رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم بلغة فحسب، بل يتوقف أمام قضية إنسانية تمس ملايين البشر؛ إنها قضية الصم وحقهم في التواصل والتعليم والعمل والمشاركة الكاملة في المجتمع.
وقد أعلنت الأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر اليوم الدولي للغات الإشارة، فيما تمتد هذا العام فعاليات الأسبوع الدولي للصم من 21 إلى 27 سبتمبر 2026، تحت شعار يتعلق بإعلان حقوق الصم وتحويلها إلى واقع. ويكتسب عام 2026 أهمية خاصة مع مرور 75 عامًا على تأسيس الاتحاد العالمي للصم، و20 عامًا على اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كيف نحتفل بالصم؟
بل: ماذا قدمنا لهم؟ وماذا يمكن أن نقدم لهم؟
تقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 1.5 مليار إنسان يعيشون حاليًا مع درجة من فقدان السمع، وإن نحو 430 مليون شخص يحتاجون إلى خدمات إعادة تأهيل بسبب فقدان السمع المسبب للإعاقة، بينهم نحو 34 مليون طفل. وتتوقع المنظمة أن يتجاوز عدد من يحتاجون إلى إعادة التأهيل 700 مليون شخص بحلول عام 2050. كما يعيش نحو 80% من الأشخاص ذوي فقدان السمع المسبب للإعاقة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
وهذا يعني أن القضية ليست قضية فئة صغيرة أو هامشية، وإنما قضية عالمية، وأن الدول النامية والعربية أمام مسؤولية كبيرة في تطوير وسائل التواصل والتعليم والدمج.
والأهم أن لغة الإشارة ليست لغة واحدة في العالم؛ فالاتحاد العالمي للصم يشير إلى وجود أكثر من 200 لغة إشارة وطنية، وهي لغات طبيعية لها تراكيبها وخصائصها، ولذلك فإن المطلوب ليس إلغاء هذه اللغات، وإنما التفكير في جسر عالمي للتواصل بينها.
من هنا جاءت فكرتي التي عملت عليها منذ فترة، والتي تقوم على وضع قواعد وأسس لمنظومة عالمية تساعد على تقريب التواصل بين الصم من مختلف البلدان، مع الحفاظ على اللغات الوطنية والمحلية.
وقد أعددت دراسة في هذا المجال، وتقدمت بها إلى جهات متعددة، وطرحت من خلالها تصورًا يتجاوز مجرد الحديث عن المشكلة إلى محاولة تقديم حل قابل للدراسة والتطوير والتطبيق.
لكنني، حتى الآن، لم أتلقَّ ردًا من الجهات التي تقدمت إليها.
ومع ذلك، لم أتخلَّ عن الفكرة؛ لأن بعض المشاريع الإنسانية تحتاج إلى من يؤمن بها قبل أن تجد المؤسسة التي تتبناها.
والتصور الذي أطرحه لا يقتصر على الصم وحدهم، بل يشمل المجتمع كله، من خلال نشر ثقافة تعلم أساسيات لغة الإشارة بين الأصحاء، خصوصًا في القطاعات التي تتعامل يوميًا مع الجمهور.
لماذا لا يتعلم الأصحاء لغة الإشارة؟
تصوروا طبيبًا يستطيع التواصل مباشرة مع مريض أصم في حالة طارئة.
وتصوروا رجل أمن يستطيع فهم شخص أصم في موقع حادث.
..ومعلمًا يستطيع التواصل مع طالب أصم.
..وموظفًا يستطيع إنهاء معاملة مواطن أصم دون أن يحتاج إلى وسيط.
..وأسرة تستطيع أن تتواصل بصورة أفضل مع أحد أفرادها.
هنا لا تعود لغة الإشارة مجرد وسيلة للتواصل، بل تصبح أداة للوقاية، والعلاج، والتعليم، والأمن، والعمل، والاندماج الاجتماعي.
ولهذا تضمنت دراستي مقترحًا لتعليم أساسيات التواصل بلغة الإشارة للأصحاء من خلال برنامج مكثف لمدة شهر واحد، يكون مدخلًا عمليًا للتواصل، مع إمكانية الانتقال بعد ذلك إلى مستويات أكثر تخصصًا.
إن تعليم الملايين من أفراد المجتمع أساسيات التواصل مع الصم يمكن أن يحقق مردودًا نفسيًا واجتماعيًا وتعليميًا واقتصاديًا وأمنيًا وإنسانيًا واسعًا.
الأمم المتحدة… من الدعم إلى احتضان الأفكار
لقد قطعت الأمم المتحدة شوطًا مهمًا في الاعتراف بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأصبحت لغات الإشارة وحقوق الصم جزءًا من منظومة حقوق الإنسان الدولية.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى ابتكار الأدوات التي تجعل هذه الحقوق واقعًا يوميًا.
ومنظمة الصحة العالمية نفسها تؤكد أن عدم معالجة فقدان السمع يفرض تكلفة عالمية تقارب تريليون دولار سنويًا، بينما تشير إلى أن الاستثمار في خدمات السمع يمكن أن يحقق عائدًا يقارب 16 دولارًا مقابل كل دولار مستثمر خلال عشر سنوات.
وهنا أوجه دعوتي إلى الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والدول العربية، والجهات المانحة، والجامعات ومراكز البحث: افتحوا الباب أمام الأفكار الجديدة.
فربما يكون بين أيدي الباحثين اليوم مشروع يستطيع أن يغير حياة الملايين غدًا.
ولماذا لا تبدأ من قطر؟
أعتقد أن دولة قطر تمتلك من الإمكانات والبنية المؤسسية والانفتاح الدولي ما يؤهلها لاحتضان تجربة رائدة في هذا المجال، تبدأ بمؤتمر دولي، ثم لجنة علمية تضم خبراء الصم ولغات الإشارة واللغويات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب ممثلين حقيقيين عن مجتمعات الصم.
ويمكن أن تكون الدوحة نقطة انطلاق لمشروع عربي ثم عالمي:
منظومة للتواصل بين لغات الإشارة، وبرنامج لتعليم أساسياتها للأصحاء، ومنصة عالمية لنشر الوعي وتبادل المعرفة والخبرات.
وأنا، من جانبي، مستعد لوضع الدراسة والتصور والقواعد التي أعددتها تحت تصرف أي جهة جادة تتبنى المشروع، والمشاركة في تطويره وتحويله من فكرة ودراسة إلى برنامج عملي قابل للتجربة والتقييم والتوسع.
فأنا لا أبحث عن تكريم لفكرة، وإنما عن فرصة لأن ترى الفكرة النور.
ولا أبحث عن أن يُنسب المشروع إلى شخص، وإنما أتمنى أن يُنسب نجاحه إلى الإنسانية.
في اليوم الدولي للغات الإشارة رسالتي اليوم إلى كل من يستطيع أن يصنع قرارًا أو يمول مشروعًا أو يفتح بابًا:
لا تجعلوا هذا اليوم ينتهي بانتهاء الاحتفال. اجعلوه بداية لمشروع.
مشروع يجعل الصم أكثر قدرة على التواصل، ويجعل الأصحاء أكثر قدرة على فهمهم، ويجعل المؤسسات أكثر استعدادًا لخدمتهم، ويجعل التكنولوجيا في خدمة أيديهم التي تتحدث.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه في هذا اليوم:
إذا كانت الأيدي قادرة على الكلام… فهل نحن مستعدون لأن نتعلم كيف نصغي إليها؟
إنها دعوة إلى الأمم المتحدة، وإلى دولة قطر، وإلى الدول العربية، وإلى كل أصحاب الخير والقرار:
لنحوّل لغة الإشارة من قضية تحتاج إلى التعاطف، إلى مشروع عالمي يستحق الاستثمار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
582
| 12 أكتوبر 2026