رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبقتني أختي إلى أحد متاجر الأجهزة فوجدت الثلاجة الذكّية التي كنت قد استبشرت يوما بها فوضعت خبر إنتاجها عالميا في حساباتي... لم أتوقع وقتها أن تصل الدوحة بهذه السرعة.
قالت: قومي!! قلت: ماذا؟
الثلاجة وصلت؟ صج؟ الدوحة؟ بل الوكرة!! شوفي الواتس..
فوالله لولا صوتها في مقطع الفيديو لما حسبت الصورة إلا جزءا من إعلانات المنصات التي تداهمني ليل نهار؟ فكيف إذا بها وهي في متجر أجهزة؟ وفي الوكرة الأصغر من العاصمة؟ شكرتها وتمنيت أن يأتي الغد بسرعة... فلعلها وصلت مع القرين التكنولوجي قبل أن يرتد إلينا طرفنا.
رغم إنشادي لراحة البال قبل أن أخلد للنوم.. لأهنأ بشيء من قبيل قراءة ديوان شعر إلا أنني أدخل في متاهات قرار «ما هو غداء الأسرة غدا؟»
سرحت فتخيلت الثلاجة تسولف معي كل ليلة عن النواقص فتعينني على تحديد جدول الوجبات قبل كساد المواد التي صرفت عليها ما صرفت خصوصا وإن منها المكلفة العضوية أو الخالية من الجلوتن..... مع أملي أن تجمع لي معلومات أعمق بناء على طريقة سيري والكسا واخواتهما الاستخباراتيات! عفوا! - أعني الأذكياء- فتحدد لا الموجود من عدمه فحسب بل نوع الحليب الموجود فيها إذا كان قليل الدسم أو منزوع اللاكتوز. وهي هنا في بيتنا طرف ثالث لها رقم شخصي سحابي و IP خاص بها تشارك البيانات في خوادم.. أي تتلصص علينا بلا شكّ، مع عمق وخطورة ما تعنيه كلمة Intelligence باللغة الإنجليزية، علما بأن استخبارات المعدة أهم من استخبارات العقول.
ما إن أدركت الصباح حتّى هرعت إلى المتجر... فوجدت ست الحسن المذكورة أعلاه - المنقذ - وأنا أعاني مع من علمتهم تقديم ما حقّه التقديم في استراتيجية الثلاّجة، فقضوا دهرا يقدمون ما حقّه التأخير دون جدوى فيصفّونه في المقدمة ويستخدمونه قبل غيره حتّى تنتهي صلاحية ما في الخلف رغم معاناتي اليوميّة في الترتيب وتكرار الدرس الشامل كل جمعة مع مصفوفة الثلاّجة التي بدت أصعب من مصفوفة ديكارت وأتعب فيها أكثر تعبي في محاضراتي في الجامعة باختلاف اللغة والجمهور.
فرحت بالثلاّجة الذكيّة وكدت أن آخذ سلفي معها!! فرحة ذكرتي بأول استقبال شعبي لجهاز فيديو VHS وكأننا في زفّة «يا معيريس عين الله تراك» وأول فرحة بكمبيوتر عربي «صخر» أحضره والدي وبدأنا معه الطباعة العربية.
طالما تمنيّت أن توفر علّي وقت وجهد معارك تافهة أخرج منها منهزمة ويعوج لساني بعربية أو إنجليزية مكسّرة! أو بهزّ الرأس في جدل لا ينتهي «ليش ما تقولين انه مخلص؟ او بتنتهي مدته»!! تفحصتها وكأنني أتفحص عروسا، فوجدتها وكأنها آيفون تحدد موجوداتها بالصور على شاشتها الخارجيّة.. والتطبيقات! يا سلااااااااااام!! وما أدراك ما التطبيقات؟
وبلهفة سألت البائع: وماذا عن تحديد مدة الصلاحية والتواريخ والكميّات؟...وأنا أتمنى أن تساعدني في تقليل نسبة الفائض وتلف المنتجات فضلا عن تركيز الوقت في حسن إدارة شؤون المنزل دون إسراف أو هدر؟ واستغلال وقت نافع لأعمال أخرى تتطلب طاقتي....وهذه ليست أمنية المرأة العاملة فقط بل جميع ربّات البيوت... فلا يدّعي أحدٌ الكمال فمنزل بعض النساء غير العاملات يقرر فيه الطباخ/ة ماذا يأكل الجميع؟ أما الآن في عصر الذكاء الاصطناعي فقد تقرّره الثلاّجة!! المهم ألا تحملوا بياناتكم ثلّاجاتكم فتنقلها الحوسبة السحابية في مشاركة البيانات على IP أجهزة بيوت الجيران الفيزيقيين والميتافيزيقيين!!
عدت وسألت البائع سؤالا أكثر أهميّة: لا كغيرها من أذكياء البشر- هل تفرّق الثلاّجة بين الكزبرة والبقدونس؟حتى لا أفاجأ بأحدهما في طبخة ليست لها فتفشل ويتفرق اجتماع الأسرة على مائدة بسبب كزبرة!! وحتى أكون في النهاية أمّا وزوجة ناجحة فلا ينهرني أحدهم: زيتون لبنان خلّص؟ ما في حليب لوز ولا OAT Milk؟ كلّ ذلك – وأنا المغلوبة على أمري- أمثّل دور مصباح علاء الدّين حتى لو طلبوا منّي لبن العصفور، وأندب الساعة التي سمّي فيها معصور اللوز أو معبوج الشوفان حليبا.
ليست خيالا علميا بل ضرب من الواقع..
الثلاجة فاقت توقعاتي.. ALL in on في شاشة الكترونية بدءا من التنبيهات ومعرفة من على باب المنزل من عين الكاميرا إلى تطبيقات مكتملة من مفكرة يومية وجدول ومخطط للوجبات، وتلفزيون واستيريو صوتي، وتحميل أفلام إلى البوم صور وجاليري بل وتطبيق الطبخ، وحالة الطقس الذي ربّما وضع ليحدّد متى يؤكل المجبوس من شلاني الدجاج!!
ستذهل بتطبيق قائمة المشتريات واللوحة البيضاء التي ستغنيك عن لصق المفكرات فضلا عن Tips و To do list. والأهم من ذلك كلّه أنك تستطيع ان تتحدث مع ثلاّجتك ليل نهار وتطلب كوب ماء بالثلج وأنت ماشي.
وماذا؟ تخيلوا.... موجز الصباح!! وما ظننت أن للثلاجة نشرة مثل الجزيرة!! وما ظننت أن أحلام المنام يقين!!
وكيف أصبح الحلم إرهاصا للمستقبل!!
هل شاهد أحدكم فيديو أغنية قديمة في حضانة أطفاله: يا براد يا براد ما اسمك؟.... اسمي برّاد آلي!!
المعرّبة عن أغنية Cute Friend Refrigerator
Refrigerator.... Refrigerator
yes, papa….
Do you have water???
Open your doors? Haa Haa haa
افتحوا يوتيوب وتفحصوها، فالثلاجة تحدثت وفتحت الأبواب وأفصحت عمّا فيها..
وما علمنا – نحن العرب المستهلكين - أن انشودة الحضانة التي ترجمناها ترجمة حرفية ما كانت إلا استشرافا للمستقبل.. ودرسا لنا بعد اليوم على ضرورة تعهد أنفسنا وأبنائنا على تحليل الأدب والفن والبيانات الضخمة Big Data بدلا من ترديدها مثل الببغاء.
الحديث هنا ليس اجتماعيا بل علمي وإستراتيجي..
إنترنت الأشياء IOT دخل حياتنا منذ زمن ثمّ تطور تطورا كبيرا، فجولة واحدة في قطر تطلعنا على الادوات الذكيّة التي تجعلنا مهيئين لندير ونتحّكم بأجهزتها في بيوت ومدن ذكيّة. الثلاجة الذكيّة مثال صغير فقط على الذكاء الاصطناعي نشترك فيه جميعا متعلمين وغير متعلمين في حلقة أكبر ينبغي أن تتوسّع مداركنا فيه لا لاستهلاكه فحسب بل لفهمه والمشاركة في صناعته وانتاجه.
والسؤال:
مع التحول الاستراتيجي في بنية الذكاء الاصطناعي وأدواته، هل هيأت قطر شعبا ذكيّا بمعايير عاجلة ومنتجة وآمنة رقميا؟ وماهي استراتيجية قطر الوطنيّة في الذكاء الاصطناعي على المستوى الشعبي؟
في عالم البقاء للأسرع.. لعلّ أول إجابة على المستوى الشعبي سيحسمها اختبار الثلاّجة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026