رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

591

د. قيس عبد العزيز الدوري

هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟

22 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم بلغة فحسب، بل يتوقف أمام قضية إنسانية تمس ملايين البشر؛ إنها قضية الصم وحقهم في التواصل والتعليم والعمل والمشاركة الكاملة في المجتمع.

وقد أعلنت الأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر اليوم الدولي للغات الإشارة، فيما تمتد هذا العام فعاليات الأسبوع الدولي للصم من 21 إلى 27 سبتمبر 2026، تحت شعار يتعلق بإعلان حقوق الصم وتحويلها إلى واقع. ويكتسب عام 2026 أهمية خاصة مع مرور 75 عامًا على تأسيس الاتحاد العالمي للصم، و20 عامًا على اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كيف نحتفل بالصم؟

بل: ماذا قدمنا لهم؟ وماذا يمكن أن نقدم لهم؟

تقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 1.5 مليار إنسان يعيشون حاليًا مع درجة من فقدان السمع، وإن نحو 430 مليون شخص يحتاجون إلى خدمات إعادة تأهيل بسبب فقدان السمع المسبب للإعاقة، بينهم نحو 34 مليون طفل. وتتوقع المنظمة أن يتجاوز عدد من يحتاجون إلى إعادة التأهيل 700 مليون شخص بحلول عام 2050. كما يعيش نحو 80% من الأشخاص ذوي فقدان السمع المسبب للإعاقة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

وهذا يعني أن القضية ليست قضية فئة صغيرة أو هامشية، وإنما قضية عالمية، وأن الدول النامية والعربية أمام مسؤولية كبيرة في تطوير وسائل التواصل والتعليم والدمج.

والأهم أن لغة الإشارة ليست لغة واحدة في العالم؛ فالاتحاد العالمي للصم يشير إلى وجود أكثر من 200 لغة إشارة وطنية، وهي لغات طبيعية لها تراكيبها وخصائصها، ولذلك فإن المطلوب ليس إلغاء هذه اللغات، وإنما التفكير في جسر عالمي للتواصل بينها.

من هنا جاءت فكرتي التي عملت عليها منذ فترة، والتي تقوم على وضع قواعد وأسس لمنظومة عالمية تساعد على تقريب التواصل بين الصم من مختلف البلدان، مع الحفاظ على اللغات الوطنية والمحلية.

وقد أعددت دراسة في هذا المجال، وتقدمت بها إلى جهات متعددة، وطرحت من خلالها تصورًا يتجاوز مجرد الحديث عن المشكلة إلى محاولة تقديم حل قابل للدراسة والتطوير والتطبيق.

لكنني، حتى الآن، لم أتلقَّ ردًا من الجهات التي تقدمت إليها.

ومع ذلك، لم أتخلَّ عن الفكرة؛ لأن بعض المشاريع الإنسانية تحتاج إلى من يؤمن بها قبل أن تجد المؤسسة التي تتبناها.

والتصور الذي أطرحه لا يقتصر على الصم وحدهم، بل يشمل المجتمع كله، من خلال نشر ثقافة تعلم أساسيات لغة الإشارة بين الأصحاء، خصوصًا في القطاعات التي تتعامل يوميًا مع الجمهور.

لماذا لا يتعلم الأصحاء لغة الإشارة؟

تصوروا طبيبًا يستطيع التواصل مباشرة مع مريض أصم في حالة طارئة.

وتصوروا رجل أمن يستطيع فهم شخص أصم في موقع حادث.

..ومعلمًا يستطيع التواصل مع طالب أصم.

..وموظفًا يستطيع إنهاء معاملة مواطن أصم دون أن يحتاج إلى وسيط.

..وأسرة تستطيع أن تتواصل بصورة أفضل مع أحد أفرادها.

هنا لا تعود لغة الإشارة مجرد وسيلة للتواصل، بل تصبح أداة للوقاية، والعلاج، والتعليم، والأمن، والعمل، والاندماج الاجتماعي.

ولهذا تضمنت دراستي مقترحًا لتعليم أساسيات التواصل بلغة الإشارة للأصحاء من خلال برنامج مكثف لمدة شهر واحد، يكون مدخلًا عمليًا للتواصل، مع إمكانية الانتقال بعد ذلك إلى مستويات أكثر تخصصًا.

إن تعليم الملايين من أفراد المجتمع أساسيات التواصل مع الصم يمكن أن يحقق مردودًا نفسيًا واجتماعيًا وتعليميًا واقتصاديًا وأمنيًا وإنسانيًا واسعًا.

الأمم المتحدة… من الدعم إلى احتضان الأفكار

لقد قطعت الأمم المتحدة شوطًا مهمًا في الاعتراف بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأصبحت لغات الإشارة وحقوق الصم جزءًا من منظومة حقوق الإنسان الدولية.

لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى ابتكار الأدوات التي تجعل هذه الحقوق واقعًا يوميًا.

ومنظمة الصحة العالمية نفسها تؤكد أن عدم معالجة فقدان السمع يفرض تكلفة عالمية تقارب تريليون دولار سنويًا، بينما تشير إلى أن الاستثمار في خدمات السمع يمكن أن يحقق عائدًا يقارب 16 دولارًا مقابل كل دولار مستثمر خلال عشر سنوات.

وهنا أوجه دعوتي إلى الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والدول العربية، والجهات المانحة، والجامعات ومراكز البحث: افتحوا الباب أمام الأفكار الجديدة.

فربما يكون بين أيدي الباحثين اليوم مشروع يستطيع أن يغير حياة الملايين غدًا.

ولماذا لا تبدأ من قطر؟

أعتقد أن دولة قطر تمتلك من الإمكانات والبنية المؤسسية والانفتاح الدولي ما يؤهلها لاحتضان تجربة رائدة في هذا المجال، تبدأ بمؤتمر دولي، ثم لجنة علمية تضم خبراء الصم ولغات الإشارة واللغويات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب ممثلين حقيقيين عن مجتمعات الصم.

ويمكن أن تكون الدوحة نقطة انطلاق لمشروع عربي ثم عالمي:

منظومة للتواصل بين لغات الإشارة، وبرنامج لتعليم أساسياتها للأصحاء، ومنصة عالمية لنشر الوعي وتبادل المعرفة والخبرات.

وأنا، من جانبي، مستعد لوضع الدراسة والتصور والقواعد التي أعددتها تحت تصرف أي جهة جادة تتبنى المشروع، والمشاركة في تطويره وتحويله من فكرة ودراسة إلى برنامج عملي قابل للتجربة والتقييم والتوسع.

فأنا لا أبحث عن تكريم لفكرة، وإنما عن فرصة لأن ترى الفكرة النور.

ولا أبحث عن أن يُنسب المشروع إلى شخص، وإنما أتمنى أن يُنسب نجاحه إلى الإنسانية.

في اليوم الدولي للغات الإشارة رسالتي اليوم إلى كل من يستطيع أن يصنع قرارًا أو يمول مشروعًا أو يفتح بابًا:

لا تجعلوا هذا اليوم ينتهي بانتهاء الاحتفال. اجعلوه بداية لمشروع.

مشروع يجعل الصم أكثر قدرة على التواصل، ويجعل الأصحاء أكثر قدرة على فهمهم، ويجعل المؤسسات أكثر استعدادًا لخدمتهم، ويجعل التكنولوجيا في خدمة أيديهم التي تتحدث.

وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه في هذا اليوم:

إذا كانت الأيدي قادرة على الكلام… فهل نحن مستعدون لأن نتعلم كيف نصغي إليها؟

إنها دعوة إلى الأمم المتحدة، وإلى دولة قطر، وإلى الدول العربية، وإلى كل أصحاب الخير والقرار:

لنحوّل لغة الإشارة من قضية تحتاج إلى التعاطف، إلى مشروع عالمي يستحق الاستثمار.

مساحة إعلانية