رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد اللطيف نجم

مساحة إعلانية

مقالات

267

عبد اللطيف نجم

حين تعترف الخوارزمية بأنها تُهندسنا

22 سبتمبر 2026 , 12:00ص

لعقود طويلة، كان السؤال الرئيس الذي يسبق أي مخطط حملة إعلانية أو سياسية يتمحور حول: من هو الجمهور المستهدف؟ عمره، واهتماماته، والمنطقة التي يقطنها، وغيرها. وهو سؤال كان يَفترض أن الجمهور موجود سلفاً في مكان ما، وأن المهمة الوحيدة تتمثل في إيجاده والوصول إليه. لكن المفارقة الأبرز اليوم أنّ هذا السؤال، الذي حكم صناعة الإعلام والإعلان والاتصال لعقود طويلة، لم يعد يوصف بأنه السؤال الصحيح، بل بات ينظر إليه على أنه سؤال قديم انتهت صلاحيته، ليحل عوضاً عنه سؤال مختلف من حيث الجوهر، سؤال لا يبحث عن الجمهور، بل يصنعه، وهو: كيف نُهندس هذا الجمهور؟

ليس هذا تعبيراً مجازياً استدعيه من أطروحتي الأكاديمية لأزيّن به مقالاً صحفياً، بقدر كونه مصطلحا تقنيا بات معتمداً رسمياً في أدبيات التسويق الرقمي لعام 2026؛ إذ وثقت تقارير متخصصة أن الاستهداف اليدوي التقليدي، القائم على اختيار فئة عمرية أو اهتمام محدد، انتهى فعلياً، وحل مكانه ما تطلق عليه هذه الأدبيات وتصفه صراحة بـ"هندسة الجمهور"، إذ لم يعد من دور المُعلن أن يختار الجمهور الذي يصل إليه، وإنّما العمل على تغذية الخوارزمية بإشارات دقيقة تبني الجمهور من تلقاء نفسها من الداخل.

ويكفي لإدراك حجم هذا التحول، أن نستعرض بعض أرقامه الموثقة: فقد أطلقت شركة ميتا نظاماً يحمل اسم "أندروميدا"، تصفه هندسته الداخلية بأنه يمتلك سعة نموذجية تفوق سابقه بعشرة آلاف ضعف، بينما أعلنت الشركة نفسها مطلع 2026 أنها ضاعفت عدد المعالجات المخصصة لتدريب نظام آخر يحمل اسم "جيم"، محققة زيادة 3.5 % في معدل النقر على إعلانات فيسبوك. وعند الحديث عن إنستجرام، فقد حقق "نموذج ترتيب التكيّف" زيادة 3 % في التحويلات و5 % في نسبة النقر، بحجم نموذج يقترب من تريليون معامل حسابي، بينما يَعِدُ معيار جديد يحمل اسم "الاستهداف المعزز بالجمهور" بزيادة في الوصول قد تبلغ 119 %.

قد يبدو ذلك كله للوهلة الأولى شأناً تقنياً بحتاً يخص صناعة الإعلان فقط، ولا يستحق وقفة تأمل أبعد من ذلك؛ غير أنّ الآلية التي تُستخدم اليوم لبيع حذاء رياضي أو تطبيق هاتف، هي الآلية ذاتها القادرة على تشكيل أي موقف سياسي أو اجتماعي أو حتى هوية فكرية كاملة، دون أي فارق جوهري في بنيتها التقنية؛ فالخوارزمية لا تملك حساً أخلاقياً يميّز بين "هندسة" جمهور من المستهلكين المحتملين وآخر من الناخبين أو المتابعين لقضية عامة؛ فالفارق الوحيد بين الحالتين يتمثل في نوايا من يعمل على تشغيل الأداة، لا في طبيعة الأداة نفسها.

ولعل ما يمنح هذا التحول عمقاً أكبر من كونه مجرد خبر تقني، أن أوساطاً أكاديمية مستقلة عن صناعة الإعلان توصلت في الفترة نفسها تقريباً إلى استنتاج مشابه لكنه من زاوية بحثية بحتة؛ فقد خلصت دراسة نُشرت عام 2025 في إحدى الدوريات المتخصصة في الإعلام الجماهيري، وبعد تحليل نقدي لأدبيات سابقة، إلى أن ما تسميه "الجمهور الخوارزمي" ليس متلقياً سلبياً محضاً كما افترضت النظريات القديمة، وهو ليس فاعلاً مستقلاً تماماً كما تحب المنصات أن تصوّر مستخدميها، بل هو كيان هجين ينتج عن ثلاثة عوامل متشابكة: الطريقة التي يعرض بها المستخدم نفسه، ومنطق المنصة التقني، والمراقبة التجارية الكامنة خلف كل تفاعل.

وهكذا، حين يلتقي هذا الاستنتاج الأكاديمي المستقل مع اعتراف الصناعة نفسها بأنها ما عادت "تستجيب" وإنّما "تُهندس"، يصبح الاستمرار في تصديق الذريعة القديمة التي طالما رددتها هذه المنصات: أنها مجرد أدوات محايدة تعكس ما يريده المستخدم فقط مسألة بالغة الصعوبة.

ولعل هذا بالضبط ما يستحق التوقف عنده طويلاً؛ فحين تتخلى صناعة بأكملها عن ادعاء الحياد الذي دافعت عنه لسنوات، وتعترف صراحة بأنها تصمم الجمهور بدل الاكتفاء بمخاطبته، فإن أثر انهيار هذه الذريعة لا يقتصر على عالم الإعلانات التجارية فقط، بل يفتح الباب واسعاً أمام سؤال أكبر عن المساحات الأخرى التي تحكمها الخوارزميات ذاتها.

فإذا كانت صناعة الإعلان تفخر اليوم وبصورة علنية بأنها تُهندس من يشتري منتجاً، فمن يضمن أن هذه الهندسة نفسها، بأدواتها ودقتها المتصاعدة، لا تُستخدم في الخفاء لتشكيل من يصوّت، ومن يقتنع، ومن يكوّن رأيه في أخطر قضايا عصره؟

مساحة إعلانية