رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعل ما يجري الآن بوتيرة عالية من حركتي الاحتجاج على سوء الأحوال الاقتصادية واستفحال الفقر والبطالة في تونس والجزائر يدعونا للحركة من أجل تأكيد الخطاب الإسلامي الأصيل الداعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على حقوق الإنسان دوماً والذي أثبت فعاليته بمر العصور على وجه التغليب وبحيث انه كلما غاب تطبيقه يعيش الناس في الشقاء والتعاسة وتراق الدماء غزيرة للوصول إلى شيء من السعادة، ففي تونس بلغ عدد القتلى من الثائرين المحتجين حوالي عشرين على أيدي الجيش بعد أن فشلت قوات الشرطة في إلجامهم، ناهيك عن القتلى الذين سقط بعضهم انتحاراً والآخرين الجرحى نتيجة المواجهات التي دخلت أسبوعها الرابع بين صوت الرصاص الحي وصراخ المتظاهرين العزل من السلاح، إضافة إلى الصدامات التي تلقاها مجموع المحامين ضربا وركلاً، مما جعل الاتحاد العام التونسي للشغل يدين هذه الأفعال غير المسؤولة التي زادت المحرومين قهراً بدل حل مشكلاتهم والكل أبناء وطن واحد يجب ألا يتضرر فيه أحد على حساب أحد ويجب أن يصان حق الأمن والغذاء للجميع وفي المشوار الناري نفسه هبت حركة احتجاج الشبان في الجزائر وربما لم يكن من باب العدوى من تونس لأن الجزائريين أشداء كذلك ولا يمكن أن يستمروا على ما يسمى الصبر على ضيق المعيشة والغلاء إلى هذا الحد، ولذلك فقد قبلوا التحدي وسقط منهم عدة قتلى ومئات الجرحى، إضافة إلى مئات آخرين من رجال الأمن ومازال اللهيب مشتداً وعلى حين تذهب حكومتا البلدين إلى أن ما يجري يمكن أن يبدأ بعلاجه والنظر فيه مع التهديد بيد الحديد وبلا هوادة لمنع من وصفتهم بمثيري أحداث الشغب، والذين لم يكونوا حضاريين في احتجاجاتهم التي لم تكن سلمية، حيث حرقوا وضربوا ونهبوا ممتلكات الآخرين واعتدوا على الأجهزة الحكومية العامة والخاصة، يذهب الثائرون المتظاهرون الغاضبون وغالبهم تصل نسبتهم إلى 75% من الشباب إلى أنه قد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى فتمادت الحكومات في طغيانها، حيث لم تصغ للدين ولا للقانون الآمرين بالعدل والحق، ويقولون: قد صبرنا إلى أن مل من صبرنا الصبر، حيث كنا كلما تأملنا شيئا خذلنا فهم كما قال البحتري:
شر العواقب يأس قبله أمل
وأعضل الداء نكس بعد إبلال
أو كما قال راجي الراعي: أكبر القتلة قاتل الأمل، فإنهم قد غدوا بلا أمل في الحياة ويحاربون في قوتهم وعيشهم والجدير بالذكر أن الكثيرين منهم حملة الشهادات العليا والمؤهلات المعتبرة ويعتذرون عن انتحار أخيهم الذي أحرق نفسه بالبنزين جراء مصادرة عمله البسيط وهو بأمس الحاجة أنه إذا كان ريختر يقول: وإن اليأس هو انتحار القلب، فإن صديقهم أو ملهمهم لثورة سيدي بوسعيد قد احترق قلبه قبل جسمه فعبر بإضرام النار فيه إذا اسودت في وجهه الدنيا وأنا اعترض هنا بمداخلة أن الانتحار لا يجوز البتة مهما كانت الظروف والمظالم وأحمل الجميع مشكلة هذا الفراغ الديني الذي بسببه يحدث مثل هذا، وإن كنت ممن يجيز الصلاة على الميت المنتحر لأن أصله مسلم موحد ولو ارتكب كبيرة قتل نفسه، كما قال العلماء ثم هم يقولون أيضا كيف يمكن أن نحب خصومنا والحال أن الفقر إذا دخل من النافذة فإن الحب يخرج من الباب، وإذا اعتبرونا مجرمين فإن الفاقة أم الجرائم، كما قال كابرولي، ثم هم يعتزون بأنه لا الفقر يستطيع إذلال النفوس ولا الثروة تستطيع أن ترفع النفوس الدنيئة كما قال فونتارغ، حيث إنهم على حين يرون أصحاب السلطة يصطادون الفيلة فإنهم كفقراء غير مستطيعين أن يصطادوا حتى البق، ثم هم يناقشون بكل ثقة مستدلين بالحديث الذي أورده العجلوني في كشف الخفاء "2/141" من رواية أحمد بن منيع عن الحسن أو أنس مرفوعا كاد الفقر أن يكون كفرا، وكذلك تعوذه صلى الله عليه وسلم من الفقر فيما رواه النسائي وصححه ابن حبان عن أبي سعيد كما في المرجع نفسه وموضعه (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) ثم ألم يقل لقمان الحكيم: وذقت المرارات فلم أر أمر من الفقر، ألم تجمع الأديان كلها على العناية بالفقراء حتى جاء الإسلام وأوجب ذلك حتما بدءا من المرحلة المكية بالحض على طعام المسكين والمحروم وانتهاء بالمدنية التي أصلت نصوص الزكاة والصدقات، انظر القرضاوي فقه الزكاة "ص/152"، أتروننا مشاغبين جانحين والفقر أبو الجرائم كما قال (الابرويبر) بل إن حق الفقير إنما يستلبه الغني كما قال علي رضي الله عنه: ما جاع فقير إلا متع به غني، إنهم يؤكدون أنهم ما خربوا إلا غضبا وانتصارا للحرية وانتزاعا لها من أيدي الغاصبين المستبدين الذين يخيطون الألسنة ويكسرون الأقلام الحرة فهم مع (سبينوزا) أن القوانين التي تلجم الأفواه وتحطم الأقلام إنما تهدم نفسها بنفسها، ويردون على من يتهمهم بالسرقة للممتلكات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقطع الأيدي في عام الرمادة والبعض إن فعل فإنه محتاج وعلى الدولة أن تتحمل وكما يقول المثل العربي: الحاجة لا تعرف القانون ويستأنسون بقول جبران خليل جبران: هل الخوف من الحاجة إلا الحاجة بعينها؟ وقول الشاعر:
وإذا لقيت صعوبة في حاجة
فاحمل صعوبتها على الدينار
ويقولون: إن ثروات البلاد محصورة في عائلة معينة أو حزب محدد أو شلة منتفعة، فأين تداولها الذي أمر به الإسلام مع أنهم يستحقونها إما لجدارتهم بها أو لفقرهم وضغط الحياة عليهم ويستدلون بقول أبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، على ولي الأمر تزويد العامل بآلة العمل وإن كان عاجزا أو مريضا أو ذا شيخوخة فعلى الدولة تأمين حاجته من بيت المال وفي مقابل مقاومة الغلاء في الأسعار حيث التضخم فلابد من وضع السعر ومراقبته حتى لا يزيد التجار، حيث يؤكد ابن القيم رحمه الله أن على صاحب السوق منع الزيادة ومن خالف عوقب وأخرج من السوق وأن المجتمع الإسلامي قائم على التكافل وهو التساند الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بين المهاجرين والأنصار وأن على الدولة كذلك أن تكفل حد الكفاية، "انظر د. أحمد العسال النظام الاقتصادي الإسلامي ص 10"، وهو ما يطلقون عليه اليوم: الضمان الاجتماعي، ثم يقول هؤلاء إن البطالة التي ضربت فئة الشباب في البلدين ظاهرة خطيرة جدا وان معدلاتها تتجاوز المقاييس العالمية وأنها في تفاقم مستمر وقد تجاوزت بين الشباب الخريجين 25% على ما أكده خبراء اقتصاديون جزائريون وقريب منها في تونس، مما أدى حقيقة إلى انعكاسات وآثار خطيرة من الاقصاء والتهميش بل الجنوح أحيانا وعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف العلاقة بين الأفراد والمجتمع وزاد من حدة الفوارق بين مستوى الترف والشظف، إن هؤلاء المحتجين يؤكدون أن ما تسميه الدولة تخريبا إنما هو للفت نظرها جديا إلى المعالجة، وهذا ما جعل الحكومة تتحرك بعد تحرك الدماء من الفريقين إلى البدء في الحل ورأت مثلا أن تخفف أسعار الضروريات 14% قبل يومين ثم أمس صرحت بأنها رفعت النسبة إلى 41%، ثم دعا المحتجون إلى إنصاف العائلات المحرومة من السكن الاجتماعي في الجزائر، حيث هددت 17 عائلة بالانتحار وقامت امرأة فعلا بمحاولة طعن نفسها حدث هذا وسابقة في باب الوادي وهي ديار الشمس في العاصمة، ويتساءل المحتجون اعذرونا إذا رشقنا بالحجارة من يدافع عن الظالمين ضد الضحايا وإذا أقمنا المتاريس في وجه جبروتهم واغتيالهم للشباب البريء، فالصراع لابد أن يدوم فللحرية ثمن باهظ أين ثورة الإعلام معنا والشد على أيدي الأحرار والشرفاء أين من يرفع صوته بأننا في الجزائر بلد غني مصدر للنفط ولكن شعبه فقير أي سوء إداري هذا حتى يضطر الشباب للبحث عن الرغيف قبل العمل لا تلومونا في هبتنا بل لوموا من يدخل البلاد في الأزمات الذي جعل الفقر سببا لولادة ونشأة البطالة، إن البطالة هي الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة التي تحدث الفراغ القاتل في الأوقات، كما قال المفكر ديل كارينيجي ساعات الفراغ أخطر الساعات، وبدل أن تنفق في ذلك فلتنفق في العمل، ثم يقول التونسيون كم هي إيرادات الموسم السياحي في تونس التي تؤمها الملايين وماذا يأتي الشعب من فائدة من هذا الإيراد للمحرومين على حين يتمتع السائحون أهل الفراغ الحقيقي وكذلك أصحاب السلطة بملء الجيوب.
وإننا بعد هذا التعليق السريع الذي لامس الأحداث ولم يسبرها لابد أن نعزز نصائحنا للحكومتين من جانب وللشعب خاصة الشباب أن يعمل الجانب الأول على: تقوى الله في شعوبهم المقهورة وحل مشكلتي الفقر والبطالة وعلى التعامل بالحوار مع الرعية وليس بالحديد والنار والاستكبار غالبا وأن يضربوا السيف الأعزل بوردة لا برصاصة وأن يرجع الجيش إلى ثكناته وأن يستغلوا الطاقات الشبابية فيشغلوها ولا يقتلوها أو يقيموا للعاجزين نظام التكافل الإسلامي، فالدولة بحر يجب أن يستوعب كل ما يصب فيه وأن يعملوا على تداول الثروة والسلطة ليتحقق العدل الواقعي أما الشعب الثائر والشباب الهائج اليوم، فمع حركتهم لابد أن يقوم كل قادر ولو على عمل بسيط أن يقوم به فإن الله لا يحب الرجل البطال كما في الأثر ومن تعطل وتبطل دون عذر فقد انسلخ عن الانسانية وصار من الموتى "انظر كتاب البطالة وعلاجها لجمال حسن السراحنة من ص 240" وذلك حتى لا نشارك في مشكلة الضياع العام وقد تعوذ رسول الله من العجز والكسل وليتمثلوا بالأشعريين حين الفقر، حيث يقسمون ما عندهم بينهم حتى تنجلي الليالي السود ويطلع فجر الفرج ويراجع الجانبان الحساب على فهم الإسلام.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
663
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
183
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
186
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4866
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2709
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
1980
| 02 يونيو 2026