رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من الصعب على المشاهد أن يلحظ الفرق بين الأداء القديم والأداء الحديث في فن التمثيل السينمائي، خصوصاً إذا تأمل الأفلام الأمريكية في الأربعينيات وحتى بداية الخمسينيات. فالأداء التمثيلي الحديث يتسم بواقعية وطبيعية أكثر، بينما كان الأداء الكلاسيكي القديم فاترًا وأحيانًا متكلفًا حد الجمود التام، وكان يعتمد على المبالغة الزائدة عن الحد الطبيعي، وهو مبدأ خاص بالمسرح الذي انتقل تلقائيًا للسينما.
أقنعة الأداء الكلاسيكي ومنهجية التمثيل الحديث
في التمثيل الحديث توجد سمات خاصة جدًا لدى كل ممثل يضفيها على أي دور يلعبه، ويفترض لو أن عشرة ممثلين أدوا دورًا بعينه فمن المتوقع أن يقدموه بعشر طرق مختلفة، بينما كان الأداء في السابق منسوخاً من بعضه، وكأنه أقنعة تلبس حسب نوع الشخصية، وهو المتبع في طريقة التمثيل المصرية الحديثة، غير أن تلك الأقنعة القديمة لم تكن شديدة التنوع، بل تكاد تنحصر في خمسة أنواع محددة: قناع الخير، قناع الشر، قناع المُحب، قناع المتغطرس، وقناع الفقير.
وبشكل عام، فإن الشخصيات التي تقوم بأداء حديث تبدو أكثر حقيقية ومتعددة الأبعاد، أي لها وجود مكتمل وقائم. بينما في السابق كانت الشخصيات تبدو مجرد جزء من الفيلم، تُبث فيها الحياة مع عرض أول مشهد له، وتُنزع منها الحياة مع ظهور كلمة "النهاية"، والسبب في ذلك هو أن الأداء الحديث يستفيد من جوانب الشخصية التي لا تظهر بالضرورة في النص مثل الجانب النفسي والذهني والاجتماعي والثقافي، فيكون التمثيل في هذه الحالة أشبه بتلبس حالة انسان بالكامل، وليس فقط تقليد لبعض تصرفاته ظاهريًا.
على هذا النحو، لا يمكن أن ينسب هذا التغير الذي طرأ على الأداء السينمائي في العالم إلى شخص واحد، فمن مدرسة شارلي شابلن وإن كانت لها خصوصية كبيرة إلا أنها أسست على الانتباه الى الحالة النفسية والتعبير عنها بلغة الوجه والجسد، ولكن هناك مدرب ومعلم تمثيل عرف عنه أنه خرّج دفعات من الممثلين الذين إذا تأملنا أسماءهم وجدنا أنهم يمثلون التغيير الذي طرأ في فن التمثيل ومن هؤلاء: مارلون براندو وجيمس دين، مونتجومري كليفت، ستيف مكوين، جين فوندا، وبول نيومان، جو آن ودوارد، مارلين مونرو، لي ريميك، آن بانكروفت، روبرت دينيرو، آل باتشينو، جاك نيكولسون، رود ستايجر، جيرالدين بيج، سيدني بوتييه، شيلي وينترز، جيل كليبيرج، إيفا ماري سانت، مارتن لانداو، ميكي رورك، جاك بالانس، باربرا بيل جيديس، إيلاي والاك، كيم ستانلي، ويل باتون، داستن هوفمان، سالي فيلد، جين هاكمان، وميريل ستريب. والمُعلم الذي علم هؤلاء التمثيل هو لي ستراسبيرغ.
الهنغاري الذي نقل عن ستانيسلاڤسكي
لي ستراسبيرغ Lee Strasberg ولد في هنغاريا عام 1901، ثم هاجر مع أهله إلى أمريكا وعمره ست سنوات، وفي عام 1924 مثل لأول مرة، وكان ذلك في مسرحية من إنتاج نقابة المسرح عرضت في نيويورك. بعد ذلك عمل مديرًا للمسرح لبعض إنتاجات النقابة. وفي عام 1931 شارك في تأسيس فرقة مسرحية اسمها "مسرح الجماعة"، وكانت أول من وظف أسلوب كونستانتين ستانسلافسكي في أعمالها.
وستانسلافسكي هذا مسرحي روسي كان مديرًا لمسرح موسكو للفنون وكان يقول بأن على الممثلين ألا يبالغوا في إظهار العاطفة بالأسلوب التقليدي لأعراف المسرح، بل يتعين عليهم أن يتحدثوا وأن يعبروا بحركات أيديهم بالطريقة المتبعة في حياتهم العادية، لذلك يعتبر ستانسلافسكي من أهم الشخصيات المؤثرة في المسرح الروسي بدأ منذ عام 1907 عندما وضع نظريات وأساليب وتمارين لجعل التمثيل واقعياً وطبيعياً. حيث تعرف مجموعة نظرياته بشكل عام باسم (الأسلوب).
وبذلك غير أسلوبه شكل التمثيل في روسيا قبل أي دولة أخرى. ولكن هذا التغيير ظل محصورًا في روسيا إلى أن جاء لي ستراسبيرغ وتبنى أسلوب ستانسلافسكي وفق منظوره الخاص في فرقة "مسرح الجماعة" ولاحقاً في "استوديو الممثل" الذي أسسه المخرج إيليا كازان والمخرجة والمنتجة المسرحية شيريل كروفورد والمخرج المسرحي روبرت لويس. انضم إليهم ستراسبيرغ حتى أصبح في عام 1952 مديراً له واحتفظ بذلك المنصب حتى وفاته في عام 1982.
خلال تلك السنوات كان المدرس والمدرب الرئيسي في الاستوديو، بل والمعلم الوحيد فيه على مدى سنوات عديدة. وبالطبع تعاقب عدد من الفنانين على إدارة الاستوديو بعد وفاة ستراسبيرغ، منهم الممثلة إيلين بيرستين والممثل آل باتشينو والمخرج المسرحي فرانك كورسارو.
وبالطبع فإن مساهمة استوديو الممثل آنذاك في تخريج عدد من المخرجين والكتّاب والمؤلفين المسرحيين المرموقين مثل مارك رايديل ونورمان ميلر وتنيسي وليامز وإدوارد ألبي وجيمس بالدوين، كان لها دور مهم في تكريس أسلوب ستراسبيرغ.
هنا ينبغي التنويه بأن ستراسبيرغ كان ينفذ أجندة ستانسلافسكي "وفق منظوره الخاص" لأن نظرياته ومبادئه كانت شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزء كبير منها تجريبياً، بينما تركزت تدريبات ستراسبيرغ لطلابه على نظرية واحدة تقريبًا، تعرف بنظرية التمثيل المنهجي أو الحي (Method Acting) وهي طريقة تمثيل متعلقة بما يسمى بـ(الذاكرة الشعورية) و(التقمص) لتحقيق (الإلهام الإبداعي) بدلا من تحديد مسبق لأثر الأداء، وذلك في محاولة لتحقيق (الأداء الكامل) والمعايشة الكاملة.
مدرسة الحرفية الداخلية (المعايشة)
على هذا الأساس يعتبر ستانسلافسكي أول من قنن عمل الممثل ووضع له النهج الأول كي يسير عليه، وأصبحت طريقته التي طرحها في كتابه "ممثل يستعد" وكتب أخرى مهمة جداً بالنسبة للممثل المسرحي. واتخذت كل المدارس المسرحية في العالم تقريبًا نظريته منهجًا دراسيًا لطلابها في مادة التمثيل. وكانت نظرياته ومبادئه شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزءًا كبيرًا منها تجريبيًا.
علينا أن ننتبه أن المنهج لدى ستانسلافسكي يمثل إنجاز المعايشة الإبداعية التي تخلق الامتزاج بين الحياة والفن، وهي من علامات النظام الإبداعي والانعكاس الذي تتركه الحياة على الإنسان. وعليها فإن عمل الممثل مع نفسه (المعايشة الفنية) هي للتفريق بين "الفن المصطنع" وبين "الفن الحياة" الى الجانب النفسي الداخلي لعملية الإبداع، واستنتجها من خلال التمهيد باتجاه التكنيك الإبداعي، وهو ابتكار توصل إليه في الممثل.
لقد تعامل مع السينما باعتبارها فناً متكاملاً فيه كل العناصر المكونة للعرض في وحدة فنية وأسلوبية توحد التفكير المبدع لكل الممثلين السينمائيين بقيادة المخرج. كما قدم منهجه إجابة عن الأسئلة الأخلاقية لعمل الممثل كواحدة من أهم الإشكاليات في المسرح والسينما التي نظمت جوهر المنهج للوصول إلى الهدف الأعلى للعمل السينمائي، أي الغرض الذي كتب الكاتب من أجله نصه، من ثم فإن كل ما يدور في الفيلم أو المسرحية من أحداث وكل أفكارها الإبداعية المنفردة وأيضاً أعمال المؤلف الأخرى تسعى إلى تحقيق هذا الهدف الأعلى.
وكتب في كتابه "ممثل يستعد": إن الهدف الأعلى هو بمثابة الجذر الذي تنبته أول ما تنبت بذرة الكاتب (أي ثروته الفكرية التي يثري بها العمل) وهذه البذرة هي ما يصنع مزاج العرض والشعور الانفعالي الموحد السائد فيه. ويؤكد أن المعرفة الإبداعية هي وحدها أساس نظامه وهي وحدها التي تقود إلى الصدق، وأن المعرفة الحقيقية لها هي التي تخلق الربط بين الدرس (التمثيل) والممارسة (التجسيد) في رصانة عمل الممثل، وبالتالي التزام القيم العليا في العرض المسرحي أو الفيلم السينمائي.
ويقول أيضًا: على الممثل أن يقضي حياته في العمل، وأن يكرس عقله للفن، وأن يدرب مهاراته وملكاته بانتظام، وينمي شخصيته ويطورها. وعليه ألا يشعر باليأس وألا يتخلى عن هدفه الرئيسي، متسلحاً بعشقه لفنه بكل جوارحه وقوته، وحبه الخالي من الأنانية.
استوديو الممثل ومنهجيته الصارمة
لابد من التأكيد على أن "استوديو الممثل" كما يقول (لي ستراسبيرغ)، "ليس مدرسة أو معهدًا ولا يدرّس ضمن (صفوف مدرسية) أو يعطي فرصة لغير الممثلين لتعلم التمثيل. كما أنه ليس موجودًا لمنح الممثلين المغمورين فرصة لاكتساب الشهرة أو النجومية، بل هو للممثلين المحترفين الموهوبين والمتميزين الذين حققوا إنجازات متفوقة في مجال التمثيل، لزيادة عملهم تميزا، والفلسفة الكامنة وراء وجود استوديو الممثل هي أنه مهما كان تميز العمل الذي يقدمه الممثل، فإن الممثل قادر على تقديم أفضل منه".
وأيضاً لابد من الإشارة إلى أن العضوية في استوديو الممثل تسري مدى الحياة وهي مجانية بدون مقابل. أي أن الممثل أو المخرج أو الكاتب أو المؤلف الذي يقبل في الاستوديو لا يدفع أي رسوم في أي وقت. ويطلب من كل ممثل يريد العضوية أن يجتاز اختبارين قصيرين في التمثيل، الأول بحضور أحد أعضاء الاستوديو والثاني بحضور ثلاثة أعضاء، وشرط العضوية الوحيد للممثلين هو الموهبة والخبرة السابقة في التمثيل. وعلى هذا فإن استوديو الممثل لا يقبل إلا عددا محدودا جداً من الممثلين في كل عام.
والمبدأ الأساسي الذي كانت تقوم عليه تدريبات ستراسبيرغ هو أنه لا يمكن تمثيل المشاعر، بل يجب على الممثل أن يسترجع مشاعر حقيقية ويوظفها في أدائه. يجب عليه أن يبحث في أعماقه عن الذاكرة التي ستثير فيه الشعور المناسب للدور أو الحالة التي يؤديها، ثم إذا بدأت مشاعره بالتدفق، فإن عمليه التمثيل لا تعدو كونها تشكيلا لهذا التيار من المشاعر الحقيقية. وهكذا فإن المقصود بالذاكرة هنا ليس الذاكرة الذهنية. بل الذاكرة الشعورية، أي تلك المتعلقة بالحواس الخمس. حيث كان ستراسبيرغ يحث طلابه على استرجاع الطعم أو الرائحة أو الملمس أو الصوت أو المنظر أو موقف معين مر به في حياته يرتبط عندهم بذلك الشعور الذي سيستخدمونه في التمثيل. وكان ينتهج تمارين متفاوتة ومختلفة مع كل طالب من طلابه في سبيل تمكينه من استعادة ذاكرته الشعورية، وكانت تلك أصعب وأطول مراحل التدريب.
أهمية مارلون براندو في التطبيق
في عام 1969 أنشأ ستراسبيرغ "معهد لي ستراسبيرغ للمسرح" في نيويورك، ثم في لوس أنجلوس وكان ذلك بغرض العمل على نفس نوعية التدريب التي يقدمها استديو الممثل، ولكن لشريحة أكبر من المهتمين. وفي عام 1975 قام ستراسبيرغ بالتمثيل سينمائياً لأول مرة، في الجزء الثاني من فيلم "الأب الروحي ـ العرّاب" بدور اليهودي هايمن روث. (قيل إن هذه المشاركة كانت بدعوة من تلميذه آل باتشينو وقيل إنها كانت بدعوة من المخرج فرانسيس فورد كوبولا). ومع أن الدور كان صغيراً، وستراسبيرغ كان يمثل أمام الكاميرا لأول مرة، إلا أنه ملأ الشخصية باحترافية عالية، فالمشاهد لا ينسى ذلك العجوز المنهك الذي يعرف تماماً ما يريد، فترشح عن أدائه لأوسكار أفضل ممثل مساعد، ولكن الجائزة مُنحت لتلميذه الآخر روبرت دي نيرو، وفي هذا السياق يتحتم على المتابع أن يتأكد أن عظمة فيلم الأب الروحي كانت بسبب تشرب جميع ممثليه بروح وتعليمات ومنهج استوديو الممثل.
ولكن في جانب آخر الكثير من النقاد والمؤرخين يرون أنه إذا كان الفضل في نقل ثورة التمثيل من المسرح الروسي إلى المسرح الأمريكي يعود إلى لي ستراسبيرغ، فإن الفضل في نقل هذه الثورة من المسرح الأمريكي إلى السينما الأمريكية ومن ثم الى سينمات العالم أجمع يعود إلى مارلون براندو الذي أذهل العالم بالأداء الذي قدمه في فيلمه الثاني "عربة تسمى الرغبة" سنة 1951 والذي أخرجه إيليا كازان نفسه الذي جمع فيه ممثلين من المدرستين الكلاسيكية والحديثة، مما شكل حالة ظريفة تستحق التمعن والمقارنة، إذ مثل مارلون براندو المدرسة الحديثة، وفيفيان لي القديمة، وتكرر ذات الشيء في فيلم "العملاق" حيث مثل جيمس دين المدرسة الحديثة، ومثلت إليزابيث تيلور المدرسة التقليدية.
لكن في عقد الستينات، تكثف حضور أبناء المدرسة الجديدة، وغدا واضحاً أنهم يسيطرون وأن أسلوبهم هو القياسي في التمثيل، ولم يكد يبدأ عقد السبعينات حتى اصطبغ التمثيل في هوليوود بالكامل بلونه الجديد، فتغيرت بذلك مقاييس التمثيل في العالم كله للأبد.
على أية حال هناك من يقول إن مارلون براندو هو الممثل الأعظم والأفضل في تاريخ السينما الأمريكية والعالمية، نظراً للأداء الأقوى الذي انفرد به في الـ 40 التي قدمها وخصوصا في الفترة ما بين 1950 1980، حيث يعتبر عام 1950 أول ظهور رسمي له على الشاشة الكبيرة مع المخرج المخضرم فريد زينمان ومشاركة الممثلة تريسا ريث في الفلم الحربي (الرجال) The Men والذي أخذ فيه البطولة في العام الذي يليه 1951 ثبت موقعه بقوة في أمريكا وقال كلمته في فيلم الدراما الرائع (عربة تسمى الرغبة) ( A Streetcar Named Desire ) مع الممثلة الراحلة فيفان لي وكان عدم فوزه بأوسكار أفضل ممثل صدمة كبيرة للجمهور مع هذا الأداء الخلاب.
الفريج القطري
تعد الأحياء السكنية في قطر (الفرجان) رمزاً للهدوء والخصوصية، حيث تمتاز المناطق التي تقطنها العائلات القطرية والمقيمون القدامى... اقرأ المزيد
96
| 03 أغسطس 2026
عندما يغادر الأعزاء .. لا يغادرون تمامًا
هناك أوجاع لا تُسمع، لأنها لا تخرج على هيئة صراخ، بل تعيش في التفاصيل الصغيرة. في المقعد الذي... اقرأ المزيد
159
| 03 أغسطس 2026
تنسيق ومشاورات مكثفة لدعم الحلول السلمية
انطلاقا من موقف دولة قطر الداعم لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
120
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12531
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
1983
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1878
| 29 يوليو 2026