رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من الصعب على المشاهد أن يلحظ الفرق بين الأداء القديم والأداء الحديث في فن التمثيل السينمائي، خصوصاً إذا تأمل الأفلام الأمريكية في الأربعينيات وحتى بداية الخمسينيات. فالأداء التمثيلي الحديث يتسم بواقعية وطبيعية أكثر، بينما كان الأداء الكلاسيكي القديم فاترًا وأحيانًا متكلفًا حد الجمود التام، وكان يعتمد على المبالغة الزائدة عن الحد الطبيعي، وهو مبدأ خاص بالمسرح الذي انتقل تلقائيًا للسينما.
أقنعة الأداء الكلاسيكي ومنهجية التمثيل الحديث
في التمثيل الحديث توجد سمات خاصة جدًا لدى كل ممثل يضفيها على أي دور يلعبه، ويفترض لو أن عشرة ممثلين أدوا دورًا بعينه فمن المتوقع أن يقدموه بعشر طرق مختلفة، بينما كان الأداء في السابق منسوخاً من بعضه، وكأنه أقنعة تلبس حسب نوع الشخصية، وهو المتبع في طريقة التمثيل المصرية الحديثة، غير أن تلك الأقنعة القديمة لم تكن شديدة التنوع، بل تكاد تنحصر في خمسة أنواع محددة: قناع الخير، قناع الشر، قناع المُحب، قناع المتغطرس، وقناع الفقير.
وبشكل عام، فإن الشخصيات التي تقوم بأداء حديث تبدو أكثر حقيقية ومتعددة الأبعاد، أي لها وجود مكتمل وقائم. بينما في السابق كانت الشخصيات تبدو مجرد جزء من الفيلم، تُبث فيها الحياة مع عرض أول مشهد له، وتُنزع منها الحياة مع ظهور كلمة "النهاية"، والسبب في ذلك هو أن الأداء الحديث يستفيد من جوانب الشخصية التي لا تظهر بالضرورة في النص مثل الجانب النفسي والذهني والاجتماعي والثقافي، فيكون التمثيل في هذه الحالة أشبه بتلبس حالة انسان بالكامل، وليس فقط تقليد لبعض تصرفاته ظاهريًا.
على هذا النحو، لا يمكن أن ينسب هذا التغير الذي طرأ على الأداء السينمائي في العالم إلى شخص واحد، فمن مدرسة شارلي شابلن وإن كانت لها خصوصية كبيرة إلا أنها أسست على الانتباه الى الحالة النفسية والتعبير عنها بلغة الوجه والجسد، ولكن هناك مدرب ومعلم تمثيل عرف عنه أنه خرّج دفعات من الممثلين الذين إذا تأملنا أسماءهم وجدنا أنهم يمثلون التغيير الذي طرأ في فن التمثيل ومن هؤلاء: مارلون براندو وجيمس دين، مونتجومري كليفت، ستيف مكوين، جين فوندا، وبول نيومان، جو آن ودوارد، مارلين مونرو، لي ريميك، آن بانكروفت، روبرت دينيرو، آل باتشينو، جاك نيكولسون، رود ستايجر، جيرالدين بيج، سيدني بوتييه، شيلي وينترز، جيل كليبيرج، إيفا ماري سانت، مارتن لانداو، ميكي رورك، جاك بالانس، باربرا بيل جيديس، إيلاي والاك، كيم ستانلي، ويل باتون، داستن هوفمان، سالي فيلد، جين هاكمان، وميريل ستريب. والمُعلم الذي علم هؤلاء التمثيل هو لي ستراسبيرغ.
الهنغاري الذي نقل عن ستانيسلاڤسكي
لي ستراسبيرغ Lee Strasberg ولد في هنغاريا عام 1901، ثم هاجر مع أهله إلى أمريكا وعمره ست سنوات، وفي عام 1924 مثل لأول مرة، وكان ذلك في مسرحية من إنتاج نقابة المسرح عرضت في نيويورك. بعد ذلك عمل مديرًا للمسرح لبعض إنتاجات النقابة. وفي عام 1931 شارك في تأسيس فرقة مسرحية اسمها "مسرح الجماعة"، وكانت أول من وظف أسلوب كونستانتين ستانسلافسكي في أعمالها.
وستانسلافسكي هذا مسرحي روسي كان مديرًا لمسرح موسكو للفنون وكان يقول بأن على الممثلين ألا يبالغوا في إظهار العاطفة بالأسلوب التقليدي لأعراف المسرح، بل يتعين عليهم أن يتحدثوا وأن يعبروا بحركات أيديهم بالطريقة المتبعة في حياتهم العادية، لذلك يعتبر ستانسلافسكي من أهم الشخصيات المؤثرة في المسرح الروسي بدأ منذ عام 1907 عندما وضع نظريات وأساليب وتمارين لجعل التمثيل واقعياً وطبيعياً. حيث تعرف مجموعة نظرياته بشكل عام باسم (الأسلوب).
وبذلك غير أسلوبه شكل التمثيل في روسيا قبل أي دولة أخرى. ولكن هذا التغيير ظل محصورًا في روسيا إلى أن جاء لي ستراسبيرغ وتبنى أسلوب ستانسلافسكي وفق منظوره الخاص في فرقة "مسرح الجماعة" ولاحقاً في "استوديو الممثل" الذي أسسه المخرج إيليا كازان والمخرجة والمنتجة المسرحية شيريل كروفورد والمخرج المسرحي روبرت لويس. انضم إليهم ستراسبيرغ حتى أصبح في عام 1952 مديراً له واحتفظ بذلك المنصب حتى وفاته في عام 1982.
خلال تلك السنوات كان المدرس والمدرب الرئيسي في الاستوديو، بل والمعلم الوحيد فيه على مدى سنوات عديدة. وبالطبع تعاقب عدد من الفنانين على إدارة الاستوديو بعد وفاة ستراسبيرغ، منهم الممثلة إيلين بيرستين والممثل آل باتشينو والمخرج المسرحي فرانك كورسارو.
وبالطبع فإن مساهمة استوديو الممثل آنذاك في تخريج عدد من المخرجين والكتّاب والمؤلفين المسرحيين المرموقين مثل مارك رايديل ونورمان ميلر وتنيسي وليامز وإدوارد ألبي وجيمس بالدوين، كان لها دور مهم في تكريس أسلوب ستراسبيرغ.
هنا ينبغي التنويه بأن ستراسبيرغ كان ينفذ أجندة ستانسلافسكي "وفق منظوره الخاص" لأن نظرياته ومبادئه كانت شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزء كبير منها تجريبياً، بينما تركزت تدريبات ستراسبيرغ لطلابه على نظرية واحدة تقريبًا، تعرف بنظرية التمثيل المنهجي أو الحي (Method Acting) وهي طريقة تمثيل متعلقة بما يسمى بـ(الذاكرة الشعورية) و(التقمص) لتحقيق (الإلهام الإبداعي) بدلا من تحديد مسبق لأثر الأداء، وذلك في محاولة لتحقيق (الأداء الكامل) والمعايشة الكاملة.
مدرسة الحرفية الداخلية (المعايشة)
على هذا الأساس يعتبر ستانسلافسكي أول من قنن عمل الممثل ووضع له النهج الأول كي يسير عليه، وأصبحت طريقته التي طرحها في كتابه "ممثل يستعد" وكتب أخرى مهمة جداً بالنسبة للممثل المسرحي. واتخذت كل المدارس المسرحية في العالم تقريبًا نظريته منهجًا دراسيًا لطلابها في مادة التمثيل. وكانت نظرياته ومبادئه شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزءًا كبيرًا منها تجريبيًا.
علينا أن ننتبه أن المنهج لدى ستانسلافسكي يمثل إنجاز المعايشة الإبداعية التي تخلق الامتزاج بين الحياة والفن، وهي من علامات النظام الإبداعي والانعكاس الذي تتركه الحياة على الإنسان. وعليها فإن عمل الممثل مع نفسه (المعايشة الفنية) هي للتفريق بين "الفن المصطنع" وبين "الفن الحياة" الى الجانب النفسي الداخلي لعملية الإبداع، واستنتجها من خلال التمهيد باتجاه التكنيك الإبداعي، وهو ابتكار توصل إليه في الممثل.
لقد تعامل مع السينما باعتبارها فناً متكاملاً فيه كل العناصر المكونة للعرض في وحدة فنية وأسلوبية توحد التفكير المبدع لكل الممثلين السينمائيين بقيادة المخرج. كما قدم منهجه إجابة عن الأسئلة الأخلاقية لعمل الممثل كواحدة من أهم الإشكاليات في المسرح والسينما التي نظمت جوهر المنهج للوصول إلى الهدف الأعلى للعمل السينمائي، أي الغرض الذي كتب الكاتب من أجله نصه، من ثم فإن كل ما يدور في الفيلم أو المسرحية من أحداث وكل أفكارها الإبداعية المنفردة وأيضاً أعمال المؤلف الأخرى تسعى إلى تحقيق هذا الهدف الأعلى.
وكتب في كتابه "ممثل يستعد": إن الهدف الأعلى هو بمثابة الجذر الذي تنبته أول ما تنبت بذرة الكاتب (أي ثروته الفكرية التي يثري بها العمل) وهذه البذرة هي ما يصنع مزاج العرض والشعور الانفعالي الموحد السائد فيه. ويؤكد أن المعرفة الإبداعية هي وحدها أساس نظامه وهي وحدها التي تقود إلى الصدق، وأن المعرفة الحقيقية لها هي التي تخلق الربط بين الدرس (التمثيل) والممارسة (التجسيد) في رصانة عمل الممثل، وبالتالي التزام القيم العليا في العرض المسرحي أو الفيلم السينمائي.
ويقول أيضًا: على الممثل أن يقضي حياته في العمل، وأن يكرس عقله للفن، وأن يدرب مهاراته وملكاته بانتظام، وينمي شخصيته ويطورها. وعليه ألا يشعر باليأس وألا يتخلى عن هدفه الرئيسي، متسلحاً بعشقه لفنه بكل جوارحه وقوته، وحبه الخالي من الأنانية.
استوديو الممثل ومنهجيته الصارمة
لابد من التأكيد على أن "استوديو الممثل" كما يقول (لي ستراسبيرغ)، "ليس مدرسة أو معهدًا ولا يدرّس ضمن (صفوف مدرسية) أو يعطي فرصة لغير الممثلين لتعلم التمثيل. كما أنه ليس موجودًا لمنح الممثلين المغمورين فرصة لاكتساب الشهرة أو النجومية، بل هو للممثلين المحترفين الموهوبين والمتميزين الذين حققوا إنجازات متفوقة في مجال التمثيل، لزيادة عملهم تميزا، والفلسفة الكامنة وراء وجود استوديو الممثل هي أنه مهما كان تميز العمل الذي يقدمه الممثل، فإن الممثل قادر على تقديم أفضل منه".
وأيضاً لابد من الإشارة إلى أن العضوية في استوديو الممثل تسري مدى الحياة وهي مجانية بدون مقابل. أي أن الممثل أو المخرج أو الكاتب أو المؤلف الذي يقبل في الاستوديو لا يدفع أي رسوم في أي وقت. ويطلب من كل ممثل يريد العضوية أن يجتاز اختبارين قصيرين في التمثيل، الأول بحضور أحد أعضاء الاستوديو والثاني بحضور ثلاثة أعضاء، وشرط العضوية الوحيد للممثلين هو الموهبة والخبرة السابقة في التمثيل. وعلى هذا فإن استوديو الممثل لا يقبل إلا عددا محدودا جداً من الممثلين في كل عام.
والمبدأ الأساسي الذي كانت تقوم عليه تدريبات ستراسبيرغ هو أنه لا يمكن تمثيل المشاعر، بل يجب على الممثل أن يسترجع مشاعر حقيقية ويوظفها في أدائه. يجب عليه أن يبحث في أعماقه عن الذاكرة التي ستثير فيه الشعور المناسب للدور أو الحالة التي يؤديها، ثم إذا بدأت مشاعره بالتدفق، فإن عمليه التمثيل لا تعدو كونها تشكيلا لهذا التيار من المشاعر الحقيقية. وهكذا فإن المقصود بالذاكرة هنا ليس الذاكرة الذهنية. بل الذاكرة الشعورية، أي تلك المتعلقة بالحواس الخمس. حيث كان ستراسبيرغ يحث طلابه على استرجاع الطعم أو الرائحة أو الملمس أو الصوت أو المنظر أو موقف معين مر به في حياته يرتبط عندهم بذلك الشعور الذي سيستخدمونه في التمثيل. وكان ينتهج تمارين متفاوتة ومختلفة مع كل طالب من طلابه في سبيل تمكينه من استعادة ذاكرته الشعورية، وكانت تلك أصعب وأطول مراحل التدريب.
أهمية مارلون براندو في التطبيق
في عام 1969 أنشأ ستراسبيرغ "معهد لي ستراسبيرغ للمسرح" في نيويورك، ثم في لوس أنجلوس وكان ذلك بغرض العمل على نفس نوعية التدريب التي يقدمها استديو الممثل، ولكن لشريحة أكبر من المهتمين. وفي عام 1975 قام ستراسبيرغ بالتمثيل سينمائياً لأول مرة، في الجزء الثاني من فيلم "الأب الروحي ـ العرّاب" بدور اليهودي هايمن روث. (قيل إن هذه المشاركة كانت بدعوة من تلميذه آل باتشينو وقيل إنها كانت بدعوة من المخرج فرانسيس فورد كوبولا). ومع أن الدور كان صغيراً، وستراسبيرغ كان يمثل أمام الكاميرا لأول مرة، إلا أنه ملأ الشخصية باحترافية عالية، فالمشاهد لا ينسى ذلك العجوز المنهك الذي يعرف تماماً ما يريد، فترشح عن أدائه لأوسكار أفضل ممثل مساعد، ولكن الجائزة مُنحت لتلميذه الآخر روبرت دي نيرو، وفي هذا السياق يتحتم على المتابع أن يتأكد أن عظمة فيلم الأب الروحي كانت بسبب تشرب جميع ممثليه بروح وتعليمات ومنهج استوديو الممثل.
ولكن في جانب آخر الكثير من النقاد والمؤرخين يرون أنه إذا كان الفضل في نقل ثورة التمثيل من المسرح الروسي إلى المسرح الأمريكي يعود إلى لي ستراسبيرغ، فإن الفضل في نقل هذه الثورة من المسرح الأمريكي إلى السينما الأمريكية ومن ثم الى سينمات العالم أجمع يعود إلى مارلون براندو الذي أذهل العالم بالأداء الذي قدمه في فيلمه الثاني "عربة تسمى الرغبة" سنة 1951 والذي أخرجه إيليا كازان نفسه الذي جمع فيه ممثلين من المدرستين الكلاسيكية والحديثة، مما شكل حالة ظريفة تستحق التمعن والمقارنة، إذ مثل مارلون براندو المدرسة الحديثة، وفيفيان لي القديمة، وتكرر ذات الشيء في فيلم "العملاق" حيث مثل جيمس دين المدرسة الحديثة، ومثلت إليزابيث تيلور المدرسة التقليدية.
لكن في عقد الستينات، تكثف حضور أبناء المدرسة الجديدة، وغدا واضحاً أنهم يسيطرون وأن أسلوبهم هو القياسي في التمثيل، ولم يكد يبدأ عقد السبعينات حتى اصطبغ التمثيل في هوليوود بالكامل بلونه الجديد، فتغيرت بذلك مقاييس التمثيل في العالم كله للأبد.
على أية حال هناك من يقول إن مارلون براندو هو الممثل الأعظم والأفضل في تاريخ السينما الأمريكية والعالمية، نظراً للأداء الأقوى الذي انفرد به في الـ 40 التي قدمها وخصوصا في الفترة ما بين 1950 1980، حيث يعتبر عام 1950 أول ظهور رسمي له على الشاشة الكبيرة مع المخرج المخضرم فريد زينمان ومشاركة الممثلة تريسا ريث في الفلم الحربي (الرجال) The Men والذي أخذ فيه البطولة في العام الذي يليه 1951 ثبت موقعه بقوة في أمريكا وقال كلمته في فيلم الدراما الرائع (عربة تسمى الرغبة) ( A Streetcar Named Desire ) مع الممثلة الراحلة فيفان لي وكان عدم فوزه بأوسكار أفضل ممثل صدمة كبيرة للجمهور مع هذا الأداء الخلاب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8859
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7194
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4692
| 22 سبتمبر 2026