رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عادل الحواتمة

أستاذ العلاقات الدولية، جامعة لوسيل

مساحة إعلانية

مقالات

1296

د. عادل الحواتمة

من حوّل القضية الفلسطينية إلى حملة للتعاطف مع غزة؟ (4/4)

09 فبراير 2025 , 08:00ص

هذا المقال الأخير من هذه السلسلة، والتي حاولت تتبع أهم المتغيرات الإقليمية والدولية التي كان لها دور مهمًا: إما في ابراز القضية الفلسطينية واعادة فرضها على الاجندة الدولية، أو تلك التي حرفت البوصلة عن مركزية القضية والحق الفلسطيني، وحوّلت الاهتمام لحالة من التعاطف الموسمي كلما حدث هناك اعتداء على فلسطين - غزة. لذا فإن هذا المقال كسابقيه، يسعى لتغطية الفترة الاخيرة من بعد الربيع العربي وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، وهي مهمة صعبة بطبيعة الحال؛ نظرًا لتعقد وتعدد وتشابك الأحداث، وبما قد يُحدثه من حِجاج أكاديمي راقٍ متأصل ينبع من اختلاف بوجهات النظر ليس إلا.

كان للتحولات السياسية التي رافقت الربيع العربي آثار تراوحت بين السلبية والايجابية: فالإيجابية منها تلك المتعلقة بوصول زعماء جدد للسلطة، فعلى سبيل المثال، أدى وصول الرئيس المصري السابق محمد مرسي للسلطة لإعطاء دفعة قوية للقضية على كافة الصُعد، وأظهر جدية في إسناد القضية، وخاصة خلال الاعتداء الإسرائيلي على غزة 2012، كما أسهم في تحقيق المصالحة الفلسطينية والتي تمت الإشارة لها سابقًا كون غيابها يُعتبر عاملًا مُقوضًا لأي امكانية فاعلة لجبهة فلسطينية داخلية موحدة. تونسيًا كان للرئيس المُنصف المرزوقي مواقف داعمة للفلسطينيين سياسيًا حيث دائمًا ما استحضر ضرورة قيام الدولة الفلسطينية تبعًا لقرار الأمم المتحدة 242، حتى بعد خسارة منصب الرئاسة في انتخابات 2014 لصالح القائد السبسي، فقد شارك شخصيًا في اسطول الحرية الثالث 2015 لمحاولة كسر الحصار عن قطاع غزة.

بالمقابل، يُمكن النظر لمخاضات الربيع العربي السلبية على القضية من حيث الانقلابات التي حصلت على مُخرجات الربيع العربي، والتي أعادت القضية للمربع الأول، وربما اقل بقليل؛ عند وصول رؤساء جدد، ومحاولات التماهي مع المطالب الصهيونية لتقويض حركة حماس بشكل أساسي، يضاف لها فوضى الأحداث التي أسهمت بتركيز العديد من الدول على شؤونها الداخلية: سواء هذه التي شهدت تغييرًا سياسيًا مفصليًا أو تلك التي خشيت من انتقال عدوى التغيير اليها. كما يُعد بروز الشكل الجديد من حركة القاعدة متمثلًا في داعش وأخواتها عاملًا سلبيًا أسهم في تشويه صورة المقاومة كحركة شرعية تحريرية، مضافًا له موقف حركات المقاومة السلبي من بعض الثورات وبخاصة الثورة السورية وتدخل حزب الله فيها؛ حيث تكمن خطورة هذا في أن وقود ثورات الربيع العربي هي الشعوب ذاتها والتي تنتفض دائمًا لفلسطين في ظل تقهقر رسمي أحيانًا.

لقد كان لعام 2017 وقع ثقيل على القضية الفلسطينية وذلك بعد فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية وما نتج عنه من مشروع صفقة القرن حيث شهدت ولايته الأولى ولأول مرة اعترافًا أمريكيًا بالقدس كعاصمة لإسرائيل، كما شكلت جهوده لدفع بعض الدول العربية لتطبيع العلاقات المجاني مع إسرائيل عام 2020 نكسة أخرى هشمت وهمشت مركزية القضية الفلسطينية في النظام العربي الرسمي، حيث نتج عن هذا تحييد 4 دول سلبيًا من المعادلة الفلسطينية، وهي دولة الإمارات، والمغرب، والسودان، والبحرين. هذا التوجه قوّض ما تبقى من قوة وشرعية للمبادرة العربية، والتي ربطت الاعتراف بإسرائيل بقيام دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967. على الرغم من أن نشأة مبادرة المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز جاءت من معقل الجامعة العربية ولاقت استحسانًا وتمسك الدول العربية والاسلامية بها في البداية، إلا أن التوجه الفردي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ألقى المبادرة في عُرض حائط اللامُبالاة وتضييع الحقوق وأسس طريقًا لإسرائيل كي تتسلل لفتق ما تبقى من وشائج قومية إسلامية تربط الشعوب بفلسطين، واللافت في الأمر غياب مُخجل للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي من القيام بأي دور ولا حتى في الحدود الدنيا.

إن العمليات المتكررة للحركات الجهادية في فلسطين/القطاع، وتلك التي تحدث بشكل اقل زخمًا في فلسطين/الضفة الغربية تعمل دائمًا على إعادة إحياء القضية كلما تشكلت قناعة بخفوت القضية أو محاولة تمييعها. هذه العمليات تتفاوت بقوة تأثيرها وما يرافقها من ردات فعل عربية مُساندة، ودولية منقسمة: فطوفان الأقصى الاخير 2024 كان مختلفًا من حيث التداعيات والتوابع والحسابات؛ حيث أحدث انقسامًا غير متساوٍ من التأييد تفاوت بين التام والجزئي؛ نظرًا للكلفة البشرية والمادية الكبيرة.

إن الدعوات الأخيرة من قبل الرئيس ترامب لتهجير أبناء القطاع لدول مثل الأردن ومصر لإعادة تأهيل القطاع على حد زعمه ليست الأولى في التاريخ الأمريكي والدولي، ولن تكون الأخيرة طالما حافظ الفلسطينيون على المقاومة المشروعة لتحرير الأرض والإنسان. ولكن قد تكون هناك أوقات وحسابات وسيناريوهات أكثر مناسبة من غيرها؛ تضمن تحقيق أهداف محددة بسقف محدد تجنبا لخسائر مفتوحة وغير مُحددة سياسيًا وبشريًا ومعنويًا. وفي هذا السياق، قد تظهر مجموعة عوامل أساسية أسهمت بتحويل القضية الفلسطينية إلى حملة جزئية للتعاطف مع غزة في سياق فظاعة أحداث جارية، تقوم على ردات فعل عفوية متناسية الحق التاريخي الفلسطيني: حيث لا يُمكن التسامح مع المواقف الضعيفة، إن كان هناك مواقف، لفواعل ومجاميع من المفترض أن تكون أكثر تأثيرًا مثل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ومعاهدات التطبيع المجانية المنفردة مع الكيان الصهيوني، والانقسام الفلسطيني، ودور الإدارات الأمريكية وبشكل خاص الجمهورية منها، وغيرها. وهذا لا يُلغي الأدوار المُهمة التي قد تلعبها دول وطنية بشكل منفرد أو بتنسيق ثنائي في محاولات إصلاح ما تم إفساده، ومقاومة ما يتم تغييره، وتثبيت ما يُسعى لانتزاعه، فشكرًا للأردن ولقطر وللمملكة العربية السعودية ولمصر.

• أستاذ العلاقات الدولية - جامعة لوسيل

مساحة إعلانية