رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرة أخرى يضرب الإرهابيون وطننا في القلب بجريمة وحشية استهدفت شبابا من جيشنا الوطني الجمهوري الباسل الحارسين لحدودنا والحماة لأمن إخوانهم الأبرياء في جبل الشعانبي فارتكب المجرمون مذبحة لم نعرف وحشيتها من ذي قبل وقتلوا ثمانية من أبنائنا في كمين غادر أرادوا به أن يروعونا جميعا ويحولوا الفضاء السياسي إلى فضاء دموي وذلك بعد أن اغتيل شهداء من بين خيرة زعماء الرأي في تونس أمثال لطفي نقض وشكري بلعيد والحاج محمد البراهمي.
هؤلاء الذين يروعون الشوارع الآمنة ويزرعون الحقد ويدمرون العمران ويبيدون الحضارة ويفوتون على بلادنا فرصة السلام والتقدم والحريات. مرة أخرى يرتكبون جريمة جبانة لا ضد الأبرياء الضحايا أو ضد شعبهم فقط، بل ضد المسلمين أينما كانوا وضد الإسلام ومجده وتاريخه وشعوبه ومصالحه، هذا إذا أثبتت الأبحاث أن القتلة ينتمون إلى تيارات دينية متطرفة وليس من المستبعد أن تتحرك قوى خفية من جهات مشبوهة لبث الرعب تحت ستار التطرف الإسلامي إمعانا في الفتنة وفي عملية إخفاء المجرمين الحقيقيين عن المحاسبة والانكشاف.
لكن مهما كان القتلة وكان محركوهم أو المستفيدون من جرائمهم فإنهم يقدمون للعالم تبريرات لإلغائنا بعد الربيع العربي من فلك التقدم والديمقراطية والعدالة بدعوى أن الإسلام والإرهاب شقيقان وأن العنف والعرب شيء واحد ! والأخطر الإيحاء بأن العرب غير مؤهلين لنظام ديمقراطي حداثي سليم وهو ما يتيح للقوى الاستخرابية الجديدة النادمة على التفريط في مواقع أقدامها في بلادنا العودة بأشكال مبتكرة ومتطورة لإعادة استخرابنا ونهب ثرواتنا وفرض ثقافتها ولغتها علينا. إن الأيدي الخفية كثيرة وأصحاب المصالح المشبوهة لا يرضون لنا جميعا لا حرية القرار ولا سيادة الخيار ولا سلام الإخوة الأحرار.
ما الذي يبرر قتل جنود من خيرة شباب تونس بطريقة أبشع مما يتخيل عقل أو يتصور فكر بعد أن خرجوا في ظلام الليل وسط الأحراش يؤدون واجب الوطن وهم من أبناء الشعب العاديين لا يمكن تصنيفهم ضمن معتدين أو غاصبين، بل لعل أغلبهم ممن ينتقدون حكوماتهم أو يعارضون سياساتها أو حتى يتظاهرون ضدها في مجتمعاتهم الحرة ! وعلى كل فهؤلاء الشهداء الأبرار هم إما آباء لأطفال صغار يتمتهم يد الغدر أو يعدون لحفل زفافهم بعد العيد فكانت الفاجعة المروعة منذ أيام هزت الضمائر وحرمت 12 مليون تونسي من إفطار هنيء أو استقبال عيد الفطر القادم بما يستحقه من فرحة أسرية، بل قلبت هذه الجريمة النكراء موازين حياتنا السياسية وزلزلت الأرض التونسية من تحت أقدامنا. وتذكرنا أن الأمم يبتليها الله سبحانه كما يبتلي الأفراد، بل إن رسولنا الكريم وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم كاد ييأس من النصر في إحدى الغزوات لكثرة المشركين فنزلت الآية 214 من سورة البقرة قوله تعالى:
"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب".
فقد صور القرآن هنا بشكل رباني ساحر وعجيب حالة المجاهدين وراء رسول الله ينشرون الدين الحنيف ويرفعون رايته فوصف بلوى هؤلاء الرواد الأبرار بالبأساء والضراء والزلزال ووصف موقف الرسول الأعظم بالاقتراب من اليأس حين قال: "متى نصر الله"، فجاء الجواب من رب العالمين: "ألا إن نصر الله قريب". صدق الله مولانا العظيم. إن العبرة من هذه الآية المجيدة أن الأمم تواجه منذ قرونها الأولى أعتى المحن فتصمد وتصبر وتجاهد ونتمنى أن يكون شعبنا التونسي إزاء هذه المحنة أقوى وأصلب عودا وأشد تلاحما وأكثر تمسكا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. ولهذه الرسالة السامية دعا حزب الاتحاد الوطني الحر كافة التوانسة لتأجيل خلافاتهم الدستورية والسياسية المشروعة إلى حين والالتفاف حول الوطن ونصرته والذود عنه بقلب رجل واحد وبكلمة سواء بين كل الفرقاء من أجل توافق استعجالي ينقذ البلاد من المؤامرات العديدة القديمة منها والجديدة التي تهدد أمننا ومستقبل عيالنا لا قدر الله.
ما الذي يفسر ظاهرة الإرهاب الأعمى الذي لا يفرق في جرائمه بين مذنب وبريء، فيقتل هذا أو ذاك من باب الترويع وبث الفوضى، وهو قتل النفس بغير حق واعتبره الله تعالى في القرآن كقتل الناس جميعا وهي كبيرة الكبائر!
ما الذي يدفع بشرا أسوياء إلى الفوضى وبذر الفتنة بين مواطني بلاد واحدة تعودت على التعايش وتقاسم السراء والضراء بلا طوائف وبلا ملل ولا نحل تحت شعارات فوضوية تلبس أحيانا قناع الأيديولوجيا وأحيانا قناع الدين، والدين براء مما يعملون. هؤلاء الذين زينوا لأنفسهم أو زين لهم دعاتهم بأن الجهاد هو قتل الأبرياء ليسوا إلا ضحايا مغرر بهم ولكن من أوكد واجباتنا اليوم أن نشخص هذا الداء ونرجع إلى مسؤولياتنا نحن في الفشل الذي منينا به حين انسلخنا عن قيمنا واستنسخنا تجارب الغرب في أحوالنا الشخصية وثقافتنا ومعمارنا ولغتنا. فلنعتبر أن ثورتنا الحقيقية هي حضارية أو ستفشل، أي أننا مدعوون لإعادة النظر في ما نسميه نمط الحياة حتى يكون النمط المنشود خلاصة تناصحنا ووفاقنا بدون إقصاء. هل كتب علينا أن نكون في زمن العولمة والاتصال وحوار الحضارات كأننا العدو المتربص بالإنسانية والعضو الغريب المزروع في جسد البشرية الذي يجب استئصاله! هل نرضى بأن يطردنا العالم من دائرة التاريخ ونتحول إلى أجسام كالطحالب الشريرة لا نستحق حتى اسم البشر، لأن البعض النادر من شبابنا ضل الطريق واختار الفوضى واعتنق الإرهاب ! والله سبحانه من وراء القصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
9969
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1164
| 10 فبراير 2026