رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يستدعي يوم 6 أكتوبر 1973 تفاصيل لا حصر لها جرت خلال أيام القتال، أو السنين العجاف التي سبقته، وأي فصل لليوم عما سبقه، أو تجاهل حقائق ما تلاه، هو محاولة قد ترضي البعض ولكنها تعجز عن حجب أجراس الخطر التي توقظ العقل والوجدان معا، وتفرض الإمساك بالحساب المجرد وبكل حقائقه.
الأمم الناضجة لا تخادع نفسها، ولكنها تضع كشف حساب لما كان وما فعلت وكيف وأين هي في اللحظة الراهنة مما تريد.
مثلت حرب 1967 أقصى تطور لمواجهة حركة التحرر العربي، وكان الهدف كسر الإرادة العربية وبوسيلة الحرب، ولم تكن حرب 1973 مجرد حرب لاسترداد الكرامة العربية، ولكنها تفقد قدرها وقيمتها إن غاب عن الإدراك أنها حرب استرداد الإرادة العربية وانطلاقها.
كشفت تلك الفترة مقومات الأمة وحقيقة وحدة المصير والعدو المشترك وعمق الصراع العربي الصهيوني بكل أبعادة وكون إسرائيل كيان استيطاني فوق أرض فلسطين، وأن خطره يمتد بعمق الوطن العربي كله، وانه قاعدة عسكرية وليس ارض الميعاد الدينية لليهود، وانه لا يستقيم وجودها والحركة العربية للتحرر من الاستغلال والسيطرة وبناء المستقبل العربي.
قال موشي ديان في أعقاب يونيو 67 أنه إلى جوار التليفون ينتظر من القاهرة طلب الاستسلام، ولم يحصل عليه، بل إن الشعب في مصر ومحيطها العربي رفض الاستسلام قبل أن تصمت المدافع.
لم يكن قرار حرب أكتوبر73 وليد أيام آو شهور سبقت، ولكن قرار التحرير اتخذ بالفعل يومي 9، 10 يونيو 1976 رغم أنه لم يكن هناك جيش، وكان دخان المعارك لم ينقشع بعد.
تاريخ الحروب لا تكتبه المعارك العسكرية مجردة عن واقعها، ولكن لأن الحرب إرادة مجتمع، فالتاريخ يسجل أن المجتمع بأسره كان تحت السلاح.
سيسجل التاريخ من قاوم ومن قاتل، ولا يمكن تزييفه بأي ادعاء لاحق.
وسيسجل التاريخ من كان مع الأمة ومن كان ضدها.
سيسجل الرجال والفكر والعقيدة والتدريب كما سيسجل ملحمة الإنتاج الصناعي والزراعي ووعي الأمة وصبرها، وسيرصد ماذا آخذت السنين العجاف وماذا أضافت.
الصراع العربي الصهيوني لم يستقر بعد ولن يستقر طالما أن هناك استيطان صهيوني فوق ارض فلسطين، وطالما لم تنكسر إرادة البقاء العربي، وإرادة التحرر العربي من كل صور السيطرة والاستغلال.
صمتت المدافع من حيث الشكل في المواجهة، ولكن من الجانب العربي وحده، والذي وقع فريسة أن حرب 73 هي آخر الحروب.
أعادت حرب 1973 شيئا من التوازن في المواجهة مع العدو، ولكنها لم تحل بينه وبين استخدام السلاح وقتما شاء وفي أي مكان أراده، ورأي ضرورة القتل أو الحرب ليحافظ علي ميزان التفوق لصالحة آو يدرأ خطرا يرى احتمال أن يمثل له تهديدا.
دخل الإسرائيليون بيروت ودمروا المفاعل العراقي وقتلوا أي عنصر يحتمل أنه يمثل خطر عليهم، أو يمثل معرفة علمية قد تنتج خطرا عليهم، واستخدموا حالة التردي العربي لقضم كل الأرض التي حصلوا عليها بعد 67، وفككوا الحالة الفلسطينية إلى شظايا، لتتحول من حركة تحرر إلى حالة كلام واقتتال، ونجحوا في الدخول إلى المجتمعات العربية، وفصل جنوب السودان عن شماله، بل ونجحوا في تحويل مواقف دول في العالم كانت تميل إلى الحق العربي وتناصره، ولتدفع بالمصالح لتكون أكثر فائدة من القيم والمبادئ، حتى إن هذه الدول كانت تقول وهي تغير من مواقفها، لن نكون عربا أكثر من العرب أنفسهم.
قبل أن تنطلق المدافع عام 1973 ويعبر الرجال جسر الدم على قناة السويس، كانت السياسة تحاصر النتائج، وتصل إلى كيسنجر رسالة أنها حرب تحريك، ولنصنع من كيسنجر بطلا جديدا في التاريخ الإسرائيلي بعد بن جوريون.
قال كيسنجر "لو أن السادات طلب أي شيء مقابل إخراج السوفييت من مصر لتحققت له مطالبه"، ولكن من يدفع ثمنا فيما يحصل عليه بالمجان؟ ويبقى سؤال لماذا أتيح أمام كيسنجر معلومة التحريك لا التحرير، وبالمجان أيضا؟ الحديث ليس عن خيانة ولكن الحديث عن قصور في الإرادة.
توعد كيسنجر بإقصاء البترول العربي من أي صراع ونزع قيمته كعمق اقتصادي للإرادة العربية، وأحاله إلى أرصدة مالية بالبنوك الأمريكية، وما لدى أمريكا يبقى هناك ولا سبيل لخروجه منها.
يربط البعض بين حرب 1973 وبين ثورة يناير 2011 وبين كلمة العبور، ويغيب عنهم سمتان مشتركتان بين الحدثين.
السمة الأولى أن كلا الحدثين كان نتيجة حركة مجتمع بأسره، وبكل قواه، وكانا تعبيرا عن إرادة وصلت ذروتها بتحقيق الحدث، وأن محاولة رصد الوقائع خلال أزمنة دوام الحدث، وهي تقريبا واحدة (ثمانية عشر يوما)، هي محاولة قاصرة، فالحديث عن التفاصيل يتعدد في كلا الحدثين بعدد البشر المشاركين ومواقع الحدث وزمن المواجهة، وهو انحراف عن دلالة أداء المجتمع كاملا بكامل إرادته وبكل ما امتلك من قدرات.
السمة الثانية أن كلا الحدثين على عظمتهما يندرج بنحو أو آخر تحت عنوان "الفرص الضائعة"، وكأن قدر الشعب أن يبني ويصنع الحدث ويضحي بالدم فيه، لتؤول الأمور والنتائج بعيدا عن أهدافه التي أرادها. لم ترق السياسة في 1973 إلى مستوى الإنجاز العسكري على أرض المعركة، وما حدث في يناير 2011 يقارب ذات النتيجة، فقد جرى اختطاف الثورة والانحراف بنتائجها، والفاعل في كلا الحالتين داخلي، ويحمل الجنسية المصرية.
كان السؤال قبل أكتوبر 1973 عائد النصر لمن؟ وبقي ذات السؤال بعد يناير 2011 عائد الثورة لمن؟، ومازالت الإجابات ناقصة لم تكتمل بعد، غير أن ثورة يناير 2011 تحمل بحدوثها مدخل الإجابة على سؤال 1973 بأن عائد النصر العسكري ذهب في اتجاهه الخطأ فاستدعى بعد 28 عاما ثورة الشعب بكل قواه ليسترد إرادته ويقيم مجتمع العدل.
كان الخروج الأول لمصر في أعقاب 1973 من المعادلة العربية للصراع بدأت مع كيسنجر وزيارة القدس وانتهت بمعاهدة كمب ديفيد.
وأعادت حركة الشعب ووحدته ووضوح هدفه في ثورة يناير مصر من جديد إلى المعادلة، وأكدت أن الطاقة الكامنة في هذا الشعب لم يتم استنزافها، وواجهت الأطراف الأخرى في الصراع سؤال ماذا يحدث أن استقرت وحدة الشعب واسترد إرادته؟، وأصبح هدفهم ألا يسمحوا بهذا.
الخطر الآن في الخروج الثاني لمصر من جلدها، لتعري الأعصاب واللحم والعظام، وتنزوي مصر على جانب مضاد لإرادة البقاء والتحرر العربية، تتجاوز الوطنية وتجعل الوطن دار كفر، وتتجاوز الارتباط المصيري بالعرب، لارتباط تحت دعاوى تحمل سمة القداسة دون مضمونها.
الخروج الثاني لمصر هو نكسة النضال الوطني فوق الأرض، فهل ستغيب مصر عن حركة التحرر العربي في مواجهة العدو الصهيوني، سؤال معلق فوق رؤوسنا بعد 39 عاما من نصر أكتوبر.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
646
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
546
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3195
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1236
| 01 أكتوبر 2026