رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثر الكلام عن الحفاظ على اللغة العربية رغم أننا غارقون في تفاصيل، ففي العربية ما نقوله شيء وما نفعله شيء آخر، حرصنا شكلياً بأبسط مثال أسماء محلاتنا (خواجاتي) وكأننا نقول إننا بعيدون عن النسق العربي المتخلف، فنادقنا، مجمعاتنا السكنية، مراكز تسوقنا تحمل أسماء (خواجاتي) حتى أسماء رياض الأطفال لم تنج من ذلك أيضا، إن الزائر الذي يفضل أن يطير في إجازته السنوية بعيداً عن الشرق لم تر عيناه في سفراته يميناً أو يساراً محلاً في قلب لندن، أو نيويورك، أو في بلاد (ليالي الأنس في فيينا) أو باريس يضع لافتة بأي اسم عربي مهما كانت عراقته، عقدة الخواجة تتخلل تحت مسامنا، بيوتنا في طول شرقنا وعرضه تحتفي وتبتهج وتفرح بنطق طفلها للمفردات الأجنبية أكثر كثيراً من فرحها بحفظ أم الكتاب أو سورة الإخلاص!.. أما إذا شب الطفل وغرد (بالرطانة الخواجاتي) كان هذا الحدث الجلل مثار فخرنا العظيم، بل إن بعضنا يتباهى بأن أولاده يتحدثون الإنجليزية (لبلب) ولا يبالون مطلقاً أن رسوبهم الوحيد كان في مادة اللغة العربية!!
ليس هذا فحسب فاحتفاؤنا بمن عاد بشهادة من (بلاد برة) أكثر مليون مرة من حفاوتنا بخريج الأزهر وأعظم تخصصات اللغة العربية (رغم أنني أحلم بأن يتقن كل داعية أزهري اللغات الأجنبية ليكون خير مصحح لصورتنا المقلوبة في الغرب كإرهابيين) بيوتنا العربية تحرص على اقتناء مربيات بديلات لمهام الأم شرطهن الأول إتقان اللغة الانجليزية لتلقين الرضع منذ نعومة الأظافر هاي، وباي، وماي) بغض النظر عن النطق المعوج لكثير من المفردات الأجنبية الخطأ والتي تكبل الطفل بنطق مغلوط نحتاج وقتاً لإصلاحه عوضاً عن تشرذم ذهن الطفل بين لغة المربية، ولغة الأم، وخليط من اللهجات التي يكتسبها مرة بالهندي، ومرة بالسريلانكي، ومرة بالفلبيني والله يعينه على ما ابتلى به!
أما دور الإعلام فحدث ولا حرج فمذيعات الخريطة العربية إلا قليلاً يدخلن في لقاءاتهن وحواراتهن المفردات (الخواجاتي) حتماً وضروري كلمة أجنبية بين الكلمات العربية وذلك للفت النظر بأن ثقافة حضرتها أجنبية، أما ضيوف العالم العربي من أطباء، وعلماء، ومفكرين، لا يكاد يسلم لهم لقاء من استعمال مصطلحات اللغة الأجنبية، حتى أنني تصورت وأنا أتابع أحد الأطباء وكان متحدثاً في الشأن الطبي أنه نسي تماماً أنه يتحدث لمستمع ومشاهد عربي وليس (خواجة)!
في صحافتنا على طول الخريطة العربية نستعين بمفردات، وتواريخ، وأرقام وأحياناً كلمات باللغة الانجليزية وكأننا نعجز عن التعبير بعربيتنا الجميلة أو لإيماننا بأن ما نكتبه سيكون أكثر تأثيراً، وأفخم دلالة إذا ما أضفنا (الحروف الأجنبية) سؤال، هل رأى أحد منكم صحيفة أجنبية تضع تاريخ صدورها بالأرقام العربية؟
ولعنا بكل ما هو أجنبي جعل أمنياتنا تمتد لرغبة الانتماء إلى مجتمع مغاير لمجتمعاتنا الشرقية، وجنسية غير جنسيتنا، وكم من أسر أقامت (الأفراح والليالي الملاح) لأن عائلها أو ابنها حصل على الجواز الأمريكي، أو البريطاني، أو جواز أي بلد أجنبي رغب في الحصول على جنسيته، البعض يرسل زوجته إلى أمريكا مثلاً قبل الوضع بفترة لتضع مولودها هناك وليأتي المولود لأبويه بفرحة العمر أو (بفرخة) العمر، خلاص سيصبح (خواجة)! وستفتح له الأبواب المغلقة، وسيحترم في بلده أو أي بلد يبرز فيه هويته الجديدة، بل سيأخذ فوق حقه حقوقاً كثيرة تتفوق على زميله، وابن بلدته، أين الثريا من الثرى؟! ولا أنسى حكاية (فلان) عربي الجنسية الذي كان يعمل بالخليج ثم تركه وسافر وعاد بجواز أجنبي، تقدم للعمل بصفته الجديدة وجوازه الجديد ليحظى بما يحظى به أصحاب العيون الملونة والشعور الشقراء المتميزون بعالمنا العربي كله! كثيرون فقدوا حياتهم وهم في هجرات غير شرعية ليحظوا يوماً ما بالحلم بعد تعديل وضعهم القانوني (جواز أجنبي) البعض جازف واشتراه هرباً من عذابات لا يعلمها إلا الله في حياتنا اليومية، عقود الإيجار، إنذارات الإخلاء، مازالت تصل المستأجر بالانجليزية لأن القائم على رعاية العمل (هندي) ولا يعرف العربية، يحدث هذا ببساطة دون أدنى احترام لثقافة المستأجر إن كان يفهم ما يرسل إليه أم لا!
محطات كثيرة، وقفات كثيرة يجب أن نلاحظها ونحن نتحدث عن تغريب اللغة التي نطعنها في قلبها رغم جمالها الفادح، وروعتها الآسرة!
مطلوب إعادة نظرتنا إلى ثرائنا المهمل ومحاولة فهم لماذا يأسرنا كل ما هو أجنبي؟ اللغة ضرورية؟ نعم ضرورية، مهمة؟ نعم مهمة لكن لا ينبغي أن تتفوق على عربيتنا التي بدأ أطفالنا يغتربون عنها، ربما نحتاج زمناً لكي نصلح فيه ما أفسدناه لا ما أفسده العطار، المهم أن نبدأ.
• شجون اللغة
• كان الضيف من دول الربيع العربي، نزل ضيفاً على إحدى القنوات التعليمية، كلامه غير المسؤول، بل والمضلل يرفع ضغط المتابع، فرغم حال التعليم (الواقع) الذي يخرج من الجامعات من يضع الصاد مكان السين ليكتب (صبورة) بدلاً من (سبورة) ومن تنطق (التاء) بدلاً من (الطاء) لتقول (تفل) بدلاً من (طفل) راح يدافع كمسؤول ظهرت مداهنته لمن فوقه زاعقة ليؤكد ما توفره الوزارة من مقومات النجاح الفائقة للعملية التعليمية، متناسياً أن توافر الإمكانات لا يعني أبداً جودة المخرجات إذ لابد من عناية فائقة بالمناهج منذ نعومة الأظفار لتسلم العملية التعليمية برمتها من الوقوع، وقبل ذلك يتحتم البعد المطلق عن حجب حقيقة تردي التعليم لنداهن ونقول (كله تمام) لأن المسألة أولاً وأخيراً أمانة.
• في عالمنا العربي الجميل أصبحت كلمة (أوامر من فوق) مصداً لأي حوار أو نقاش، أو تظلم، كما أصبحت كلمة دارجة يستعملها المسؤول عندما يرغب في تخويف مرؤوسيه، أو إرهابهم، أو عندما يريد كتم صوت أي جرئ، أو شجاع، أو وطني تتقاطع رؤيته مع رؤية السيد المسؤول التي تفوح منها رائحة استغلال منصبه، وكم ظلمت عبارة (أوامر من فوق) وقد اكتشف البشر أن (الناس اللي فوق) لا يدرون شيئاً عما يقترفه (الناس اللي تحت) من بلاوي وكوارث باسمهم وبجرأة يحسدون عليها!!
• أحزن جداً كلما قرأت أو سمعت عن مظلمة إنسان لم تنقذه يد الإنصاف من وجعه، أحزن أكثر كلما كانت المظلمة لصاحب خلق ودين!!
• أحياناً بعض السادة المسؤولين الذين يقلبون المعدول، ويكرهون من يخالفهم قد يكون المناسب أن توافق، وتنافق لتتمتع بمنصب ومزاج رائق، لكن يظل احترام المرء لنفسه قيمة لا يتنازل عنها صاحب مروءة لا يناسبه النفاق، ربما لأنه يخجل من أن يقع من عين نفسه قبل أن يقع من عين الناس.
• طبقات فوق الهمس
• يا مسافرة دون وداع، ودون كلمة أخيرة، وقبلة أخيرة، وضمة أخيرة، يا مسافرة إلى سر الأسرار، وبرزخ الأرواح، أودعك وداع المؤنب نفسه فلو علمت أن آخر مرة رأيتك فيها متعبة موجوعة كانت مرة أخيرة لاحتضنت جسدك الطيب طويلاً، ولمسحت على بدنك المتعب بحنان روحي كثيراً، قدرنا يا غالية أن نكون على البعد تتساقط بعيداً عنا قطع غالية منا يضمها قبر بعيد، يا غاليتنا المسافرة، ناديناكي في الدنيا (بهية) واليوم ادعو الله أن يجمع لك البهاءين، بهاء الدنيا والآخرة، اليوم استحضر عمراً كنت فيه حبيبتنا جميعاً، وأهمس بدمع قلبي افتقدك يا بهية الروح، والقلب، والحنان، اليوم ماتت أمي الثانية، اللهم تغمدها بواسع رحمتك، وجميل غفرانك.. آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026