رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أهمية التثقيف وتعزيز القوانين والرقابة البيئية
سأتناول في هذا الجزء من مقالي حول حماية وتنمية البيئة البرية، ثلاثة عوامل، من وجهة نظري أنها تسهم بشكل أساسي في تفشي بعض الظواهر والسلوكيات السلبية نحو البيئة البرية القطرية، وهي: قلة الوعي والتثقيف، وضعف القوانين، والرقابة.
أهمية التثقيف والهدف منه
إن الهدف من حملات التثقيف ليس فقط نشر الوعي والتثقيف في حد ذاته، بل الإعلام بالقوانين وإظهار الجدية والاهتمام من قبل السلطة المنظمة، وإقامة الحجة على من يتعللون بعدم معرفته القوانين وهم كثير، وإرسال رسائل واضحة بعدم تحمل التعديات على البيئة والقوانين المنظمة لها، وأن من يقوم بذلك سيضع نفسه تحت طائلة قوانين صارمة، حتى تمثل عامل ردع للتعديات على البيئة قبل وقوعها وبالتالي تحد من تفشي هذه الظاهرة السلبية. فالعبرة ليست بكثرة إصدار المخالفات بعد وقوع الضرر، خصوصا اذا كانت القوانين والعقوبات غير رادعة، ولكن بمحاولة منع الضرر قبل وقوعه. وفي الحالات التي تكون فيها تكلفة الرقابة مرتفعة، كما هو الحال في الرقابة على البيئة البرية التي تتطلب نشر عدد كبير من المفتشين على مساحات شاسعة أو غير ذلك من وسائل الرقابة، فيمكن أن ترفع أيضا تكلفة المخالفات، وذلك بتغليظها، بحيث يصبح ثمن المجازفة بمخالفة القانون مرتفعا، وإن كانت الرقابة غير مكثفة، وبالتالي يشكل ذلك عامل ردع ذاتي، ويوفر من تكلفة الرقابة، أي تصبح الحاجة أقل لتكثيف الرقابة والتفتيش، مقابل رفع عقوبة المخالفة، ويعمل بهذه الطريقة في الرقابة البيئية والمرورية في بعض الدول المتقدمة. فهناك حاجة لتصميم وتنفيذ سياسات استباقية فعالة لذلك الهدف. فالتعديات إنما تقع بسبب الجهل، أو الاستهتار وعدم الاهتمام أو لتحقيق مكاسب معينة. ويجب أن تستهدف السياسات، من قوانين رادعة ورقابة وتثقيف، جميع هذه الفئات حتى تكون مجدية وفعالة، ولا تتسرب روح اللامبالاة وتتفشى الظواهر السلبية، خصوصا بعد أن كثر مرتادو البيئة البرية من ثقافات مختلفة غير ملمة بالأعراف والتقاليد القطرية في التعامل مع البيئة البرية القطرية على وجه الخصوص، إذ يلاحظ أن مستوى الإلمام والالتزام بالأعراف وقوانين الحماية البيئية والمحافظة عليها أكبر بين المواطنين القطريين من الوافدين، وهذا يشير إلى زيادة الوعي والاهتمام لدى الفئة الأولى ونقصهما لدى الثانية، وبالتالي تقع المسؤولية هنا على الجهة المنظمة لسد هذه الثغرة، وإلا فإن الفئة الثانية ستؤثر سلبا على الفئة الأولى، والإنسان بطبيعته لا يحب القيود والقوانين، وحتى في أكثر الدول وعيا وتحضرا، لا تلتزم الناس بدون قوانين رادعة، وسيكون الضرر هنا مضاعفا، في حين يفترض أن يحدث العكس، وهو تأثيرنا نحن في هذه الثقافات واحتواء السيئ من تصرفات وسلوكيات سلبية منها على البيئة والمجتمع، وتطبيعها للأعراف والقوانين القطرية، ليس في المجال البيئي فحسب بل في كل المجالات، وهذه مهمتنا نحن وليس مهمة هذه الجاليات، وهذا الأمر متوقع مع دخول ثقافات وعادات مختلفة مع التحول الهائل والسريع في التركيبة الثقافية والسكانية للمجتمع، مع النمو السكاني القوي خلال السنوات الماضية، وهذا يتطلب من الجهات المنظمة مواكبة هذه التحولات الثقافية والسكانية.
وسائل التثقيف والإعلام بالقانون
هناك قصور واضح في هذا الجانب إن لم يكن غياب شبه تام، لا من وسائل الإعلام المرئية ولا المقروءة، ولا بالشكل المباشر على أرض الواقع. فتتجول في قطر كلها وفي الأماكن البرية التي يرتادها الناس للتنزه والتخييم والقنص ولا تكاد ترى لوحة إرشادية واحدة لكيفية التعامل مع البيئة والتحذير من التعدي عليها، على سبيل المثال عند مخارج الطرق الرئيسية الى البر، كطريق الشمال، والطرق البرية والأماكن التي يرتادها الجمهور وحول الرياض الكبيرة والمعروفة، اللهم بعض الأماكن المحدودة مؤخرا داخل بعض المناطق المصنفة كمحميات، وهذا لا يكفي، وكأن باقي قطر مباح، حتى إن بعض القنوات التي تقوم بما يشبه الترويج لبعض الأنشطة التي لها علاقة وتأثير مباشران على البيئة كالقنص وغيره، لا تقوم بدور مواز في الإسهام في نشر الوعي وكيفية التعامل مع البيئة والتوجيه بالمحافظة عليها والالتزام بالقوانين المنظمة والأعراف والعادات القطرية. فمثل هذه القنوات يقع عليها مسؤولية أخلاقية ومجتمعية. فعلى سبيل المثال عندما تقوم هذه القنوات بنشر مواقع سقوط الأمطار، وبصور متكررة، بما يشبه الترويج، ولا أعلم ما هو الهدف من ذلك، وغيره من أنشطة قد يكون لها تأثير سلبي على البيئة، وحتى دون الحث على الالتزام بقوانين البيئة والتحذير من مخالفتها، فتندفع مجموعات الشباب بسيارات الدفع الرباعي إلى أماكن سقوط الأمطار فيما يشبه برحلة سفاري، وتقوم بتجريفها وتشويه وجه الأرض المنبتة الذي يبقى لفترات طويلة، وهو ما يفترض أن يتعارض مع قوانين البيئة بعدم دخول السيارات إلى المناطق والأراضي الممطورة، إلا للضرورة لأهالي تلك المناطق، ويضع ذلك عبئا مضاعفا على الجهات المختصة بحماية البيئة، فعلى من تقع مسؤولية ذلك؟ وأين دور جهات الحماية البيئية المختصة منه، ومن حث الجهات الأخرى على التعاون معها فيما يحقق قوانين حماية البيئة والمحافظة عليها والالتزام بها، لا ما يتعارض معها.
ضعف التثقيف والقوانين والرقابة
ومن الأدلة على ضعف التثقيف، وضعف القوانين وتطبيقها، هو قيام بعض المحلات التجارية والأفراد بنشر صور وفيديوهات ترويجية فيها مخالفات صريحة لقوانين البيئة، علنا في وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى مخالفات الجمهور علنا جهارا نهارا على جوانب الطرق العامة، من دهس وتجريف للرياض والمسطحات الخضراء بالسيارات والدراجات أو المركبات النارية، والتخييم ووضع دورات المياه بها، وإشعال النار على العشب وغير ذلك من مخالفات، دون حسيب ولا رقيب، وعلى حد سواء يجب أيضا أن يخضع مفتشو حماية البيئة لبرامج تدريب لتأهيلهم لمهام عملهم، وللتعامل مع الجمهور، فهذه ليست مهمة سهلة.
لذلك يجب أولا سن قوانين واضحة و رادعة، تُعرّف فيها المخالفات وتحدد عقوباتها (بقدر الأضرار التي تقع على البيئة منها والتي يجب أن تكون رادعة، ومغلظة في حالة التكرار، للسيطرة على هذه الظاهرة، ويمكن الاستعانة بأهل الخبرة من أهل قطر في هذا المجال)، ثم يتم الإعلام بتلك القوانين من خلال برامج تثقيف وإعلام شاملة، خصوصا مع بداية وأثناء مواسم التخييم والأمطار، تُعرّف بالمخالفات البيئية والعقوبات القانونية المترتبة عليها، وتستهدف كافة الفئات المتعاملة مع البيئة القطرية، قبل الاندافع شبه العشوائي في كل مرة، بردة فعل مؤقتة، سرعان ما ينتهي مفعولها، وقد تأتي بنتائج سلبية.
التعليمات الإرشادية على أرض الواقع
إن من أهم طرق الإعلام ولإقامة الحجة القانونية، هو وضع التعليمات والتحذيرات الإرشادية على أرض الواقع (وتكثيفها على المخارج الرئيسية إلى البر وعلى الطرق البرية وفي الاماكن التي يرتادها الناس، وحول الرياض قدر الإمكان) وهو نظام معمول به في الدول المتقدمة في أنظمة حماية البيئة وشاهدته في أمريكا، ولكن يجب أن تطبق تلك القوانين لتكون ذات مصداقية، وإلا فالأفضل عدم وضعها، حتى لا تكسر هيبة القانون وتأتي بنتائج عكسية، بحيث تشتمل التعليمات الإرشادية على: عدم دهس أو تجريف الرياض والمسطحات الخضراء، والأراضي المنبتة بالسيارات والمركبات النارية أو بما يؤدي الى تجريفها أو إحداث أضرار للتربة المنبتة والأعشاب والنباتات والأشجار، وعدم التخييم، وضع دورات المياه بها، وعدم رمي المخلفات وفضلات الطعام وتلويثها، وإشعال النار على العشب والاحتطاب وقطع النباتات والأعشاب، والاعتداء على الأحياء البرية أو إزعاجها، وعدم الرمي والتنور أو الصيد المخالف للقوانين، واحترام أملاك وخصوصية الآخرين والعادات والأعراف القطرية، والالتزام بالقوانين المحلية.
وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي
التثقيف والإعلام من خلال وسائل الإعلام (من تلفزة وصحف محلية) وتواصل اجتماعي، ورسائل نصية، وإعلام لدى محلات بيع مستلزمات التخييم، واشتراط رخصة لمحلات استئجار مستلزمات التخييم بشروط لحماية البيئة وكيفية التعامل معها، تنشر بشكل واضح أو يزود بها الزبائن والجمهور من مرتادي البيئة البرية.
التثقيف والتعليمات من خلال رخص القيادة
يا حبذا لو أدخلت وزارة الداخلية التعليمات بكيفية التعامل مع البيئة وقوانين حمايتها ضمن متطلبات الحصول على رخص القيادة، كعدم دهس وتجريف المسطحات الخضراء، وعدم تجريف التربة أو رمي المخلفات والتخلص من النفايات في البيئة البرية، لأن كثيرا من الناس يدعي عدم معرفته بتلك القوانين، كما يلاحظ كثرة التخلص من مخلفات البناء حول المزارع، بالإضافة إلى عدم دخول الجرافات البر إلا بتراخيص، وأرجو أن نصل يوما ما لهذه المرحلة.
تثقيف النشء وطلاب المدارس
أرجو أن نصل لمرحلة تقوم فيها وزارة التربية والتعليم بإدخال التثقيف بكيفية التعامل مع البيئة وحمايتها والمحافظة عليها، في منهاجها بشكل إلزامي لطلبة المدارس، وبهذا يتم نشر الوعي مبكرا ليتربى عليه النشء، وهو سلوك حضاري، ينم عن وعي وشعور بالمسؤولية، ويخفض تكلفة الرقابة وتطبيق القانون، والآثار السلبية المترتبة على البيئة، وينفي الادعاء بعدم معرفة القوانين لاحقا. ولكن زمام المبادرة مع الوزارتين المذكورتين أعلاه يقع على عاتق جهات حماية البيئة لطلب التعاون والتنسيق.
الرقابة غير التقليدية
في حال تكون الرقابة مكلفة، وتتطلب تغطية مساحات شاسعة بعدد كبير من المفتشين، فإنه يمكن في هذه الحالة استخدام طائرات الدرون، كما يمكن الاستعانة بالاهالي من سكان المناطق والتعاون معهم، فهم المتضررون الأوائل من التعديات البيئية، وتجدر الاستعانة بهم على حمايتها، وهو نظام وجدته يعمل به في أمريكا.
رعي الإبل وتنظيم القنص
من الواضح أن لمنع رعي الأبل آثار إيجابية على الغطاء النباتي والبيئة وتنميتها بشكل عام، ولذلك من المفيد الاستمرار في ذلك، كما أرجو أن يكون الوقت قد حان للنظر في تنظيم القنص بضوابط أو إرشادات تحد من آثاره الجانبية السلبية على البيئة، كدخول الرياض ودهس المناطق الممطورة وغير ذلك من ضوابط حماية البيئة والحياة الفطرية وتنميتها بشكل عام، ومنع صيد الطيور المواطنة، ومنع صيد الأرانب، لعدة سنوات لأنها منقرضة، حتى تتكاثر، وإنزال عقوبات مغلظة بمن يقوم بصيدها ليلا، ثم يمكن بعد ذلك النظر في تقنين صيدها بناء على تقييم نتائج منع صيدها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4437
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4158
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2067
| 07 مايو 2026