رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في البيئات التي تُقدّس الشمولية، لا يُتخذ القرار حتى يمرّ على أكبر عدد ممكن من العقول. الفكرة تبدو عقلانية: مزيد من الآراء يعني رؤية أشمل، ومخاطر أقل، ونتائج أفضل. لكن ما يحدث عمليًا أقرب إلى ظاهرة عكسية هادئة: كلما اتسعت دائرة المشاركة، تراجعت احتمالية الحسم. لا لأن الآراء خاطئة، بل لأن كثرتها تُنتج نظامًا لا يعرف كيف يُنهي نفسه. تبدأ العملية بنية حسنة: خلّونا نسمع من الجميع. تُرسل المسودة، تُفتح التعليقات، ويبدأ تدفّق الملاحظات. بعض الآراء متعارضة، بعضها تفصيلي إلى حد الهوس، وبعضها عام لدرجة لا يُبنى عليه شيء. في هذه اللحظة، لا يكون السؤال: ما القرار الأفضل؟ بل: كيف يمكن إرضاء أكبر عدد ممكن من هذه الآراء دون خسارة أحد؟. وهنا يتحول القرار من فعل حاسم إلى عملية تفاوض مستمرة. السخرية أن كل مشارك يضيف قيمة محلية - تصحيح، تحذير، تحسين - لكن القيمة الكلية للنقاش تتناقص. السبب ليس في جودة الآراء، بل في تفاعلها. كل رأي جديد لا يُضاف إلى مجموع خطي، بل يُدخل احتمالات جديدة للتعارض، ويخلق التزامًا ضمنيًا بالردّ، ويزيد تكلفة تجاهل أي نقطة. بمرور الوقت، يصبح الصمت أخطر من الكلام، فيُفضَّل إضافة رأي آمن بدل تحمّل مسؤولية الحسم. ثم يظهر مفهوم غير مُعلن: التوافق. يُقدَّم التوافق كبديل راقٍ للقرار، لكنه في كثير من الحالات ليس إلا نسخة مخففة منه. التوافق يعني أن لا أحد يعترض بقوة، لا أن أحدًا مقتنع بقوة. للوصول إليه، تُزال الزوايا الحادة، تُخفّف العبارات، وتُختار حلول وسط لا تُغضب أحدًا - ولا تُرضي أحدًا أيضًا. النتيجة قرار مُسطّح، مصمّم للبقاء، لا للفعالية. مع ازدياد المشاركين، يتغيّر سلوك النقاش. بدل البحث عن أفضل خيار، يبدأ الأفراد في تمثيل مواقعهم: هذا يحرص على الجانب المالي، ذاك على المخاطر، ثالث على الصورة العامة. كل موقف مشروع بحد ذاته، لكن تجميعها دون آلية حسم واضحة ينتج شبكة شدّ متبادل. كل طرف يمنع انزلاق القرار في اتجاه لا يريده، دون أن يدفعه في اتجاه واضح. وهكذا يبقى القرار في المنتصف- أي لا مكان. المفارقة أن هذه العملية تُنتج شعورًا بالتقدّم. هناك نشاط مستمر: تعليقات، تحديثات، نسخ جديدة. لكن النشاط هنا بديل عن التقدّم، لا دليله. الفرق بينهما بسيط: التقدّم يغيّر الحالة، أما النشاط فيغيّر شكل النقاش. يمكن للمستند أن يتحسن لغويًا عشر مرات دون أن يقترب من قرار واحد. كيف يُستعاد الحسم دون إلغاء قيمة الآراء؟ المسألة ليست في تقليل عدد المشاركين بقدر ما هي في تعريف أدوارهم. ليس كل رأي له نفس الوزن، وليس كل مشارك صاحب قرار. عندما تختلط الأدوار، تتحول المساهمة إلى حق ضمني في الاعتراض، ويصبح كل تعليق قابلًا لإيقاف المسار. وجود مالك قرار واضح - باسم وصلاحية - لا يلغي الآراء، لكنه يضع لها نهاية: نقطة تُجمَع عندها المدخلات ويُتخذ بعدها القرار. هناك أيضًا فرق بين جمع الآراء وإدارة القرار. الأول متاح بطبيعته، والثاني يحتاج حدودًا زمنية ومعايير حسم. تحديد ما الذي سيُعتبر حاسمًا (تكلفة، وقت، مخاطر، أثر) يختصر كثيرًا من الدوران. وبدل السعي إلى توافق كامل، يمكن القبول بمبدأ أبسط: قرار واضح مع اعتراضات مُسجّلة أفضل من لا قرار بتوافق صامت. في النهاية، العلاقة العكسية بين عدد الآراء والحسم ليست قانونًا مطلقًا، لكنها نمط يتكرر حين تغيب آليات الإغلاق. المشكلة ليست في كثرة العقول، بل في غياب من يُنهي النقاش. وعندما لا يُعرَّف من يقرر، يتكفّل النظام بإنتاج نتيجة متوقعة: مزيد من الآراء، ومزيد من الوقت، وقرار مؤجل إلى اجتماع آخر يبدو - بدوره - فرصة ممتازة لسماع مزيد من الآراء!
471
| 10 أبريل 2026
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية،...
3843
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...
1422
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات...
1017
| 29 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
750
| 03 مايو 2026
على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...
675
| 30 أبريل 2026
ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم،...
648
| 28 أبريل 2026
يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل...
642
| 28 أبريل 2026
جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...
618
| 30 أبريل 2026
في خطوة غير مسبوقة في عالم التعليم العالي،...
618
| 30 أبريل 2026
لكل منظومة هيكل تنظيمي يحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات...
525
| 29 أبريل 2026
يقول الأكاديمي الكويتي الدكتور فيصل أبو صليب على...
477
| 28 أبريل 2026
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...
426
| 01 مايو 2026
مساحة إعلانية