رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

525

د. جاسم الجزاع

إلى المديرين: احذروا ثقافة الإرهاق الخفي

09 يوليو 2025 , 04:40ص

كثيرًا ما أقف متأملًا في عالم المؤسسات والعمل عندنا في البيئة العربية والخليجية بحكم عملي في مجال التدريب والاستشارات في عدة مؤسسات كويتية وخليجية، وأجد ذلك العالم الذي يبدو لنا في ظاهره منظمًا ومحكومًا بالخطط والأهداف، يبدو وكأنه يخفي بين جدرانه مشاعر متضاربة وتجارب إنسانية لا تُرى بالعين المجردة، وفي كل مرة أقترب فيها من تفاصيل بيئات العمل، أجد نفسي أمام ظاهرة صامتة تخنق الإبداع وتقتل الحماس وتستنزف الطاقات، إنها ظاهرة الإرهاق التنظيمي الجماعي أو ما يسمى بـ (Organizational Burnout). 

والإرهاق الذي أقصده هنا لا يخص الأفراد فقط كما قد يظن البعض، بل هو حالة جماعية تصيب فرق العمل أو المؤسسة بأكملها من كبيرها إلى صغيرها، وهو شعور مشترك ينتشر بين الموظفين بهدوء قاتل، حتى يتحول إلى ثقافة عامة تسيطر على الأجواء وتمنع أي أمل في التغيير أو الإبداع أو حتى الاستمتاع بالعمل، والمؤسف أن هذا النوع من الإرهاق غالبًا ما يُهمل أو لا يُعترف به حتى تصل المؤسسة إلى حافة الانهيار.

وهذا الإرهاق التنظيمي الجماعي يحدث عندما يتعرض الأفراد والفرق لضغوط متكررة دون أن يُتاح لهم وقت كافٍ للتعافي والتشافي، فالمؤسسات كالإنسان البشري الذي قد يجهد نفسه في رفع الأثقال دون أن يأخذ فترة راحة للتشافي لحدوث تمزق في العضلات وكذلك المؤسسات والمنظمات تحتاج كما يحتاج الإنسان للتعافي، ولكن ما نراه هو أن الأمر يبدأ بفقدان الحماس، ثم يتطور إلى مشاعر الإحباط، ثم التشاؤم وفقدان الثقة في المؤسسة أو القيادة، وتتعدد أسبابه أعني الإرهاق التنظيمي الجماعي ومنها: غياب وضوح الأدوار، غموض الأهداف، انعدام العدالة في توزيع الفرص أو المكافآت، غياب التقدير، أو سياسات إدارية قاسية ومتقلبة لا تراعي الإنسان قبل المهام.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتزامن مع أزمات كبرى مثل الأوبئة، الأزمات الاقتصادية، أو الضغوط المجتمعية، فتجد الموظف محاصرًا من كل الجهات بلا متنفس، حينها تصبح بيئة العمل عبئًا نفسيًا هائلًا بدل أن تكون مصدر إلهام وتحفيز.

لكن لنكن متفائلين أن هذه الحالة ليست أمراً لا حل له، بل هناك دائمًا طريق للخروج. فيبدأ الحل أولًا بالاعتراف بوجود المشكلة، فكثير من المؤسسات تنكر وجود الإرهاق الجماعي أو تضعه في خانة «ضعف الأداء الفردي»، وهذا خطأ كبير. ثم يأتي دور القيادة الواعية التي تدرك أن الإنسان هو أثمن رأس مال تمتلكه المؤسسة.

لذلك يحتاج الناس داخل أي منظمة إلى أربعة أمور أساسية.. أولها الوضوح وأن يعرفوا ما هو مطلوب منهم، وثانياً التقدير وأن يشعروا بأن جهودهم مُعترف بها، وثالثاً الإنصاف وأن يتساوى الجميع أمام الفرص، ورابعاً الدعم بأن يجدوا من يستمع إليهم ويدعمهم عند الحاجة، فبدون هذه القيم، سيتسرب الإرهاق إلى الجميع مهما كان حجم الحوافز المادية.

ومن هنا أدعو كل قيادي وكل صاحب قرار إلى أن يعيد النظر في ثقافة مؤسسته، وأن يسأل نفسه وفريقه: هل نشعر بالشغف لما نفعله؟ هل هناك إنصاف ووضوح وتقدير؟ هل نسمح لأنفسنا وفِرقنا بالراحة والتجدد؟

فالحياة يا معشر القياديين داخل المؤسسات ليست مجرد سباق للإنجاز، بل هي رحلة طويلة.. يكون فيها النجاح الحقيقي ذا معنى جوهري.. أن لا تستنزف طاقات الناس بلا فائدة، بل من أجل إحياء طاقتهم وتقدير إنسانيتهم.

مساحة إعلانية