في مغامرة غير محسوبة العواقب حين دعاها سليمان – عليه السلام – وقومها أن يأتوه مسلمين، بل تريثت وأدارت الأمر المستجد في حياتها وحياة مملكتها بكل حكمة وتعقل، حتى رأت ما كانت تخفيه من قناعات عن قومها، والتي كانت قد بدأت تتشكل في نفسها بعد رد الهدية، حتى تيقنت تمام اليقين أن الذي تتعامل معه ليس بملك كملوك الدنيا، وأن دعوته لم تكن لحاجة في نفسه، بل لخيرها وخير قومها.
رأت بلقيس كم كانت على ضلالة، حين كانت تسجد وقومها للشمس من دون الله. رأت بلقيس نور الله من خلال تعاملها القصير وغير المتوقع مع نبي عظيم مثل سليمان - عليه السلام - والذي على إثر ذلكم التعامل، برزت حكمتها ورجاحة عقلها وحُسن سياستها للأمور، وأعلنت إسلامها مع سليمان لله رب العالمين، فدخلت تحت إمرته - عليه السلام - غير عابئة ولا مهتمة للجانب السياسي أو السيادي ومسألة الخضوع لملك آخر، لأن خضوعها لم يكن لسليمان - عليه السلام - وإنما لرب سليمان، وملك الملوك.
وهكذا هم أولو الألباب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6531
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
963
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها عبر الوسائط الإلكترونية والعقوبات المقررة لها والإجراءات التي تتم بشأن مكافحتها ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد أناط من أجل ذلك بجهاز النيابة العامة مهام جمع الأدلة والإثباتات حول ملابسات ارتكابها، وأوكلها سلطة التحقيق من أجل بيان الحقيقة بشأنها. ونظرا لخصوصية هذا النوع من الجرائم التي يختلف فيها مسرح الجريمة عن باقي الجرائم الأخرى، فإن إجراءات التحقيق وجمع الأدلة المثبتة لها بدورها تختلف عن الإجراءات الواجب اتباعها عند الاستقصاء عن الجرائم الأخرى. والمقصود بمسرح الجريمة هنا هو العالم الافتراضي الذي يمكن وُلُوجه عبر وسيط إلكتروني سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها الفعل الجرمي الذي يصبح موضوع بحث من طرف النيابة العامة، ومن هنا تبدأ هذه الأخيرة في التقصي عن نسبة الجريمة الإلكترونية للشخص موضوع الاتهام، وتصبح مهمتها تحديد مدى إمكانية ولوج ذلك الشخص إلى الوسيط الإلكتروني موضوع الجريمة، وهل ثبت لديها حقا ارتكابه للفعل موضوع البحث والتحقيق أم لا. ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا سمح القانون للنيابة العامة بالتحري والاطلاع على علاقة ذلك الشخص بالوسائط الإلكترونية، والاستعلام عن الوسائل التي يستخدمها في حياته الاعتيادية وربطها بالجريمة، حتى وإن كان ذلك يبدو فيه مساس بحياته الشخصية وأموره الخاصة به، لأن الوسائل التقليدية للبحث والتحقيق لن تفيد في الوصول إلى الحقيقة. إن بعض الجرائم الإلكترونية من أجل كشف غموضها والوصول إلى فاعليها لا يكفي فقط الاطلاع أو الاستعلام عن الوسائط الإلكترونية والوسائل الخاصة بالمتهمين، بل يستدعي الأمر أحيانا بحثا معمقا من طرف النيابة العامة لن ينجح إلا عن طريق الاحتفاظ بتلك الوسائل وحرمان المتهم منها لغاية انتهاء التحقيق بشأنها، مثل الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب أو أية وسيلة أخرى يشتبه ارتكاب الجريمة بواسطتها، بل أحيانا يتطلب البحث والتحقيق إلزام المتهم بترك حساباته على بعض مواقع التواصل مفتوحة ورهن استعمال جهات التحقيق، بل قد يكون ملزما بتزويدهم باسم المستخدم وكلمة المرور. تأكيدا لذلك فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 14 لسنة 2014 على حق النيابة العامة في أن تأمر كل مشتبه في ارتكابه جريمة إلكترونية بتسليم أية أجهزة أو أدوات أو أية معلومات مثل بيانات المرور تفيد في الكشف عن حقيقة الجريمة، وليس له حق مواجهتها بالخصوصية أو السرية حتى لو تعلق الأمر بأسرار المهنة، اعتبارا لكون البحث والتحقيق في الجريمة الإلكترونية من النظام العام الذي يهدد المجتمع، وهو أولى بالحماية من المصلحة الشخصية أو السرية المهنية للمشتبه فيه، واعتبارا كذلك لكون النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لن يضر اطلاعها على المعطيات الشخصية للمتهم في شيء، بل المفترض أن حدود اطلاعها وبحثها سوف تتم في إطار ما يهم الجريمة موضوع الاتهام، ولا يهمها الاطلاع على باقي ما يخص حياة المشتبه فيهم. ولم يحدد القانون مددا معينة للاحتفاظ بالأجهزة المشتبه باستخدامها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، إذا لا نجد التنصيص على أدنى مدة أو أقصاها، بل ترك المشرع المجال مفتوحا، لكنه من الناحية المنطقية فإن الاحتفاظ بتلك الأجهزة مدته مرتبطة بمدى الانتهاء من التحقيق بشأنه، فإذا تبين للنيابة العامة على سبيل المثال أن الهاتف المحمول المحتفظ به لا يحمل أي دليل أو شبهة تدين المتهم أو تفيد في الوصول إلى المتهم الحقيقي وإيضاح معالم الجريمة، يمكنها أن تعيده لمن يخصه بمجرد تأكدها من ذلك سواء تم ذلك خلال ساعات أو يوم أو أكثر، أما إذا ظهر لها أن ذلك الهاتف يحتاج مزيدا من الاستعلامات أو إعادة مخزون محذوف منه، أو الاستعانة بخبرة بشأنه وأن الأمر يتطلب أياما أو شهورا فإنه يجوز لها الاحتفاظ به طيلة تلك المدة. وإذا كانت للنيابة العامة حرية مطلقة بالتحفظ على الأجهزة والوسائل والبيانات التي تساهم في حل خيوط الجريمة الإلكترونية، فهي ملزمة في المقابل بالمحافظة على تلك الأشياء التي تحت تحفظها، بحيث لا يجوز لها محو بيانات أو تعديل معلومات أو تغييرها أو المساس بها لحين صدور قرار من الجهات القضائية بشأنها.
789
| 16 فبراير 2026