رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

168

د. خالد وليد محمود

إيران في حرب الشيفرة

15 أبريل 2026 , 10:35م

تُقاس المواجهات عادةً بعدد الصواريخ ومسارات الطائرات، لكن جبهة أخرى أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا تتشكل في الخلفية: جبهة الشيفرة. فبينما تُرى الضربات في السماء والبحر، يدور صراع غير مرئي على مفاتيح الأنظمة، وعلى القدرة على التسلل والبقاء داخلها. الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لا تقتصر على مواجهة نارية تقليدية، بل تمتد إلى الفضاء السيبراني، حيث يُعاد تشكيل ميزان القوة عبر البيانات، لا عبر الصواريخ والقنابل وحدها.

تشير المعطيات المستمدة من المصادر المفتوحة إلى تصاعد واضح في النشاط السيبراني المرتبط بالأطراف الثلاثة الرئيسية: الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران. غير أن هذا التصاعد، على الرغم من زخمه، لم يتحول حتى الآن إلى ضربة سيبرانية حاسمة واسعة النطاق، بل اتخذ في كثير من حالاته طابعًا انتهازيًا يستفيد من ثغرات قائمة، أكثر من كونه نتيجة اختراقات عميقة وممنهجة قادرة على إحداث شلل شامل.

في المقابل، يكشف تحليل طبيعة هذه العمليات أن جوهرها لا يتمثل في "الاختراق" بحد ذاته، بل في ما يتيحه من تموضع طويل الأمد داخل أنظمة الخصم. يوضح ويليام أكوتو في مقال نشرته The Conversation (أبريل 2026) أن امتلاك “مفاتيح المعلومات” يعني القدرة على البقاء داخل الشبكات بصمت، وفهم بنيتها، ورسم خرائط ترابطها، تمهيدًا لاستخدامها في لحظة مناسبة. هنا تتحول القرصنة السيبرانية إلى أداة استراتيجية قائمة على التراكم والانتظار، لا على الصدمة الفورية.

هذا المنطق لا يقتصر على إيران، بل يشكل سمة مشتركة لدى القوى السيبرانية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، مع فارق واضح في مستوى الإعلان. فبينما تميل إيران إلى إظهار بعض أنشطتها في إطار الردع الرمزي، تُدار العمليات الأمريكية والإسرائيلية في مستويات عالية من السرية، حيث يُنظر إلى الفضاء السيبراني كحيّز عملياتي حساس لا يُفصح عنه إلا بقدر محسوب.

ضمن هذا الإطار، تبرز فكرة “التموضع المسبق” بوصفها حجر الزاوية في الحرب السيبرانية الحديثة. فالمعركة تبدأ قبل إطلاق النار، حين تُخترق الشبكات الحيوية ويُبنى “بنك أهداف رقمي” جاهز للتفعيل. وتشير تقارير إلى أن اختراقات سبقت المواجهة العسكرية، مما أتاح إمكان دمج الضربات السيبرانية مع العمليات الميدانية بصورة دقيقة ومتزامنة.

ولعل أكثر تجليات هذا التكامل وضوحًا يتمثل في استخدام أنظمة المراقبة كأدوات استخبارية. فاختراق كاميرات المراقبة وأنظمة السير داخل إيران مكّن من بناء صورة تفصيلية لما يُعرف بـ “أنماط الحياة”، وهي بيانات حاسمة في عمليات الاستهداف. هنا لا تعود الكاميرا جهازًا سلبيًا، بل تتحول إلى مستشعر ضمن منظومة عسكرية أوسع، تختصر مسافات طويلة كانت تتطلبها شبكات التجسس التقليدية.

في المقابل، لا تقتصر العمليات على العمق الاستراتيجي، بل تمتد إلى المستوى الفردي عبر هجمات آنية تستهدف الهواتف الذكية. رسائل تبدو إرشادية أو إنسانية تتحول إلى بوابات لاختراق الأجهزة، والوصول إلى الكاميرات والبيانات الشخصية، ما يجعل الفرد نفسه جزءًا من ساحة المعركة، ونقطة دخول إلى شبكات أوسع.

وربما ما يمنح هذه الحرب تعقيدها الأكبر هو الضبابية التي تحيط بها. من الصعب تحديد الفاعل بدقة، أو قياس حجم الاختراق، أو فهم نطاق الأثر الحقيقي. هذه الضبابية ليست خللًا، بل سمة بنيوية، تضاعف من تأثير العمليات، وتربك حسابات الردع، وتفتح المجال أمام تقديرات مبالغ فيها أو ناقصة على حد سواء.

وفي المحصلة، تكشف هذه الحرب أن ما يجري في الفضاء السيبراني لا يمكن قراءته بالمنطق نفسه الذي تُفهم به الحروب التقليدية. فإذا كان بالإمكان تقدير مسارات المعارك العسكرية عبر موازين القوة والتكتيك، فإن الحرب السيبرانية تظل أكثر استعصاءً على التنبؤ، لأن الغموض فيها ليس نقصًا في المعطيات، بل أداة من أدوات الصراع. فالهجمات لا تُقاس فقط بما تُحدثه من أثر مباشر، بل بما تتركه من حضور خفي داخل الأنظمة، وما تفتحه من احتمالات مؤجلة.

ومع تسارع تطوير الأدوات — من البرمجيات الخبيثة وهجمات التعطيل، إلى التصيد الموجّه والتلاعب بالبيانات — تتسع ساحة المعركة إلى مستوى لا يقل احتدامًا عن الجبهات التقليدية، بل يتجاوزها أحيانًا في العمق والتأثير. هنا، لا تُحسم المواجهة بضربة واحدة، بل بقدرة مستمرة على التسلل، والبقاء، وانتظار اللحظة المناسبة.

وإلى الأمام، لا تتجه الحروب نحو مزيد من التصعيد فحسب، بل نحو انتقالها إلى داخل الشيفرة. فالأفضلية لن تكون لمن يملك القوة النارية الأكبر، بل لمن ينجح في التغلغل المبكر داخل منظومات خصمه، وفهمها من الداخل، والبقاء فيها بصمت حتى تحين لحظة التأثير. عندها، لن تُقاس القوة بما يظهر على سطح المعركة، بل بما استقر خفية داخل هذه البنى قبل أن تبدأ المواجهة.

مساحة إعلانية